رثاء وطن!!

عثمان محمد علي   في الإثنين 21 يونيو 2010


 

رثاء وطن!!

  بقلم   د. يحيى الجمل    ٢١/ ٦/ ٢٠١٠

 عندما قرأت قصيدة فاروق جويدة الأخيرة عن النيل خطر فى ذهنى أن أعلق عليها فى مقال بعنوان «تاريخ وطن»، ثم رأيت أنه قد يكون من الأفضل أن أسمى التعليق «مأساة وطن» وأخيراً استقر رأيى على هذا العنوان: رثاء وطن.

نعم هو وطن فى مأساة، يبدو أنها ليس لها قرار، ويبدو أنه يستحق الرثاء فعلاً، وليس الشعراء وحدهم الذين يحسون عمق المأساة ومرارتها، ولكن كل الذين يفكرون فى مصر ويحملون همومها يدركون حجم المأساة ومرارتها وأبعادها.

مصر العشرة آلاف من الذين يحكمون ويستأثرون بالسلطة والثروة ومغانم الفساد وحدهم، يشعرون بأننا فى نعيم مقيم، أما مصر الأخرى مصر الكادحين والمهمومين مصر الملايين فهم يشعرون بالمأساة. طبعاً ليس بمشاعر الشاعر الرقيق المرهف الإحساس - فاروق جويدة - وإنما هم يعيشونها ليلاً ونهاراً وفيما بين الليل والنهار، وأحياناً لا يملكون إلا أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل.

ماذا قال الشاعر العذب فى قصيدته التى تعبر عن عمق المأساة ومرارتها؟ وكيف أنطق النيل بمشاعره وآلامه؟ وكيف أجرى على لسانه قصيدة رثاء لهذا الوطن.

أسمعه يقول:

لم تحفظوا عهدى وخنتم رايتى

حين استبحتم حرمة الإنسان

ما أعمق ما يفيض به هذا البيت القصير من المعانى، الإنسان الذى كرمه الله، والذى أقسم فى الماضى البعيد ألا يلوث ماء النيل الإنسان الذى خلقه الله منذ دب على ضفاف النيل منذ فجر التاريخ حراً كريماً. هذا الإنسان كيف صار الآن؟ صار مقهوراً محاصراً لا إرادة له ولا صوت له فى أمر وطنه، استبحنا حرمته، فهان وهان مصير الوطن، لأن الوطن هو مجموعة المواطنين فإذا هان هؤلاء فقد هان الوطن حتى إن احتفظ بعض الآحاد بالثروة والسلطة و«العز» وكل مغانم الفساد. الوطن ليس حفنة أفراد وإنما هو مجموعة أبنائه الذين يمثلون غالبيته وسواده، وهؤلاء هم الذين استبحنا حرمتهم. وبذلك لم نحفظ عهد النيل وخنا رايته.

هل هناك أبلغ فى إهانة الإنسان وازدراء حرمته من ذلك الحادث البشع الذى تناقلته وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية والمحلية - حادث تعذيب ثم قتل المواطن خالد سعيد على يدى شرطيين بمدينة الإسكندرية، ثم إلقاء جثته بعد ذلك مشوهة ممثلاً بها فى الشارع؟.

هل هناك ازدراء للإنسان وهوان أكثر من هذا الذى حدث؟ ما الذى جنته مصر وماذا جناه نظام الحكم فيها من هذا الحادث الذى ظل طوال الأسبوع الماضى الحديث المكرر والمعاد فى الصحف والفضائيات؟

وهل هناك أبلغ فى الاستخفاف بالعقول والاستهانة بإرادات الناس أكثر مما حدث فيما قيل له «انتخابات» مجلس الشورى؟ لم يحدث فى تاريخ مصر لا بين سنة ١٩٢٣ و١٩٥٢ ولا بعد سنة ١٩٥٢، وحتى الآن أن نائباً نجح فى الانتخابات بأكثر من عشرين ألف صوت.. ولم يحدث أن حضر فى دائرة انتخابية على مدى هذا التاريخ كله أكثر من ثلاثين ألف ناخب وفق الإحصاءات الرسمية، وتأتى هذه «الانتخابات» لتقول إن فلاناً قد حصل على مائة وثلاثين ألف صوت، وآخر حصل على مائة وخمسين ألف صوت وثالثا اقترب من ثلاثمائة ألف صوت.

هل هناك استهانة بالعقول أبلغ من هذا كله؟

أليس شاعرنا الكبير على حق عندما يقول:

لم تحفظوا عهدى وخنتم رايتى حين استبحتم حرمة الإنسان

وأى خيانة وأى استباحة!!

الشاعر الكبير يستطيع فى بيت واحد من الشعر أن يعبر عن معان يضيق بها مقال طويل، وفى ذلك قال أستاذنا العقاد فى كتابه الصغير الرائع «فى بيتى»: إن خمسين صفحة من قصة لا تعطيك المحصول الذى يعطيكه بيت كهذا البيت:

وتلفتت عينى فمذ بعدت عنى الطلول تلفت القلب

وقد لا أتفق مع أستاذنا تماماً فى رأيه حول «فن القصة» ونظرته إليه، ولكن الذى لا شك فيه أن المعانى التى حملها بيت فاروق جويدة أو بيت «طرفة» لا تتسع لها صفحات طوال.

وأسمع فاروق العزيز ـ الذى ابتعد عنى أخيراً بعد أن أصبح من النجوم ـ يقول على لسان النيل مخاطباً بنى مصر:

كيف ارتضيتم محنتى وهوانى

هل يسكن القلب الصغير إلى الثرى

هل يصبح الماء الجسور وليمة

فتمردت خيلى على فرسانى

وتلفنى فى وحشة أكفانى

للشامتين على ثرى جسمانى

يا الله! كيف يكون رثاء الوطن إن لم يكن هذا هو الرثاء.. ما أظن أحداً منذ حافظ إبراهيم شاعر المراثى الذى قال فيه شوقى عند وفاته «وقد مات حافظ قبل شوقى بفترة قصيرة»:

قد كنت أوثر أن تقول رثائى يا منصف الموتى من الأحياء

وما أظن أن حافظ إبراهيم لو أراد أن يرثى هذا الوطن البائس المنكوب بحفنة من أبنائه ما قال غير ما قاله فاروق جويدة.

هل يصبح الماء الجسور وليمة للشامتين على ثرى جسمانى؟

وما أكثر الشامتين!

هل هان ابن النيل ولم يصبح جسوراً أبياً مقداماً وإنما أصبح جسداً مستباحاً تحوم حوله بغاث الطير ويشمت فيه الشامتون؟

وأسمعه يقول فى وصف وجوه الناس الذين كانت لا تغيب عنهم الابتسامة:

حتى عيون الناس ضل بريقها ما بين ليل القهر والهذيان

أعوذ بالله أليس هذا هو الحادث فعلاً.. وجوه متجهمة متوترة يكاد يتشاجر بعضها مع بعض بغير سبب، ومودة ضاعت حتى بين القريب والقريب.

وأخيراً يبدى النيل ندمه على اختياره هذه الأرض وهذا الوطن قائلاً فى مرارة وأسى:

أعطيتكم عمرى وهانت عشرتى والآن أرفع راية العصيان

لو كنت أعلم ما طواه زمانى لاخترت أرضاً غيركم أوطانى

أليس هذا هو حالنا الذى صرنا إليه رغم ما قد تراه قلة من أبناء هذا الوطن؟! أليس هناك من رجل رشيد يدق ناقوس الخطر ويقول مع فاروق جويدة:

فى الأفق شىء لا أراه وإن بدا خلف السحاب كثورة البركان

إن القارعة إذا وقعت فإنها لن تبقى ولن تذر والعياذ بالله وسيكتوى بنارها الجميع.

ألم أقل ذلك مراراً وتكراراً وبكل لغة وبيان؟

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد

اجمالي القراءات 2956
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   ميرفت عبدالله     في   الثلاثاء 22 يونيو 2010
[48543]


هل هناك ازدراء للإنسان وهوان أكثر من هذا الذى حدث؟ ما الذى جنته مصر وماذا جناه نظام الحكم فيها من هذا الحادث الذى ظل طوال الأسبوع الماضى الحديث المكرر والمعاد فى الصحف والفضائيات؟


هل هان ابن النيل ولم يصبح جسوراً أبياً مقداماً وإنما أصبح جسداً مستباحاً تحوم حوله بغاث الطير ويشمت فيه الشامتون؟


أسئلة كثيرة سألها الدكتور يحيى الجمل وتنتظر الإجابة فهل نجدإجابة لتلك التساؤلات التي تدل على واقع أصبح معاش ولا يمكن إنكاره ؟؟!!


2   تعليق بواسطة   فتحي مرزوق     في   الأربعاء 23 يونيو 2010
[48562]

ولقد كرمنا بني آدم ...

 يقول تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)


 هذا النظام الفاشستي هو من أبناء مصر مع الأسف وشرب من نيلها ومع ذلك فقد أذلوا المصريين وقهروهم وسرقوا أقواتهم وثرواتهم التي كانوا ممكنا أن يتقدموا بها ويشاركوا في صنع الحضارة الحديثة ..


 أليسوا بعملاء إسرائل اختارتهم بعناية بعد حرب أكتوبر وانتصار مصر عليها فقام عملاء الموساد بمصر وقتها وقد فهمت اسرائل انها لن تستطيع أن تقهر المصريين عسكريا فلجأت الى حيل اليهود القذرة والتي يستخدمها ألد أعداء من تجنيد بعض الخائنين من أبناء الوطن ليعتلوا أعلى المناصب السياسية أي القيادة السياسية مجندة من جانب اسرائيل من بعد نصر أكتوبر  على أيدي عملاء اسرائل منذ قبل الحرب المجيدة.


إن العشرة آلاف الذين يحكمون مصر ويستحوذون على مقدراتها هم ألد أعداء مصر وأبناء مصر.


3   تعليق بواسطة   عائشة حسين     في   السبت 26 يونيو 2010
[48631]

مفهوم الوطن

مفهوم الوطن هم مجموعة المواطنين  وليس الأرض أو المنشآت  فإن هان الوطن ، واستبيحت حقوقه من قلة تعيش فوق أرضه ، تتحكم في أقواتهم ومصيرهم وتقدم لهم لهم الهوان والتعذيب ، فمن الوطن إذن هل هذه الحفنة الصغيرة أم سواد الناس القابعين تحت وطأة العذاب ؟ وما هو غريب ويدعو للضحك  أن هذه الحاشية تعتبر  نفسها  هي  الوطن ويتحثون بلسانه ويصدرون الأحكام !!!!


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق