إشكالية الإعاقة في بلادنا بين الذكريات البعيدة و الرسائل المشفرة لتاريخنا المعاصر ؟

مهدي مالك Ýí 2026-03-29


 
 
 
إشكالية الإعاقة في بلادنا  بين الذكريات البعيدة و الرسائل المشفرة لتاريخنا المعاصر ؟ 
 
مقدمة متواضعة الى النهاية                                            
يعتبر اليوم الوطني للمعاق الذي يصادف 30 مارس من كل سنة مناسبة عزيزة بالنسبة لي لكي اتخلى عن مواضيعي المعتادة الى حين بهدف الغوص في ذكرياتي و في تجربتي المتواضعة كمعاق مغربي و البالغ من العمر  43 عام في هذه السنة........
انني اعتقد ان إشكالية الإعاقة في المغرب لها مداخل متعددة و مختلفة من قبيل المدخل الصحي أي الترويض الطبي و تقويم النطق و التربية النفسية الحركية الخ ثم يأتي المدخل التربوي أي تعلم القراءة و الكتابة الخ ثم يأتي المدخل الحقوقي للمعاق داخل المجتمع او داخل الدولة الحديثة مثل المغرب حسب المفهوم الفرنسي منذ سنة 1956 الى يوم الناس هذا لان كل تيار أيديولوجي او سياسي ينظر  الى هذا المعطى وفق وجهة نظره  على كل الأحوال.........
 و طبعا هناك مداخل أخرى من قبيل المدخل  الجهوي أي  التمييز الصريح بين المركز و الهوامش المنسية و الفرق الهائل بين المدن و البوادي في مجال الإعاقة ..
ان المعاق يختلف عن الاخر حسب نوعية اعاقته و درجة هذه الاخيرة فهناك المعاق الحركي مثلي أي انه لا يستطيع المشي على الاقدام و النطق بلسانه الخ من الاحتياجات الخاصة مثل الاكل لوحده لكن عقله هو عادي أي يمكنه ان يتعلم القراءة و الكتابة ادا وجد  من يساعده لان العائلة هي اكبر داعم  لهذا المعاق الحركي و خصوصا الام الله يغفر لنا من حق الوالدين معا أي الوالدة و الوالد .
و ادا وجد هذا المعاق  مركز خاص يتوفر على الأساسيات
 من قبيل قاعة للترويض الطبي و قاعة أخرى لتقويم النطق و التجهيزات الأساسية من قبيل الكراسي المتحركة او تعمل بالطاقة الكهربائية و الحواسيب الالكترونية لتعلم القراءة و الكتابة و الرسم الخ  و المرحاض المجهز للمعاق الحركي كما رايته  في احد المراكز الخاصة للمعاقين بالعاصمة الفرنسية باريس صيف سنة 1999 حيث هناك فرق شاسع بين المراكز الخاصة  بفرنسا و المراكز الخاصة ببلادنا آنذاك أي في صيف سنة 1999 ....
و هناك اعاقات أخرى من قبيل الإعاقة الذهنية بمختلف درجاتها و أنواعها و الإعاقة السمعية و الإعاقة البصرية الخ من هذه الاعاقات المتنوعة و المختلفة ... ان المجتمع المدني أي الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة على صعيد المدن الكبرى و الصغرى على حد السواء قد قامت بمجهودات خرافية منذ عقود من الزمان لاجل تحقيق الأهداف الأولية لفائدة الطفل المعاق مثل إخراجه من منزل والديه نحو العالم الخارجي بالنسبة اليه من خلال مركز خاص لاحتضانه و ليقدم له خدمات الترويض الطبي و تقويم النطق و التربية النفسية الحركية و تعلم القراءة و الكتابة .
و بالإضافة الى الأنشطة الموازية من قبيل السباحة و الفروسية و العاب القوى ..
انني بكل التواضع كبرت في مدينة اكادير بعدما ولدت في مدينة الدار البيضاء في يوم 28 مارس 1983 و انتقالنا للعيش في مدينة اكادير  صيف سنة 1992 بحكم عدة عوامل حاسمة ........
لقد كان الوالد يفكر دائما في طريقة تعليمي و ترويضي  حيث باختصار شديد لقد بدات الترويض الطبي منذ طفولتي المبكرة بالدار البيضاء و في اكادير عند مستشفى الحسن الثاني الإقليمي  حوالي سنة 1994 ادا كانت ذاكرتي قوية الخ من تفاصيل حياتي التي استحضرتها كاملة في كتابي الأول تحت عنوان صوت المعاق و الصادر سنة 2012 بمعنى ان مقالي هذا ليس ملخص لتفاصيل حياتي على الاطلاق .........
لقد كانت مدينة اكادير في بدايات تسعينات القرن الماضي بمثابة مدينة مهمشة على كافة الأصعدة و المستويات بحكم ان منطقة سوس ماسة درعة كما تسمى انذاك كانت تدخل في نطاق المغرب المنسي او المغرب الغير نافع على الاطلاق منذ سنة 1956 أي ان السلطة العليا قد همشت المناطق المحافظة على امازيغيتها لكي يجاهر سكانها الى مدن المركز المعتبرة آنذاك بانها عربية أي العروبة و الإسلام كما هو معروف بمعنى اخر ان مدينة اكادير وقتها كانت بعيدة كل البعد عن اهتمام السلطة العليا ان صح التعبير او القول..
 و بالتالي فانني استحضر هذه الحقائق التاريخية قصد اظهار ان مدن الهامش الامازيغي الكثيرة ان صح التعبير قد كانت تعاني من التاخر في كل شيء حتى في مجال الإعاقة بينما ان مدن المركز قد أسست فيها الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة و المراكز الخاصة منذ عقود عدة بفضل المركزية المفرطة للغاية وقتها و بفضل أحزاب الحركة الوطنية التي حاولت التنظير للعروبة و الإسلام و لافضلية مدن المركز في كل شيء حتى في الدين و في السياسة........
ان الوالد بكل  التواضع أي الحاج محمد مالك كان من بين مؤسسي جمعية اباء و أصدقاء الأطفال المعاقين ذهنيا بسوس في مدينة اكادير الى جانب اشخاص اخرين بتاريخ 28 ماي 1995 و لا اعرف الى حد الان ادا كانت هذه الجمعية هي الأولى على صعيد مدينة اكادير او على صعيد جهة سوس ماسة درعة كما تسمى وقتها و كانت هذه الجمعية تهدف آنذاك الى مساعدة اسر المعاقين الفقراء على صعيد مدينة اكادير الخ من هذه الأهداف الأولية و في أكتوبر سنة 1999 أسست مركز وردة الجنوب لاستقبال الأطفال المعاقين أي نحن انذاك..............
لكن قبل هذا التاريخ أي  في اواخر يناير سنة 1996 أي منذ 30 سنة ستفتح اول مؤسسة لاستقبال الأطفال المعاقين على صعيد مدينة اكادير و ربما على صعيد هذه الجهة الشاسعة بفضل  نضال سيدة فرنسية ذات الدين المسيحي تدعى السيدة بصي او بصير كما عرفت عند الناس في ذلك الزمان ....
 و كانت هذه السيدة المناضلة  طبيبة في تخصص طب الأطفال بمستشفى الحسن الثاني الإقليمي باكادير لسنوات عديدة و هذه المؤسسة التاريخية و العظيمة بالنسبة لي باعتباري كنت اول طفل معاق يدخل  اليها كانت تحمل اسم الوردة الرملية أي  الوردة في وسط رمال الهامش الامازيغي في أواخر عهد المرحوم الحسن الثاني حسب رايي المتواضع . 
ان هذه المؤسسة التاريخية قد كانت كبيرة من ناحية المساحة و المقام الرفيع لدى الناس و الخدمات المقدمة للطفل المعاق من قبيل الترويض الطبي و تقويم النطق و التربية النفسية الحركية و تعلم  الرسم و القراءة و الكتابة حسب درجة إعاقة المعاق.........
 و بالإضافة الى الأنشطة الموازية من قبيل السباحة في قرية  الكهرباء باكادير و الفروسية بالنادي الملكي قرب القصر الملكي العامر باكادير و الرياضة في ملعب الانبعاث باكادير و الموسيقى داخل المؤسسة و الألعاب الاجتماعية داخل المؤسسة الخ من ذكرياتي كطفل معاق داخلها و هذا للتاريخ  ......
ان مؤسستنا كانت تستقبل الأطفال ذوي الاعاقات المختلفة بمقابل اجر شهري يؤديه الإباء او المحسين ادا كانت الاسر هي فقيرة حيث ان اغلب هؤلاء المحسين من الفرنسيين بمدينة اكادير حسب ما اتذكره آنذاك..
انني اعتقد الان و ليس منذ 30 عام ان  هذه المؤسسة بهذا الحجم و بهذه الخدمات الجليلة كانت تستحق دعما كبيرا من طرف الدولة عبر الوزارة الوصية على المعاقين علما ان مديرة مؤسستنا الموقرة حاولت قصارى جهدها السير في هذا الاتجاه عبر استقبال إذاعة اكادير الجهوية و القناة الثانية  و القناة الأولى في مارس 1998 و والي جهة سوس ماسة درعة حوالي سنة 1997 او سنة 1998 بهدف التعريف بمؤسستنا التاريخية على الصعيد الجهوي و على الصعيد الوطني لكن بدون اية نتيجة تذكر حيث قررت السيدة بصي في نهاية المطاف اغلاق هذه الوردة في وسط رمال الهامش الامازيغي صيف سنة 1999 للأسباب المادية و الصحية.........
 و كان هذا القرار له اثر عميق في نفسي كمراهق معاق آنذاك و العائد للتو من تكوينه بفرنسا مع السيد الصمدي مشكورا و حاملا معه للمشاريع للسير الى الامام و الذي لم يفهم آنذاك ان منطقة سوس المعروفة تاريخيا بالدول الامازيغية العظمى كانت تعتبر هامش من طرف السلطة العليا وقتها ...   
ان السلطة العليا ظلت تنظر الى البادية المغربية عموما كفضاء خاص للخرافات و تقديس أولياء الله الصالحين و الجاهلية الامازيغية كما كانت تسمى في ادبيات الحركة الوطنية سابقا و الحركة الإسلامية ببعدها  الاخواني و الوهابي حاليا ......
 انني بحكم تجربتي المتواضعة ظلت افرق منذ سنوات عديدة في مقالاتي بين ما اسميه بايديولوجية التخلف القروي و ما اسميه بالمرجعية الامازيغية الإسلامية منذ شتنبر 2023 لان الجمع بينهما لا يستقيم على الاطلاق بحكم ان المرجعية الامازيغية الإسلامية هي مبنية أصلا على العقل و على العقلانية و على سن القوانين الوضعية كاية دولة حديثة اليوم في أمريكا او في الاتحاد الأوروبي و على الملائمة بين القوانين الوضعية الامازيغية و مقاصد الشرع الإسلامي العليا  على مدى قرون من الزمان حتى ظهرت ما تسمى بالحركة الوطنية المغربية  سنة  1930 ................
اما ما اسميه بايديولوجية التخلف القروي فانها خليط من الخرافات و الاساطير و الميز ضد النساء و ضد المعاقين الى اقصى الحدود و الدرجات حسب  تجربتي المؤلمة معها غفر الله لها في نهاية المطاف حيث  منذ سنة 1998 الى سنة  2000 أي في مرحلة مراهقتي الاستثنائية و لن اضيف شيء اخر باعتباري قد تحدثت عن هذه التجربة المؤلمة في كتابي الأول كاملة بكل الحرية و المسؤولية لكي اترك واقع المعاق المؤلم مع أيديولوجية التخلف القروي سواء على صعيد المدار الحضري او القروي في الأخير..
 و لكي اظهر واقع المعاق المنسي في البوادي المغربية سواء المحافظة على امازيغيتها او الناطقة بالدارجة منذ عقود من الزمان........
ان هذه التجربة المؤلمة جعلتني ادرك بعد سنوات كثيرة ان المعاق في البوادي المغربية بشكل عام يعيش ظروف خطيرة للغاية في ظل غياب اية استراتيجية للدولة حيال هذه الشريحة داخل العالم القروي منذ عقود طويلة حيث تم تأسيس حزب الحركة الشعبية سنة 1958 على أساس الامازيغية و البادية المغربية مع كامل الاحترام لرموزه التاريخية....
 لكنني بالمقابل أتساءل كل الاحترام السؤال التالي  اين هي ثمار هذا الحزب في البادية المغربية بعد عقود من تاسيسه ؟ علما اننا لازلنا نسمع هنا او هناك و بل من اعلى هرم السلطة  بالبلاد ان مجموعة من القرى او البوادي مازالت  تعيش  الان بدون التجهيزات الأساسية للناس العادين  أي غياب العدالة المجالية و الاجتماعية في الجبال و في مناطق الواحات ............
و طبعا لا ينبغي ان يفهم كلامي هذا انني احطم كل ما قامت به دولتنا الرشيدة طيلة العهد المحمدي الزاهر في مختلف الأصعدة و المستويات بمعنى لست عدمي على الاطلاق و أرى دائما ان المغرب لم يحقق أي شيء منذ سنة 1999 الى يوم ناس هذا .....
و انما اذكر فقط بواقع المعاق المؤلم في البوادي المغربية في ظل غياب أي مراكز خاصة للمعاقين في هذا المجال حسب علمي المتواضع و قد أكون مخطئا في هذه النقطة بالضبط ..........
و برايي المتواضع  بان الوعي المدني بحقوق المعاقين في المدار القروي يجب ان ينطلق من خطبة الجمعة بالامازيغية او بالدارجة لان  الارشاد الديني السليم أي الخالي من الأيديولوجيات الهادمة يساهم بشكل كبير في ترسيخ قيمنا الإسلامية العليا من قبيل  الرحمة و المساواة و تقدير المعاق في مجتمعه و مساعدته على الاندماج فيه كمواطن كامل المواطنة و الوطنية الصادقة......
و كما ان جمعيات المجتمع المدني بالبوادي لها دور فعال في تقديم بدائل لتحسين واقع المعاق الصحي  و التعليمي و الحقوقي للسلطات المحلية او للوزارة الوصية على المعاقين بالرباط ..........
ان إشكالية الإعاقة ببلادنا لها مداخل متعددة كما شرحته على امتداد مقالي هذا المتواضع حيث انني أرى ان حق المعاق في التاهيل المهني و في الادماج المهني هو حق مشروع و مدني يمنح للمعاق  شعور بأثبات الذات و الاستقلالية المالية  على المدى المتوسط و البعيد لان اغلب اسر المعاقين ليسوا دائما من الطبقة الغنية بل هناك اسر فقيرة في هوامش المدن او في البوادي الخ من هذه الأسباب لدى  يتعين على دولتنا الرشيدة توفير مراكز للتاهيل المهني للشباب المعاق و توفير فرصا للشغل لهم بما يناسب مع درجة اعاقتهم و مستويهم التعليمي الخ ................ 
توقيع المهدي مالك                                                
 
 
اجمالي القراءات 319

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-12-04
مقالات منشورة : 331
اجمالي القراءات : 2,027,389
تعليقات له : 27
تعليقات عليه : 30
بلد الميلاد : Morocco
بلد الاقامة : Morocco