(3 ) بدء التدوين التاريخي ومراحله الزمنية :

أحمد صبحى منصور   في الأحد 17 اغسطس 2008


مر التأريخ عند المسلمين بفترة رواية شفهية دارت فى مجالس العلم وندواته فى القصور و المساجد ، وفيها انتشرت (الروايات ) واسمها يشى وينبىء بأصلها الشفهى حيث كان الراوى أو الحاكى يحكى القصة ويلقيها شفهيا على اسماع الحاضرين ، فلما جاء عصر التدوين المنظم فى العصر العباسى تم تسجيل المتوارث من تلك الروايات الشفهية.
وقد تناثرت أخبار عن كتابات تاريخية مدونة في القرن الأول الهجري بين شذرات متفرقة وكتب كاملة ، كما نسب بعضهم كتبا لبعض الرواة فى القرن الأول الهجرى فى العصر الأموى .


والتدوين التاريخى الحقيقى بدأ مع الدولة العباسية واستمر الى نهاية العصر العباسى الأول فى خلافة المتوكل العباسى .

وقد تميزت بداية التدوين التاريخي بعدة ملامح أهمها:

1- إن مرجعية التدوين ارتبطت بالكاتب نفسه ، فهو الذى ينقل مباشرة من ذاكرته و ليس من كتاب سابق ، وهو الذى يزعم أنه سمع هذه الرواية من فلان عن فلان ، وليس لنا إلا أن نصدقه أو أن نتشكك فى كلامه ، ولذلك تناقضت بعض الروايات التى تعبر عن حدث معين ، وبعضها تداخل مع بعضها الاخر كما فى تاريخ الطبرى ، وكل ذلك يضع مهمة صعبة أمام الباحث التاريخى.
2 ـ لأن الحركة العلمية فى بدايتها لم تعرف التخصص حيث كانت مجالس العلم تجمع بين التاريخ والقصص والشعر والكلام حول القرآن الكريم وترديد أحاديث منسوبة للنبى محمد عليه السلام ـ فإن الاسناد كان هو السمة المشتركة فى رواية أحداث التاريخ و السيرة والأحاديث المنسوبة للنبى محمد عليه السلام. وأشهر من كتب التاريخ بالاسناد محمد بن سعد فى الطبقات الكبرى ، والطبرى فى تاريخه ، وسار على هذا النهج مؤرخو العصر العباسى الثانى خصوصا من كان منهم يجمع بين كونه مؤرخا ومحدثا وفقيها مثل ابن الجوزى فى كتبه التاريخية الحولية مثل ( المنتظم ) و الكتب القصيرة مثل ( اخبار الأذكياء ) .
3 ـ إن أوائل من كتب ودوّن صار هو العمدة الذى ينقل عنه اللاحقون من المؤرخين ، دون أن يناقشوا الروايات التى ينقلونها ،كما فعل ابن هشام الكلبى فيما نقله من السيرة النبوية عن ابن اسحاق وكما فعل الطبرى فيما كان ينقله عن ابن مخنف وسيف بن عمر الضبى.
4 ـ غزارة المادة التاريخية في فترة القرون الثلاثة الأولي بحيث شملت أكثر من ستمائة بحث ورسالة كتب معظمها أربعة أو خمسة رجال هم المدائني وأبومخنف وأبو عبيدة وأبن الكلبي

5- اختلفت مستويات هذه المادة التاريخية فى الحادثة الواحدة من حيث الصدق أو الكذب والسعة أو الإيجاز ، مع وجود الأهواء الاجتماعية والعنصرية والعرقية والعقدية والسياسية .

6- غلب عليها الأساس الإسلامي في اعتماد التقويم الهجري وفي إطار الإسلام ، لم يكن هذا مقصورا على السيرة النبوية بل تعداها ايضا الى الفتوحات العربية التى تم نسبتها للاسلام فأصبحت الفتوحات الاسلامية . وبذلك نشأ التدوين التأريخي في حضارة المسلمين منفصلا عن التدوين المسيحي وبطابع مستقل متميز، حتى أن الموالي في تاريخهم الخاص لأسلافهم ارتبطوا بالمنهج الذي سارت عليه الحركة التاريخية العربية (الإسلامية ).

7- لم يكن التدوين التاريخي نقلا كله عن الرواية الشفهية وحدها وإنما اعتمدا حيانا علي بعض الوثائق والسجلات والمدونات والأسفار والكتابات ، وبعضها كتب قبل الإسلام .

8- لم يكن التدوين التاريخي عملا رسميا ، كما هو الشأن في بعض العصور غير الإسلامية . صحيح أن بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين شجعوا التدوين التاريخي ألا أن ذلك لم يكن بغرض أقامة تأريخ رسمي للدولة وإنما بهدف تسجيل المعارف الهامة أو ما يتشوق الخليفة إلى معرفته .
نشأ التدوين التاريخي مستقلا عن الشكل الرسمي وإن لم ينج بالطبع من أهواء الحاكم، خصوصا في العصر العباسي- عصر ازدهار التدوين – حيث أهتم العباسيون برعاية الحركة العلمية الفردية، وقرنوا الرعاية بنوع من التوجيه الذي يخدم أهواء الخلفاء .

9- وفي هذا العصر المبكر ظهر مع التدوين التاريخي بواكير الرأي التاريخي والتعليل للأحداث وفلسفة التاريخ خصوصا وقد ظهرت في العصر العباسى فلسفات وفرق مختلفة حول الإمامة والخلافة والجماعة والجبر والاختيار والشقي والسعيد والجرح والتعديل ، وكان لابد للتاريخ أن يتأثر بتلك الأفكار خصوصا وأن التاريخ يبحث الأعلام الذين كانوا محورا لهذه الاختلافات والآراء . وظهرت قمة الفلسفة التاريخية فيما بعد فى مقدمة ابن خلدون المتوفى فى اوائل القرن التاسع الهجرى.

مراحل التدوين التاريخي :

وقد بدأ التدوين التاريخي فرديا وبسيطا ثم أنتشر وتنظم عبر ثلاث مراحل :-

1- المرحلة الأولى : مرحلة التدوين الأولى :

أتسم بالطابع الشخصي العفوي وبالنقل عن الرواية الشفهية فقد كانت الرواية الشفهية هي السائدة ومن حرص من السامعين علي تسجيل حدث بذاته عمل على تدوينه لنفسه ، وربما بدأ ذلك النوع من التدوين مع بداية العصر الأموي ثم تحددت اتجاهاته وتنوعت بين تدوين للسيرة أو للأنساب أو للفتوح وغيرها ، ومع ذلك بقي فرديا شخصيا .
وفي هذا المرحلة وجد الكثيرون من الرواة الشفهيين الذين ينقل عنهم أو يحفظ أقوالهم جمهور من العلماء والحفاظ في المساجد والحلقات ، وبعض أولئك الرواة كانوا من أعلام العرب والمسلمين مثل (عقيل بن أبي طالب) و(عمرو بن خوله)و( الأقرع بن حابس)و( مخرمة بن نوفل )و( جبير ابن المطعم) ، وواضح أن أولئك كانوا ممن عاصر الجاهلية والإسلام وقد بلغوا الشيخوخة وهم يروون أحداثا شاركوا فيها من هنا كان الاهتمام بالنقل عندهم وتدوين ما يسردونه من أحداث ينقصها التسلسل الزمني .
وأشهر المؤرخين ممن ينسبون لهم التدوين ( الشخصى ) في هذه المرحلة : ( أبان بن عثمان) و( عروة بن الزبير ) ثم ( شرحبيل بن حسنة) و( الزهري ) .

2- المرحلة الثانية :
وقد امتدت خلال القرن الثاني كله تقريبا ، مع نهاية العصر الأموى ومطلع العصر العباسى . واهتم الاخباريون خلالها بجمع الأخبار المختلفة من جميع الأفواه والرواة ثم تنظيم كل نوع على حده ووضعه في كتاب خاص ، وأن لم يبلغ التنظيم الشكل النهائي . وفي هذه الفترة كان الاهتمام إلى جانب السيرة بالجوانب التاريخية الأخرى عن العصر الجاهلي والأنساب والأمم السابقة.
وكتبت فيها رسائل قصيرة تغطي ناحية معينة في التاريخ .. ومن هؤلاء :
( أبومخنف ) وله32 كتابا و( الهيثم بن عدي )( 50 كتابا ) ( الواقدي ) (28 كتابا)( نصر بن مزاحم ) (50 كتابا ) وقد أرخوا فيها لعهد الراشدين من سقيفة بنى ساعدة والشورى وحرب الردة والفتوحات والفتنة الكبرى ومعارك الجمل وصفين والخوارج وخطط البصرة والكوفة وولاة الأمصار وغير ذلك ...
المرحلة الثالثة :
هي مرحلة التدوين التاريخي على الأساس الزمني المتسلسل وجمع المواضيع المتعاقبة على التوالي في كتاب واحد على أساس وحدة التاريخ الإسلامي ووحدة التاريخ الإنساني. وبدت بشائر هذه المرحلة في كتاب ( ابن اسحق ) عن السيرة النبوية ، ثم امتدت حتى نهاية القرن الثالث حتى استقرت وتوطد بها علم التاريخ الإسلامي ومنهجه في التدوين كما يظهر في كتب الحوليات وأهمها (تاريخ الطبري).
وقد ساعد على ازدهار التدوين وتنظيمه في هذه المرحلة الاهتداء لصنع الورق واستخدامه وانتشاره مما ساعد على التوسع في التدوين كما شجع على جمع المؤلفات الصغيرة السابقة في تاريخ عام متصل متسلسل , هذا مع انتشار حركة الترجمة والنقل عن الثقافتين الفارسية واليونانية ..
واهم المؤرخين في هذه المرحلة مع (الطبري): أبو حنيفة الدينوري واليعقوبي وابن طيفور وفيها كان تأسيس المدارس التاريخية في الشام و العراق و الحجاز .. .

اجمالي القراءات 57257
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more