العبادات الإسلامية بين التحريفات والخرافات:
مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ 6

محمد صادق في الأربعاء 12 فبراير 2014


مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ  6

الجزء السادس

العبادات الإسلامية بين التحريفات والخرافات

دخل فى مجال العبادات الإسلامية الكثير من التحريفات والتشويهات والخرافات، حيث إبتعد المسلمون عن جوهر الدين الإسلامى وأخذوا فى السير على طريق الإنحراف فى هذه العبادات وتشويهها.

وتعتبر هذه التحريفات التى دخلت فى مجال العبادات الإسلامية إفرازا طبيعيا لما ذهبت إليه الفرق الإسلامية التى إحتكرت تفسير الدين، وإبتعدت وأبعدت المسلمين معها عن القرءان الكريم، وأحلت محله تفسيراتها وشروحها وتصوراتها الخاصة عن مختلف المسائل الدينية وتأويلاتها لآيات القرءان الكريم إعتمادا على الصنعة اللغوية وعلم الكلام والفلسفة الإغريقية. الأمر الذى أدى إلى أن يعلق بالإسلام الكثير من المفاهيم والممارسات الخاطئة التى كانت سببا فى النفور من الإسلام ذاته من قِبَلْ غير المسملمين، وسببا فى الإبتعاد عن  تعاليمه من المسلمين أنفسهم.

كما أدى ذلك إلى الجمود الفكرى والخوف من البحث والنقد فصار المسلمون أسرى الخرافات والأفكار المضللة والعادات المنحرفة. ولعل أخطر مظاهر البدعة والمغالاة ما إستعمله المسلمون فى عصورالإنحطاط التى مرت بهم من مفردات وألفاظ تفخيمية وتعظيمية فى شأن أئمتهم وعلمائهم. مما لم يكن مألوفا أو واردا فى صدر الإسلام، حيث أن الهالة التى أضفوها عليهم أظهرتهم وكأنهم أنصاف آله.

لذلك لا بد للمسلمين فى وصفهم لأئمتهم وعلمائهم من الإمتناع عن أية أوصاف تحمل معانى لا تصح إلا لله السميع العليم، أما فيما خص وصف الرسول فيتبغى التأكيد بإستمرار على أنه نبى يوحى إليه وليس بشاعرولا ساحر ولا فيلسوف كما يحاول أعداء الإسلام إضفاء هذه الصفات عليه وترويجها لإبعاد صفى النبوة عنه.

مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ

ومن مظاهر الإنزلاق نتيجة إتباع بعض التيارات الدينية المتطرفة، ترك القرءان الكريم والتمسك بالحديث وتقديسه ووضعة فى مرتبة واحدة مع القرءان الكريم، وفى بعض الأحيان يضعوه فوق النص القرءانى. علما بأن النبى محمد عليه السلام نفسه كان يقول إنه يتبع فقط ما يوحى إليه من قرءان، ولم يقل فى يوم من اليام "إتبعوا أقوالى وأحاديثى " .. يقول الله تعالى فى كتابه العزيز:"  قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ" ألأحقاف 9

ومن مظاهر الإبتعاد عن جوهر الدين الإسلامى عدم فهم المسلمين لمعنى العبادة، وكأن العبادة هى فقط فى تأدية الفرائض التعبدية فحسب من دون معرفة أن العبادة هى فى إطاعة المسلم لأحكام الله فى الأمر والنهى. 

فإذا كانت العبادات لها جوها الروحى، وهى خالصة لله، وتمارس فى أماكن العبادة، فإن العبادة أيضا هى معرفة شئون الدنيا واإهتمام بها عن طريق أوامر الله سبحانه ونواهيه، ومن خلال إدراك الحلال والحرام، وذلك يتطلب تنشيط دور المساجد فى توعية المسلمين على قضاياهم الحياتية المرتبطة بعلاقاتهم اإجتماعية والسياسية وكيفية معالجتهاى بروح جماعية كما أمر الإسلام.

وأبرز الأمثلة على جماعية العبادات فى الإسلام، ودورها فى تقوية الروابط اإجتماعية بين المسلمين، هى فريضة الحج كونها مؤتمرا إسلاميا عالميا يبحث المسلمون فيه شؤونهم ولهم فيها منافع ترتبط أيضا بالعبادة، لأنها لا تخرج عن كونها فى صالح الإسلام والمسلمين.

ولعل ما يستوجبه الدين الإسلامى تشجيع الناس على أداء الصلاة بأسلوب جماعى وفردى فى الآن نفسه، وهنا تقتضى الضرورة الإبتعاد عن التزمت والتعصب ، فإذا كان هناك إنسان ما يصلى من الفرائض الخمس فريضة واحدة أو فريضتين فيجب أن يُنصح لكى يكمل باقى الفرائض الأخرى لا أن يُقال له إما أن تصلى الفرائض الخمس وإما أن تترك الصلاة بكاملها.

فقد يبدأ هذا الإنسان بفريضة أو بفريضتين ويتعود على الصلاة فيصلى بعد ذلك جميع الفرائض. ومن يُصلى فريضة واحدة خير ممن لا يصلى على الإطلاق. وهذه بالطبع ليست دعوة إلى ترك الفرائض الخمس، كما يحاول أن يصوره بعض المغرضين، ولكنها دعوة لتشجيع الناس على الصلاة، فالصلوات الخمس مفروضة ولا أحد يستطيع أن يلغيها.

وقراءة القرءان يجب أن تكون كذلك خاشعة، بحيث لا يقرأه المسلم كما لو كان يقرأ فى صحيفة أو كتاب عادى، بل عليه أن يتوقف ويتأمل ويدرس معانى الآيات ودلالاتها لاويتفكر فيها ليعمل بها. فالكثيرون يفاخرون بأنهم ختموا القرءان عدة مرات فى الشهر أو فى السنة وفى الواقع أن قراءة هؤلاء للقرءان لا تعدو كونها مطالعة سريعة بدون تفكر وتأمل ودراسة.

أما فيما يتعلق بأماكن العبادة، فينبغى أن تكون فقط لذكر الله سبحانه وتعالى، وللدعوة له، لا لأحد غيره، بنص الآية الكريمة " وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا " الجن 18، وهذا يتم عن طريق الدعوة إلى الإسلام وتوعية الناس على أساسه، وتذكيرهم الدائم به وبأحكامه، حتى لا يخرج المسلمون عن طاعة الله فى أمر من أمور دينهم ودنياهم، ولا أن يدعوا لزيد أو أى شخص من الناس حاكما كان أم غير حاكم إذا لم يكن الأمر كله عائدا لله، وخاصة حين تتمعن ببعض الخطب التى تلقى فى المساجد والتى من خلالها تمجد الحكومات والرؤساء.

لهذا لابد من فهم معنى العبادة ومعرفة دور المساجد فى بلورة هذا المعنى بإلتزام خط الإسلام فى مفهوم العبادة والدعوة لله الواحد عن طريق توعية الناس على دينهم الذى يعالج قضاياهم ويعطيها الحلول الناجعة.

إن تصحيح العبادات الإسلامية مما شابها من تحريفات وتشويه يستلزم التمسك بالقرءان والإبتعاد عن البدع والتفسيرات الخاصة والإجتهادات الفكرية التى جاء بها أئمة المذاهب وغيرهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول هؤلاء الفقهاء أنه يجوز للإنسان أن يفطر فى رمضان إذا كان مسافرا ومدة سفره ثلاثة أيام أو أكثرفقط، وحددوا المسافة بإبتعاد عن مدينته أو قريته مسافة خمسة وثمانين كيلومترا. وبالطبع إن هذه تفسيرات وإجتهادات خاصة، فالقرءان الكريم لم يحدد عدد الكيلومترات أو عدد الأيام، بل قال إنالإنسان يجوز له أن يفطر فى رمضان إذا كان مسافرا، حيث يقول:

" ... فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ... "  البقرة 184

والسفر هنا مطلق وليس محددا بمسافة معينة، ومعنى ذلك أن الإنسان الصائم يستطيع أن يفطر خلال سفره متى شعر بالتعب وبعدم القدرة على الإستمرار فى صيامه سواء كان ذلك بعد عشر كيلو مترات أو خمسمائة كيلو متر. فليس فى الإسلام عُسر إنما هو دين يسر، ولعل هذه هى إحدى خصائصه المهمة البارزة.

مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ

ومن الأمور الدخيلة على الإسلام تلك العادات الإجتماعية السيئة التى تتعارض مع مبادئ الدين الإسلامى وجوهره. فمن العادات الإجتماعية السيئة التى ينبغى التخلص منها، هى عادات البذخ والإسراف والمغالاة فى إقامة الولائم وتقديم الهدايا سواء كان ذلك فى حفلات الختان أو إستقبال الحجيج أو الزواج الذى أصبحت مهوره وهداياه عائقا أمام الشباب لتحصينهم من الفساد.

ولا يعنى هذا بالطبع عدم إقامة مثل هذه الإحتفالات فقد أصبحت هذه الإحتفالات فى المناسبات المذكورة عادات إجتماعية لا يمكن إلغاؤها أو شطبها بسهولة، ولكن المطلوب هو الإعتدال والتبسط وعدم المغالاة والتباهى، وعدم الإسراف والبذخ وإهدار الأموال فى ما لا يفيد. فالقرءان الكريم يضع المبذرين فى مرتبة الشياطين، حيث يقول: "  إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ .. " الإسراء 27

هذا بالإضافة إلى ما يخلقه البذخ والترف والإسراف والتباهى فى المناسبات اإجتماعية المذكورة وغيرها من أحقاد وتنافس غير محمودة، حيث يحاول غير القادرين على تقليد الميسورين ماديا فى المغالاة فى إقامة الولائم وتقديم الهدايا فيتورطون فى الديون والقضايا، الأمر الذى ينهى عنه القرءان الكريم حيث يقول:

" لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... " البقرة 286

نكتفى بهذا القدر ونلتقى إن شــاء الله تعالى مع الحلقة السابعة وإستكمال المفاهيم والعادات الدخيلة على الإسلام.

المراجع:

القرءان الكريم،

1-مذكرات الدكتور أحمد صبحى منصور،

2-معالم فى الطريق .. سيد قطب،

3- مذكرات الدعوة والداعية.. حسن البنا،

4-دعوتنا... حسن البنا،

5- تفسيرات الفقهاء وأئمة المذاهب والفرق. 

اجمالي القراءات 9244

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-10-30
مقالات منشورة : 403
اجمالي القراءات : 5,770,904
تعليقات له : 691
تعليقات عليه : 1,384
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada