اللؤلؤ: مصائده واستخراجه وتجارته وأنواعه

احمد صبحى منصور   في الإثنين 01 فبراير 2010


 

عرف المسلمون استخراج اللؤلؤ والمرجان واقتناءهما والاتجار فيهما .. واهتم بعض العلماء بالتصنيف في الأحجار الكريمة مثل ابن الجزار والكندي والإدريسي والتيفاشي  ، وأشار بعضهم إلى الأحجار الكريمة في بعض مؤلفاته مثل القلقشندى في " صبح الأعشى " والمسعودي في " مروج الذهب " بالإضافة إلى مشاهدات الرحالة ..
ونعطي لمحة سريعة عن اللؤلؤ والمرجان في تراثنا .
 
                                     مصائد اللؤلؤ في العالم الإسلامي
كانت له مغاصات كثيرة إلا أن أشهرها كان :
1-    سرنديب " جزيرة سيلان " في جنوب الهند وكان يستخرج من سواحلها أكثر الأنواع نفاسة .
2-    الخليج العربي وساحل عمان والبحرين ، وأفخره اللؤلؤ المستخرج من جزيرة خارك بين كيش والبحرين ، وكان اللؤلؤ المستخرج من الخليج أفضل أنواع اللؤلؤ .
3-    ساحل البحر الأحمر المصري ، واللؤلؤ منه ردئ حتى لو كان كبير الحجم  ، وأهم مصايد اللؤلؤ هنا حول ميناء عيذاب المواجه لميناء جدة ، وقد تحدث المقريزي في الخطط عن ميناء عيذاب فقال إن في ساحلها مغاصا للؤلؤ في جزيرة قريبة منها يخرج إليه الغواصون في وقت معين من كل سنة في الزوارق حتى يوافوه بتلك الجزر فيقيمون هناك أياما ثم يعودون بما قسم لهم من الحظ ، والمغاص فيها قريب من القعر .. وقد نقل المقريزي هذه المعلومات عن رحلة ابن جبير ومشاهداته في عيذاب .                  وقبل المقريزي بنحو قرن من الزمان كان رحالة آخر يتجول في الجزيرة العربية وغيرها ويصف ما يراه ، وهو ابن بطوطة أشهر رحالة عربي ، وقد تحدث عن مدينة سيراف "على ساحل بحر الهند المتصل ببحر اليمن وفارس " وقال إن فيها طائفة من عرب بنى سفاف وهم الذين يغوصون على الجوهر أي اللؤلؤ .                             ثم ذكر مغاص اللؤلؤ فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الوادي العظيم ، يأتي إليه الغواصون فيما بين شهري ابريل ومايو في قوارب كثيرة ومعهم التجار من فارس والبحرين والقطيف .
 
                               استخراج اللؤلؤ
 
قبل " تفريخ " اللؤلؤ وتصنيعه كان الحصول عليه يقع على عاتق الغواصين المحترفين وبوسائلهم البسيطة الساذجة ..
ونتعرف عليها من خلال ما كتبه الرحالة والمؤرخون .
يذكر المسعودي في القرن الرابع أن الغواصين كانوا لا يأكلون شيئا من اللحوم قبل الغوص ويكتفون بالسمك والتمر ، وكانوا يشقون أصول آذانهم حيث اعتقدوا أن باستطاعتهم التنفس تحت الماء من خلال آذانهم بدلا من أنوفهم ، وكانوا يضعون على أنوفهم بعضا من عظام السلاحف البحرية يجعلونه مثل المشبك يقفلون به فتحتي الأنف ، ويجعلون في الأذنين قطنا فيه شيئا من الدهن ، ويقول المسعودي إن ذلك الدهن كان يضئ لهم شيئا من ظلمة البحر ، وكانوا يطلون أقدامهم وسيقانهم بالسواد لإخافة وحوش البحر والأسماك المتوحشة ، وكانوا يصيحون في أعماق الماء بما يشبه النباح حتى يسمع بعضهم بعضا .
وفي القرن الثامن يذكر ابن بطوطة نفس المعلومات تقريبا عن استخراج اللؤلؤ في الخليج ، فالغواص يضع على وجهه شيئا من عظم السلحفاة يشبه المقراض يشده على أنفه ثم يربط حبل في وسطه ويغوص .
ويذكر ابن بطوطة أن الغواصين كانوا يتفاوتون في الصبر تحت الماء فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هناك فيما بين الأحجار الصغار مثبتا في الرمل فيقتلعه بيده أو بحديدة يحملها معه ويضعها في مخلاة جلد مثبتة قي عنقه ، فإذا ضاق نفسه حرك الحبل فيحس به الرجل الممسك بالحبل فوق القارب فيرفعه ، وتؤخذ منه المخلاة بما فيها .
وفي القرن الرابع الهجري قل اللؤلؤ المستخرج من سرنديب فلم يذكره المسعودي في كتابه، وقيل وقتها إن اللؤلؤ غادر سرنديب إلى أفريقيا ،ولكن سرعان ما عاد الاهتمام إلى المنطقة في القرن السادس الهجري ويحكي الإدريسي ما كان يحدث في استخراج اللؤلؤ من سواحل سرنديب ، حيث تخرج إلى السواحل أكثر من مائتي سفينة تحمل كل منها حوالي ستة من التجار كل منهم في مكان خاص في السفينة ،  ومعه الغواصون التابعون له ومساعدوهم ، ويقود أسطول السفن قائد بحري يعتلي مركبا يسير به أمام الجميع، وهو الذي يختار المكان ، فإذا وجد مكانا مناسبا للغوص عن اللؤلؤ ألقى مراسي سفينته وألقى الآخرون مراسي سفنهم حوله ، ثم يسد الغواصون أنوفهم بالشمع المذاب في زيت السمسم ويأخذ كل منهم سكينا ومخلاة ويقعد على حجر مربوط في حبل يمسكه المساعد له وينزله إلى قاع البحر، ويستمر هذا الغوص ساعتين من النهار ، ثم يقاس هذا اللؤلؤ ويباع في يوم يحدد له بإشراف الحكومة ، ويفرز بثلاثة غرابيل متفاوتة في اتساع الخروق بعضها فوق بعض ويستطيع الغواص أن يبقى تحت الماء من دقيقة إلى دقيقة ونصف .
ويحكى الرحالة الصيني " لنج واي" مشاهدته في استخراج اللؤلؤ من سواحل سرنديب ، وقد أوردها آدم متز في كتابه عن الحضارة الإسلامية فيقول إنه يعمل في استخراج اللؤلؤ ثلاثون أو أربعون قاربا علي كل منها حوالي اثنا عشر بحارا، ثم يأتي الغواصون وقد شدت الحبال علي أجسامهم وسدت أنوفهم وآذانهم بالشمع الأصفر وينزلون البحر على عمق مائتين أو ثلاثمائة قدم ، وتكون الحبال مثبتة في القارب ، فإذا أشار أحد الغواصين بتحريك حبله جذبوه إلى السطح ويكونون قد سخنوا له غطاء لينا في الماء المغلي فيلقونه عليه بمجرد خروجه من الماء حتى لا تصيبه نوبة فيموت ، والغواصون عرضه لهجوم الوحوش البحرية ، وقد يحرك الغواص الحبل فلا يستطيع مساعده أن يجذبه وحده فيتعاون معه بحارة المركب فيخرجونه وقد أصابته وحوش البحر .
 
                                      تجارة اللؤلؤ في الخليج
كان استخراج اللؤلؤ يقوم على أسس رأس مالية ، فيقوم أحد المقاولين باستئجار الغواصين شهرين ويدفع لهم أجرهم بانتظام ، وكان يحصل من وراء غوصهم أحيانا على ربح هائل ، ولا يصيبهم منه شئ ، وكان من المعتاد أن يكون المقاولون من أبناء القبائل الغنية الذين يملكون القوارب والسفن ، وقد يقسمون اللؤلؤ على السفن بالتساوي ، ويشتريه منهم تجار الهند ويصدرونه إلى الصين ويخفونه في ملابسهم هربا من المكوس .
 
وابن بطوطة يذكر أن عرب بني سفاف في القرن الثامن كانوا يقومون باستخراج اللؤلؤ وبيعه ، وكان السلطان يأخذ ضريبة تشمل الخمس ، والباقي يشتريه التجار الذين يحضرون استخراج اللؤلؤ ، ويقول ابن بطوطة أن بعض التجار يكون قد اعطي المقاول أموالا ويأخذ الإنتاج الوارد فلا يتبقى للمقاول شئ .
ويذكر القلقشندى أن قيمة اللؤلؤة التي تزيد درهمين تقريبا" 700 دينار " بشرط أن تكون جيدة ، فأن كانتا اثنتين فالثمن " 2000 دينار " كل واحده بألف دينار ، واللؤلؤة التي تزيد مثقالا ثمنها " 300 دينار " ؟إذا كانت جيدة فإذا كانتا في وزن مثقال وهما متماثلان زادت قيمتها عن 700 دينار.
وقد ذكر ابن الطوير في تاريخ الدولة الفاطمية أنه كان عند حلفائهم درة تسمى اليتيمة زنتها سبعة دراهم كان الخليفة الفاطمي يضعها على جبهته بين عينيه عند ركوبه في المواكب .
 
                                  أنواع اللؤلؤ
 
مقياس الجودة في شكل اللؤلؤة أن تكون مستديرة كاملة الاستدارة ودليل ذلك أن تظل متدحرجة نهارا كاملا على سطح مستو توضع عليه،  ولذلك كان من عيوب اللؤلؤة أن يكون هناك تضاريس على سطحها أو تفرطح أو اعوجاج أو يلتصق بها قشر أو دودة أو تكون مجوفة غير مصمتة أو يكون ثقبها متسعا .
ومن حيث اللون فأثمن اللؤلؤ ما أشتدت شفافيته وبياضه ..  ومن حيث الوزن فالأكبر حجما والأثقل وزنا .
وهناك مصطلحات للؤلؤ حسب الجودة والوزن .
فإذا اجتمع في اللؤلؤ أوصاف الجودة فما زاد على درهمين وزنا فهو " درة " ، فإن نقصت عن الدرهمين سميت حبة لؤلؤ .. وإن زادت عن الدرهمين وفيها عيب فإنها تسمى حبة أيضا ولا عبرة بزيادة الوزن .
واللؤلؤة المستديرة الشكل عند الجوهريين اسمها الفأرة ويسميها العوام المدحرجة .
 
اجمالي القراءات 8437
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more