مبارك والبطريركية الشرقية

كمال غبريال في الثلاثاء 19 اغسطس 2014


 

مبارك والبطريركية الشرقية

 
   هكذا يكون حال الشعوب الساذجة، تصبح كالكرة بين أيدي وتحت أقدام النصابين والدجالين والمرتزقة. فتارة تكون أمريكا وإسرائيل حلفاء لمبارك الديكتاتور، وتارة  تكونا من دبرتا مؤامرة 25 يناير لقلب نظام حكمه، وتارة ثالثة تكون أمريكا وإسرائيل تحارب الإسلام والمجاهدين في سبيل الله، وتارة تكون هي من صنعتهم، وهي من أتت بهم في انتخابات مجلس النواب المصري عام 2012. الشعوب الساذجة مصيرها أن تبحث عن الموت، للخلاص من جحيم دنياها فلا تجده!!
عبادة عبد الناصر، ومعها لعن مبارك أو التحمس المطلق له، بجانب هذا التسليم والتهليل الفج للسيسي، والانبطاح تحت أقدام أصحاب الفضيلة والقداسة، والإيمان المهووس بنظرية المؤامرة، التي يحرك فيها الشيطان الأعظم شعوب العالم، كما يحرك بيادق على رقعة شطرنج، كلها مظاهر لمرض واحد، هو الفكر الأبوي القدري، الذي يجعل من الإنسان ألعوبة في يد الأسياد، باختلاف نوعياتهم وتصنيفاتهم. هي آفة الفكر والسيكولوجية، التي تجعل من الأفراد والشعوب عالة وصخوراً في طريق مسيرة البشرية.
الخلاف مع قطاع كبير ممن يلعنون مبارك وعصره، هو بالدرجة الأولى خلاف على رؤية دور الحاكم ودور الدولة، وعلى المسئولية التي يتحملها الفرد أو الشعب تجاه نفسه. فأصحاب النظرة البطريركية، يرون الحاكم إلهاً مسؤولاً عن كل كبيرة وصغيرة في حياتهم، ابتداء من دورات المياه إلى غرف النوم. وفق هؤلاء يستطيع الشعب أن يكون كسولاً وأونطجياً وفاسداً ومغيباً كما يحلو له، وعلى الحاكم توفير حياة رغدة هانئة له، وأن يجبره جبراً على أن يتحول إلى إنسان حقيقي جدير بحق بما يطلبه من رفاهية. سوف نتفق ونصفق لهؤلاء، إذا عثروا لنا على حاكم يمتلك كل هذه القدرات.
في علم الإدراة ترتبط السلطة بالمسئولية. فلا مسئولية دون سلطة أو خارج نطاقها، ولا سلطة دون مسئولية عن كل ما تشمله. وفق هرم السلطة تتعدد مستويات المسئولية، وتتعدد معها  السلطات لكل مستوى. وتمتد مسئولية المستويات الأعلى إلى المستويات الأدني، وصولاً من قمة الهرم إلى قاعدته. تكون السلطة والمسئولية مباشرة خلال المستوى الواحد، إذا يقيم أداء المسؤول عن قراراته الإيجابية والسلبية (أي التي لم يتخذها تقصيراً)، التي تخولها له سلطاته، وتفرضها عليه مسئولياته، وهنا قد يحاسب على التقصير إدارياً أو جنائياً. أما مسئولية المسؤول الكبير أو الأكبر، عما يحدث في المستويات الأدنى، فإنها تعد "مسئولية غير مباشرة"، وتتضاءل درجة هذه المسئولية، كلما أوغلنا نزولاً في المستوى عبر هرم السلطة، وتسمى هنا "مسئولية أدبية" أو "مسئولية سياسية". هكذا يعد رئيس الجمهورية أو الوزير مسؤولاً عن كل ما يحدث في البلاد بكامل اتساعها وتعدد أنشطتها وأوجه الحياة فيها. لكن هذه المسئولية تكون مجرد مسئولية أدبية أو سياسية، وتبعد عن نطاق المسئولية الإدارية والجنائية، مع بعد المسافة عبر هرم السلطة، بين مستوى سلطات المسؤول ومسئولياته، وبين المستوى محل النظر، الذي نرصد فيه الإنجاز أو التقصير. هنا نذكر تحامل وتهافت الحملات الإعلامية المحمومة، التي تم شنها على حسني مبارك، بتحميله كامل المسئولية، عن فشل أداء مسؤولي وأفراد أمة بكاملها. بالطبع في النظم الشمولية تتعاظم مسئولية القادة الكبار، لكم هذا لا ينفي أو يبرئ المستويات الأدني.
من الخطأ تقييم أي نظام أو عهد سياسي على أساس مطلق، بمقارنته بالمفترض النموذجي. فالإنجاز السياسي والاقتصادي يقاس، بما سبقه وما لحقه، واللذان يكادان يشتركان معه في ذات الظروف والإمكانيات المتاحة، ليظهر لنا منفرداً تأثير النظام ورجاله. أعتقد أن مثل هذه الرؤية تضع مبارك وعهده في مرتبة متقدمة، من حيث رخاء البلاد وحداثتها. أظن أن عصر مبارك كان أفضل الممكن، وعصر مرسي أسوأ الممكن، وربما يأتي عصر السيسي في منطقة وسطى بينهما. ومن يعترضون على التقييم النسبي لعهد مبارك، عليهم المقارنة بين شخصية د. أحمد نظيف رئيس وزراء مبارك، وبين شخصية د. عصام شرف ود. هشام قنديل وم. إبراهيم محلب رؤساء وزراء الثورة كما يقال عنهم، ليتبين حقيقة وضعنا الآن مقارنة بما مضى. أكثر من ثلاث سنوات ونصف مرت حتى الآن، ولم نستطع الإتيان بوزارء وقادة، أكثر كفاءة أو في مستوى كفاءة قيادات مبارك. أليس هذا كافياً للاقتناع، أن حكم مبارك رغم سوئه كان أفضل الممكن؟!!
بالتأكيد هناك بمصر رجال سياسة واقتصاد، أفضل من بعض من رجال عصر مبارك، وأفضل من جميع رجال عصرنا هذا، لكن هناك أولاً طبيعة الساحة السياسية المصرية، التي تعوق هؤلاء عن الوصول لصدارة المشهد الرسمي والشعبي، وقد تطردهم إلى خارج البلاد، نجاة بأنفسهم وبقدراتهم العلمية. وهناك ثانية طبيعة العلاقات وموازين القوى، التي في حالة تمكن بعض من هؤلاء الأكفاء من تبوء مناصب، تعوقهم عن تفعيل وتطبيق رؤاهم، فيضطرون إلى مسايرة الوضع، لحين مغادرتهم الساحة جبراً أو اختياراً.
فارق جوهري بين تقييم فعل "ثورة 25 يناير" في ذاته من حيث المبدأ، الذي هو الثورة على نظام بليد، جمد التطور المصري السياسي والاجتماعي، وفشل في تأسيس نظام اقتصادي حديث بحق، وبين تقييم مسيرة هذه الثورة بعد أيامها الثلاثة الأولى، ما لا يمكن فصله عنها، أو اعتباره انحرافاً بها. هي ثورة واحدة وليست ثورتين. ثورة واحدة كنا نحتاجها بالفعل، لكنها أتت لتدمر سائر مناحي الحياة المصرية، بدلاً من أن تحدثها، وتقوم أي اعوجاج فيها.
ينطبق ما تقدم أيضاً، على التركيز الراهن على ما يمكن أن يفعله السيسي ورجاله لانتشال البلاد من سقطتها، دونما تغيير حقيقي في أدائنا جميعاً كشعب ونخبة، ودون أن تتغير نظرتنا البطريركية للحاكم كإله مسؤول وحده عن كل ما يحدث لنا، خيراً كان أم شراً.
 
اجمالي القراءات 3182

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 598
اجمالي القراءات : 3,251,977
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 264
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt