خلَف”.. قصة آخر شحنات العبيد السود إلى الساحل الأمريكي

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٠٧ - ديسمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


خلَف”.. قصة آخر شحنات العبيد السود إلى الساحل الأمريكي

تذكر روايات كثيرة أن الأوروبيين لمّا وصلوا إلى العالم الجديد لم يكتفوا بالاستيلاء على أراضي السكان الأصليين، بل استهانوا بأرواحهم واستباحوها، ومما يُروى من فظيع إجرامهم المستلذ ووسائل تسليتهم، مراهنات بعضهم على جنس مولود الحامل، ويبقر تبعا لذلك بطن المرأة الحامل لتحديد فائز بقنينة نبيذ على سبيل المثال.

تكشف السينما الوثائقية اليوم عن وجه آخر من هذا الإجرام المستلذ والرهان المسلي الذي كان يمارسه الرجل الأبيض في عالمه الجديد، أما ضحاياه فهم من الأفارقة المستعبدين، فقد تراهن الثري “تيموثي ماهير” والمزارع في مدينة موبيل في ولاية ألاباما الأمريكية مع رجال الأعمال في شمال نيو إنجلاند حول قدرته على انتهاك الحظر المفروض على تجارة الرّق الدولية منذ عام 1807، وكانت قيمة الرهان ألف دولار كاملة، فأرسل سفينته “كلوتيلدا” التي يقودها القبطان “وليام فوستر” لاستجلاب العبيد من أفريقيا.

حظر الرق.. سوق سوداء رفعت كلفة الاستعباد
لنفهم فيلم “خَلَف” (Descendant) الذي أخرجته “مارغريت براون” (2022) لا بد أن تستدعي الذاكرة شيئا من تاريخ القارة الأمريكية، فضمن التجارة المثلثة التي نشأت بعد اكتشاف العالم الجديد ازدهرت تجارة الرّق، وشاركت فيها نحو 12 ألف سفينة لتؤمن نحو 40 ألف رحلة نقلت الزنوج عبر الأطلسي بعد أسرهم لبيعهم لأرباب العمل في مزارع البن والقطن والأرز، أو في مناجم الذهب والفضة.

وقد استمرت هذه التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى سنّ الكونغرس قانون حظر الرق سنة 1807، وحدّد تفعيله بغرة يناير/كانون الثاني عام 1808، ومع ذلك استمر استعباد السود في الجنوب لما يزيد عن نصف قرن، رغم الزجر الذي تصل عقوبته إلى الإعدام بحسب قانون سُن في عام 1820، بل إن هذا الحظر الذي جعل الاسترقاق عملية مجازفة خلق سوقا سوداء، ورفع من كلفة الاستعباد، وسط دعوات بإلغاء هذه القوانين.

وفي عام 1860 أرسل “تيموثي ماهير” السفينة “كلوتيلدا” إلى داهومي (البنين اليوم) لأسر بعض سكانها، أو لعلّه اشتراهم من المملكة التي كانت تبيع أعداءها في أسواق النخاسة وفق رواية أخرى.

“برّاكون: قصة آخر شحنة سوداء”.. جريمة أمريكا المخفية
تثبت الوثائق التي اعتمدها الفيلم جلب 110 من الأسارى الأفارقة إلى ألاباما جنوب الولايات المتحدة، وقد ظلوا عالقين أسبوعين في مستنقعاتها حتى دُبّرت بيعتهم، فقُسّموا إلى ثلاث مجموعات، وهُرِّبوا إلى المشترين الجدد. وحين أُنزل العبيد من “كلوتيلدا” وفاز “ماهير” بالرهان وبثروة بيع المستعبدين الجدد؛ كان عليه أن يطمس آثار جريمته، فأحرق السفينة التي يُقال إنها كانت آخر سفينة رقيق ترسو في الولايات المتحدة، ثم أغرق هيكلها.

وفي سنة 1865 انتهت الحرب الأهلية بانتصار الشمال وفُرض تحرير العبيد، فلم تتجاوز عبودية ضحايا “كلوتيلدا” الخمس سنوات، لكن جريمة استقدامهم ظلت طي النسيان، وذلك طبيعي، فالتاريخ الرسمي يكتبه المنتصرون، أما المهمشون فتطوى معاناتهم ويظلون بلا تاريخ.

أحد الأمريكيين البيض أبيض يقوم بإحياء ذكرى ضحيايا السفينة السود
وباندحار تحالف الجنوب الانفصالي الداعم للرّق -الذي كان يطلق على نفسه الولايات الكونفدرالية الأمريكية- هُدّد هؤلاء الأفارقة وأبناؤهم بالقتل إن شاع خبر استرقاقهم إثر رحلة “كلوتيلدا” الأخيرة، لكن قُدّر لِـ”زورا نايل هورستون” التي يعرفها الفيلم بكونها أول مخرجة سوداء، أن تلتقي عام 1928 “كودجيو لويس”، وهو آخر من بقي على قيد الحياة من هذه الرحلة، وقد شرعت في تدوين تفاصيل قصته في كتاب بعنوان “برّاكون: قصة آخر شحنة سوداء”، وانتهت منه عام 1931، لكن عملها رُفض من قبل الناشرين، وماتت “روزا” مجهولة، وظل الكتاب مهملا في الخزانة، ولم ير النور حتى عام 2018، حين اكتشف من جديد ونشر، فمنح قصة السود حياة جديدة.

“أفريكا تاون”.. مجتمع معزول للسود الأحرار تخنقه السموم
استعاد هؤلاء المستعبدون حريتهم بعد 5 سنوات من الرّق، لكن كيف عاشوا بعد تحرّرهم؟ فلا أحد تحمل مسؤوليتهم، وتركوا لقدرهم. وجد “ماهير” الفرصة مناسبة، فباعهم قطعا من الأرض في منطقة غير مرغوبة تبعد ثلاثة أميال شمال وسط مدينة موبيل، ولنا أن نتصور أن ثمنها كان شكلا من أشكال الاسترقاق المقنّع، فبنوا ديارهم هناك، وأسسوا مجتمعا للسود عُرف باسم “أفريكا تاون”، وهي تسمية تهجينية تعني البلد الأفريقي، ثم انضم إليهم عبيد سابقون آخرون من عرقيات أفريقية مختلفة، وأحيوا عاداتهم القبلية وتقاليدهم الثقافية، واعتمدت هناك لغة “اليوروبا” حتى الخمسينيات من القرن الماضي.

وبعد عقود نشأ أبناؤهم على اللغة الإنجليزية في المدارس التي تأسست أواخر القرن التاسع عشر، وارتادوا الكنائس، ففقدوا أواصرهم الإفريقية وهم يحاولون الاندماج بالمجتمع الأمريكي. واليوم لا يزال بعض من نسل عبيد “كلوتيلدا” يعيشون في أفريكا تاون أو في محيطها.

كامو صديكي في رحلة البحث عن حطام السفينة
لم يسلم هؤلاء العبيد المحرّرون من أذى عائلة “ماهير”، فقد أجّرت الأرض لأصحاب المصانع أو باعتهم إياها، فحوصرت مدينتهم بالصناعات الملوثة، وأُنشئت في محيطها مصانع لصهر الرصاص، ومكبّ لتفريغ النفايات الخطيرة التابعة لوزارة الدفاع، وازدهرت الصناعات الكيميائية، وظلت خطوط الأنابيب والمداخن تطلق المواد السامة في الهواء باستمرار، فعانى السكان من أمراض السرطان، ولا يزال أحفادهم الذين يقيمون بالمدينة من تبعات هذه الممارسة العنصرية حتى أيامنا هذه.

حطام “كلوتيدا”.. أداة الجريمة المدفونة في أعماق النهر
مثّل نشر الكتاب حافزا للأحفاد للبحث عن حطام السفينة، فكانت حجتَهم ليسفهوا من ينكرون وجود الرحلة أصلا، ويعتبرونها أسطورة من ابتكار خيال السود، وبينتَهم على عمق إجرام البيض بحقّهم أسلافهم، وطالبوا المجتمع بالاعتراف بمأساتهم وتحمُّل مسؤولية استقدامهم، حتى يتسنى لهم في النهاية تجاوز أوجاع الماضي.

يعرض الفيلم في لقطاته الأولى الشابة “تشارلي لويس” سليلة “جوديو” وهي تقرأ مقتطفات من سرد جدّها لتفاصيل رحلة الاختطاف والحياة الجديدة في المزارع الأمريكية، وبعد أن كانت الذّاكرة تتناقل بالسرد الشفوي الذي تتولاه الجدات، ها هي ذي تُدوّن وتضحي أقدر على مقاومة النسيان.

وأسهمت منظمات بريادة الجمعية الوطنية للغواصين السود التي يتقدمها “كامو صديكي” أحد أحفاد عبيد “كلوتيلدا”؛ في البحث عن حطام السفينة الغارقة، وإثر محاولة أولى غير موفقة على بعد أميال قليلة شمال مدينة موبيل في يناير 2018 وُجد شيء من هذا الحطام، وحصلت محاولة ثانية في شهر مارس/آذار من السنة نفسها، وكذلك في شهر مايو/أيار من سنة 2019، وبعد تحقيق طويل أعلنت لجنة ألاباما التاريخية أن حطام “كلوتيلدا” قد حُدد رسميا في الجزء السفلي المعزول من نهر موبيل.

قصص الأسلاف.. تصالح مع ذاكرة تأبى النسيان
لا يخفي الأحفاد ابتهاجهم لاكتشاف حطام السفينة، وتتبسط شهاداتهم في عرض تفاصيل اللحظة، فيكشف تفاعلهم تعطشا لمعرفة تاريخ أسلافهم أكدته زيارتهم لمقابرهم، واحتفاظهم بتعويذاتهم وبتراثهم غير المادي، كالحكايات والأغاني عبر التواصل.

اكتشاف ماضي الأجداد يصالح الأحفاد مع أنفسهم ويمتحهم التوازن
وفي العودة إلى الماضي والحنين إلى أصولهم رغبة في ترسيخ وجودهم في جذورهم البعيدة لشعورهم بالانبتات عن المجتمع الأمريكي، فقد وجد أحفاد زنوج “كلوتيلدا” في معرفة قصص أسلافهم ضربا من التصالح مع الذاكرة، باعتبارها عملا ضد نسيان تلك المأساة.

وتعبر عن ذلك سيدتان: الأولى سليلة هذه السفينة، فتصف شعورها بالتعافي وهي ترى المجتمع الأمريكي الأفريقي يتدرّج من الفصل العنصري، إلى الاندماج، إلى المواطنة الكاملة بعد هذا الاكتشاف، وبالمقابل لا تخفي سيدة ثانية من غير الأحفاد حضرت إحياء الذكرى شعورها بالأسى، فتذكر بأسف ويأس أنها لطالما حلمت بمعرفة أصولها، وأن شيئا ما سيظل ينغّص عليها حياتها ما لم تعرفها.

أحفاد “ماهير”.. جريمة الصمت عن الحق الصارخ
دفع إحياء ذكرى “كلوتيلدا” بالنقاش حول الماضي وحول العلاقة الممكنة مع أحفاد “ماهير” وعامة الملاك البيض، فرغم أنهم غير مسؤولين مباشرة عن مأساة ضحايا السفينة، يتفق نظراؤهم السود على مشاركتهم في الجريمة، فقد تواطؤوا بصمتهم.

ومع ذلك يبدو الجميع ممتنا لما نالوه من تعويض ممثلا في النصب التذكاري الوطني للسلام والعدالة الذي صمّم بالمناسبة، أو في تمثال “كودجيو لويس” الذي نُصب أمام الكنيسة، فضلا عن إدراج المنطقة القديمة لأفريكا تاون في السجل الوطني للأماكن التاريخية، أو إقرار يوم 8 فبراير/شباط 2020 يوما لـ”تكريم أحفاد كلوتيلدا”.

لكن لا يخفي بعض الأحفاد خشيتهم من أن يتحوّل النصب إلى مجرد عامل جذب، وإلى معلم يزوره العديد من السياح بدافع الفضول لا غير، فيغلب عليه البعد الفلكلوري ويفقده قيمته الرمزية.

“جورج فلويد”.. قد يُقتل الإنسان لكونه رجلا أسود
تعود المخرجة “مارغريت براون” إلى مسقط رأسها لتقضي فترة طويلة مع أهالي أفريكا تاون، لتتقصى ما حفظته الذاكرة الجماعية وهي تعد لفيلمها. وتستلهم مادته من كتاب “برّاكون: قصّة آخر شحنة سوداء” للكاتبة “زورا نايل هورستون”.

تعكس المخرجة الالتزام بقضايا السود، وليس العمل ترسيخا للذاكرة بقدر ما هو نضال لفرض كرامة السود مستقبلا، فالمجتمع الأمريكي ذو الأصول الأفريقية لا يزال يعاني التمييز في بلد يعتبر نفسه ملهما لقيم الحرية واحترام حقوق الإنسان، فلا يزال أفراده يتعرّضون للتهميش الاقتصادي، وتعاملهم الشرطة بعنف مبالغ فيه ناجم عن اعتبار الأسود متهما حتى تثبت براءته.

جورج فلويد الذي قُتل على يد الشرطة الأمريكية في مايو/أيار 2020
ولعل مقتل “جورج فلويد” في 25 مايو/أيار 2020 في مدينة مينيابوليس أبرز دليل على ذلك، فقد كان شرطي أول يضغط على عنقه بقدمه رغم استغاثته، وكان شرطيان يمنعانه من الحركة، بينما كان شرطي رابع يحول دون المارة ويمنع الاقتراب من مسرح الأحداث، وظل الشرطي يضغط على عنقه رغم عدم تمثيله لأي تهديد.

رأس الهرم.. مواطنون من الدرجة الثانية في خدمة السلطة
لم يكن حادث “جورج فلويد” حالة شاذة، فالأمريكي الأسود يبقى مواطنا من درجة ثانية، والفصل العنصري اقتلع من القوانين، لكنه يظل قائما في الأذهان وفي الممارسات، ولئن ارتقت بعض الوجوه السياسية السوداء إلى مناصب عليا في الدولة، مثل وزيري الخارجية السابقين “كولن باول” و”كونداليزا رايس” أو “باراك أوباما” الذي ترأس الدولة لدورتين (وهو مساهم في شركة هاير جراوند التي أنتجت الفيلم)، فإنها ظلت مجموعة من الأفراد تذوّب في منظومة البيض ويسخرونها لخدمة أهدافهم.

لم يرتق “أوباما” إلى سدّة الحكم إلا بعد أن قدم نفسه باعتباره مسيحيا، وهو الذي نشأ على الديانة الإسلامية، أما “كولن بأول” و”كونداليزا رايس” فكانا واجهة سوداء مخادعة تسوّق لمشروع يخدم الإنجيليين البيض المتطرفين.

لا يجد الأمريكي الأسود حظّه في غير رياضات القوة الجسدية كالملاكمة وألعاب القوى وكرة السلة، ورغم نبل الممارسة الرياضية، فإن قصر الوجود الأمريكي الأسود على العنيف منها يعكس ذهنية لا ترى فيه غير ركام من العضلات التي توظّف لفائدة أمريكا البيض، كما فعلوا مع زنوج “كلوتيلدا” قبل أكثر من قرن ونصف.

كنز الحقيقة الغارقة.. زيارة لموضع دفن السفينة المستعبِدة
لا بد من التسليم بتميّز الفيلم وصدوره عن فكرة ماكرة، فلطالما بحث الغواصون في السفن الغارقة عن الكنوز الضائعة، أما أحفاد زنوج “كلوتيلدا” فقد كانوا يغوصون بحثا عن الجذور والقيم التي تعيد إليهم كرامتهم وتداوي وجعهم، فذلك كنزهم المفقود، وهو إذ ينتهي بتنظيم رحلة لزيارة موضع دفن السفينة، فقد كان يسعى إلى تحرير السود جميعا بجعلهم يتجاوزون مآسي الماضي، ويتطهرون من عبئها، والنظر إلى المستقبل بدل الالتفات إلى الخلف.

لكن فإن ما كان ينقصه هو صوت الآخر، فمصداقية الأفلام الوثائقية تأتي من عرضها لوجهة النظر ووجهة النظر المغايرة، وغياب سلالة “ماهير” عن حفل إحياء ذكرى اكتشافات “كلوتيلدا”، وعدم إبداء موقفهم من كل ما حدث حدّ من وقع الفيلم، وجعله أشبه بالمحاكاة الغيابية.
اجمالي القراءات 163
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق