الأولاد بيغيروا فينا إزاى ؟؟

عثمان محمد علي Ýí 2026-06-25


الأولاد بيغيروا فينا إزاى ؟؟
بوست كتبه بعفوية وبصدق صديق عزيز على صفحته يتحدث فيه عن مراحل فكرية ومشاعر مرّبها قبل وبعد الزواج ،ثم بعد أن رزقهم الله بولد :قال فيه ::
لم أحب أحدا في حياتي كما أحببتُ ابنى . لا أبا ولا أما.. ولا أخا ولا زوجة.
والأغرب أنني قبل ابنى كنت لا إنجابيا أصلا.. ولم تكن لدي أي رغبة في الإنجاب.. كنت أرى الأمر عبئا أكثر منه نعمة. وأظن أن الناس تبالغ حين تتحدث عن الأبناء.. وأنها تبحث عن معنى تتكئ عليه وسط مشقة الحياة وتكرارالأيام.
ثم جاء ابنى
فاكتشفت أنني كنت أجهل وجود نوع كامل من المشاعر. حب لا يشبه أي حب عرفته من قبل. ولا يمكن مقارنته بأي علاقة أخرى. حب يجعل قلبك يعيش خارج صدرك ويجعلك تخاف على إنسان أكثر مما تخاف على نفسك وتفرح لابتسامته أكثر مما تفرح لأكبر إنجازاتك.
ولم أكن أتصور أن أحدا يمكن أن يحبني بهذا القدر أيضا. لكني حين أنظر إلى ابنى أرى في عينيه حبا خالصا لا تشوبه حسابات ولا مصالح ولا شروط. أرى إنسانا صغيرا يعتبرني عالمه كله. في عينيه أرى نفسي بطلا وإن أخطأت. وملاذا وإن ضعفت. وعالما كاملا يركض نحوه كلما خاف أو فرح.
كنت أظن أن حديث الآباء عن أبنائهم مجرد مبالغات عاطفية. أما اليوم فأفهم تماما ما كانوا يقصدونه. فإبنى لم يغير رأيي في الإنجاب فقط. بل غير نظرتي للحياة نفسها.ابنى لم يضف إلى حياتي شخصا جديدا فقط. بل أضاف معنى جديدا للحياة نفسها.
==
التعقيب :
ربنا يبارك فيه وفيكم ويحفظكم ويجعله قرة عين لكم ..
والحقيقة أن ما كتبته ليس مجرد كلام عن ابن تحبه، بل وصف لتحول كبير يحدث داخل معظم الآباء والأمهات دون أن ينتبهوا له.
وأبشرك أن هناك مشاعر أخرى جميلة ما زالت تنتظرك في محطات قادمة من الحياة إن شاء الله. فكما غيّر ابنك نظرتك للإنجاب، سيأتي يوم قد يغيّر فيه أحفادك نظرتك إلى الشيخوخة نفسها. كثير من الأجداد يقولون إن حب الأحفاد لا يقل عن حب الأبناء، بل يكون أكثر،و يأتي ممزوجًا بخبرة العمر وهدوء النفس وذكريات السنين.
وأنا أقرأ كلماتك تخيلت أنها تصلح لبداية عمل درامي جميل، لأن قصتك ليست قصة طفل وُلد فقط، بل قصة رجل تغيّر من الداخل.
في البداية رجل لا يرى في الإنجاب إلا عبئًا ومسؤولية ثقيلة، ثم يأتي الابن فيكتشف نوعًا جديدًا من الحب لم يكن يعرف بوجوده أصلًا.
ثم تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن الحب نفسه، وهي مرحلة التربية. فالأب يكتشف أن تربية الأبناء ليست تعليم الطفل فقط، بل هي في كثير من الأحيان إعادة تربية الأب لنفسه. فيصبح أكثر صبرًا، وأكثر رحمة، وأكثر حرصًا على أن يكون قدوة قبل أن يكون موجّهًا.
ثم يكبر الابن، وتبدأ مخاوف جديدة لم تكن موجودة من قبل. لم يعد القلق على صحة الطفل فقط، بل على تعليمه وأخلاقه ومستقبله وفرصه في الحياة. وهنا يبدأ الأب بالنظر إلى المجتمع بعين مختلفة.
أشياء كان يتجاهلها من قبل تصبح فجأة مهمة جدًا. فساد التعليم، والمحسوبية، والواسطة، والظلم، وسوء الإدارة... كلها أمور قد تؤثر يومًا ما على مستقبل ابنه الذي يحبه.
فيكتشف أن الدفاع عن مستقبل أولاده ليس مسؤولية أسرية فقط، بل مسؤولية مجتمعية أيضًا.
وهنا يحدث التحول الأكبر.
فالكثير من الناس يتحملون أخطاء الواقع ما دام ضررها بعيدًا عنهم، لكن الأب حين يرى أن نتائج هذه الأخطاء قد تصل إلى أبنائه، يبدأ في التفكير بشكل مختلف. ليس بدافع السياسة، ولا بدافع الشهرة، ولا بدافع المصلحة الشخصية، وإنما بدافع الحب والخوف على مستقبل من يحب. فيصبح الحفاظ على الوطن في نظره جزءًا من الحفاظ على أبنائه.
فالوطن الجيد يعني تعليمًا أفضل لهم، وفرصًا أفضل لهم، وحياة أكثر أمانًا لهم.
وربما هنا تكمن واحدة من أهم التحولات التي تصنعها الأبناء فينا.
فالإنسان قبل أن يصبح أبًا قد يستطيع التعايش مع كثير من الأخطاء من حوله، وقد يكتفي بدور المتفرج أو ينضم إلى ما يُسمى أحيانًا بـ(حزب الكنبة)، معتقدًا أن ما يحدث لا يعنيه بشكل مباشر. لكن عندما يرى أبناءه وأحفاده يكبرون أمام عينيه، يبدأ في إدراك حقيقة مختلفة؛ وهي أن كل فساد يسكت عنه اليوم قد يدفع ثمنه أحب الناس إلى قلبه غدًا.
فالواسطة التي تضيّع حق مجتهد، والمحسوبية التي تُقدّم غير الكفء، والإهمال الذي يهدر الطاقات، والفساد الذي يلتهم الفرص، والاستهتار الذي يعطل التنمية. ليست مجرد مشكلات عامة تُناقش في الأخبار، بل أخطار حقيقية قد تمتد آثارها إلى مستقبل الأبناء والأحفاد.
ومن هنا يصبح الاهتمام بالشأن العام، والدفاع عن قيم العدالة والكفاءة والنزاهة، والمشاركة الإيجابية في إصلاح المجتمع، جزءًا من مسؤولية الأب والأم تجاه من يحبون.
فحب الأبناء لا يقتصر على توفير الطعام والملبس والتعليم، بل يمتد إلى الأهم و إلى السعي لترك مجتمع أفضل لهم، ووطن أكثر عدلًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، وبيئة تساعدهم على النجاح بجهدهم واستحقاقهم لا بعلاقاتهم ووساطاتهم.
وحين ينهض ملايين الآباء والأمهات بهذه الروح، لا دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، بل دفاعًا عن مستقبل أبنائهم وأحفادهم، فإن المجتمعات تتغير تدريجيًا، ويتراجع نفوذ الفساد، وتعلو قيمة الكفاءة والعمل، وتقترب الأمم خطوة بعد أخرى من مصاف الدول المتقدمة والشعوب المتحضرة.
ففي كثير من الأحيان لا يبدأ إصلاح الأوطان من الشعارات الكبرى، بل يبدأ من قلب أبٍ يحب أبناءه، ويرفض أن يترك لهم مستقبلًا أسوأ من الحاضر الذي عاشه.
ثم تمضي السنوات سريعًا
ويكبر الإبن.
وربما يأتي يوم يحمله فيه القدر طفله الأول بين ذراعيه، فيقول الكلمات نفسها التي تقولها اليوم تقريبًا (لم أكن أتخيل أن أحب أحدًا بهذا الشكل)
وحينها ستبتسم أنت، لأنك ستعرف تمامًا ما يشعر به
وربما تحمل حفيدك بين يديك، فتكتشف أن رحلة الحب التي بدأت يوم وُلد ابنك لم تنتهِ أبدًا، وإنما كانت تكبر وتتسع مع كل جيل جديد.
فالأولاد لا يضيفون إلى حياتنا أشخاصًا جدداً فقط ، بل يضيفون معاني جديدة للحياة نفسها. وربُما حُبنا لهم وحرصنا عليهم وعلى مُستقبلهم يكون دافعا رئيسيا لمواجهة الفساد ،وحافزا على الإصلاح المُستمر للأوطان .
اجمالي القراءات 122

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق