بقلم : شادي طلعت:
السلام مع إسرائيل : الحقيقة التي يخشاها الجميع

شادي طلعت Ýí 2026-02-11


ليس أخطر ما في الحديث عن السلام مع إسرائيل أنه موقف سياسي مختلف، بل أن مجرد طرحه يكشف حقيقة يهرب منها الجميع، فسبعون عاماً من الصراع لم تمنح أمناً كاملاً للإسرائيليين، ولم تمنح دولة للفلسطينيين، والحرب المستمرة أصبحت واقعاً يُدار أكثر مما يراد إنهاؤه.

 

لفهم هذا الصراع، لا بد من العودة إلى جذوره بعيداً عن الشعارات، فالشعب اليهودي عاش قروناً طويلة من الاضطهاد في أوروبا، من الطرد الجماعي، والمذابح، إلى المحرقة النازية التي قتل فيها ملايين اليهود، وهي لحظة صنعت في الوعي اليهودي خوفاً وجودياً عميقاً، ومن هنا نشأت فكرة الدولة باعتبارها ملاذاً أخيراً يضمن البقاء، لا مجرد مشروع سياسي. 

 

لذلك يرى كثير من الإسرائيليين أن دولتهم ضرورة تاريخية لا يمكن التفريط فيها، حتى لو اختلف العالم حول شرعية نشأتها أو سياساتها.

 

لكن الحقيقة الأخرى، التي لا يمكن إنكارها، أن قيام هذه الدولة جاء على حساب شعب آخر.

الفلسطينيون فقدوا الأرض، والبيت، والكيان السياسي، وتحولت قضيتهم إلى واحدة من أطول مآسي العصر الحديث، ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الصراع صراع حدود، بل صراع ذاكرة وخوف، فالإسرائيلي يخشى تكرار التاريخ، والفلسطيني يخشى اختفاء المستقبل.

 

ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن المجتمع داخل إسرائيل لم يعرف الطمأنينة الكاملة. 

فالدولة التي ولدت من رحم الحروب ظلت تعيش في ظلها، الخدمة العسكرية الإلزامية، وقوات الاحتياط، وحالة التأهب الدائمة، كلها صنعت مجتمعاً شديد الحساسية الأمنية، يرى أن التهديد قد يعود في أي لحظة. 

هذا الشعور بالخطر المستمر يفسر جانباً من التشدد الأمني الإسرائيلي، حتى وإن ظل محل انتقاد أخلاقي وسياسي واسع.

 

وجاءت أحداث السابع من أكتوبر لتكشف هشاشة الجميع، فقد شكلت صدمة أمنية عميقة داخل إسرائيل، لكنها في المقابل فتحت باباً لمأساة إنسانية واسعة في غزة. 

ومن زاوية تحليلية بحتة، يرى عدد من المحللين أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوة عسكرية متفوقة دون حساب دقيق للنتائج أدى إلى كلفة إنسانية باهظة دفعها المدني الفلسطيني أولاً، فالحروب لا تقاس بالشعارات، بل بقدرة القرار السياسي على حماية شعبه قبل أي شيء آخر.

 

أما سياسات (بنيامين نتنياهو) تجاه قطاع غزة، فقد اتسمت لسنوات طويلة بمحاولة إدارة الصراع لا حله، فقد سمح بدخول أموال، ومساعدات، وتسهيلات مختلفة بهدف منع الانفجار الكامل للوضع الإنساني، دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، هذه السياسة لم تنهِ الصراع، لكنها أجلته، حتى عاد أكثر عنفاً وتعقيداً.

 

الحقيقة الأكثر إزعاجاً أن كل جولة قتال خلقت جيلاً جديداً أكثر غضباً، وأقل استعداداً للاستماع إلى فكرة السلام. 

 

ومع مرور الوقت، أصبح الصراع يعيش على ذاكرة الماضي أكثر مما يبحث عن حلول للمستقبل.

 

السلام هنا لا يعني نسيان الدم، ولا تبرئة أحد، ولا إنكار معاناة الفلسطينيين أو مخاوف الإسرائيليين.

 

السلام ببساطة، هو الاعتراف بأن الحرب فشلت، وأن الشعوب التي تبني مستقبلها على الانتقام تظل أسيرة الماضي، مهما امتلكت من قوة.

 

ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس من كان على حق في البداية، بل من يملك شجاعة إنهاء ما لم يعد يحتمل الاستمرار.

 

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط ليس حرباً جديدة، بل أن يعتاد الجميع على أن الحرب هي الحالة الطبيعية الوحيدة الممكنة.

 

في النهاية :

 

حين يصبح السلام خيانة في نظر الغاضبين، تصبح الحرب قدراً على الأبرياء.

وفي الحروب الطويلة لا ينتصر أحد، فقط يتأخر السلام.

والتاريخ لا يرحم من يتعلم منه متأخراً، والذين يصرخون للحرب اليوم، لن يكونوا غالباً أول من يدفع ثمنها غداً. 

وحين يكتشف الجميع أن لا أحد انتصر، قد يكون الوقت قد تأخر على السلام.

 

وعلى الله قصد السبيل

 

شادي طلعت

 

#شادي_طلعت

#السلام_مع_إسرائيل_الحقيقة_التي_يخشاها_الجميع 

اجمالي القراءات 68

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-11-20
مقالات منشورة : 376
اجمالي القراءات : 4,425,722
تعليقات له : 79
تعليقات عليه : 230
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt