القوامةُ و النشوز:
القوامةُ و النشوز

أسامة قفيشة Ýí 2016-03-16


القوامةُ و النشوز

قال تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) 34 النساء :

مقدمة لا بد منها لارتباط المعاني فوجب التوضيح :

القوامة هي الرعاية المالية و تصريف الرزق بالمعنى الخاص , فمنها القيوم و هو الله جل وعلا المتكفل بأرزاق جميع الخلائق و تصريف الرزق لهم جميعاً بالمعنى المطلق , فجميع الأرزاق تتم برعايته و تقديره و فضله ,

( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) أي أن الرجال قوامون على النساء و العكس صحيح حيث أن النساء قوامون على الرجال , و هذا مرجعه للقدرة المالية و امتلاكها بموجب التفضيل و تقدير هذا الرزق من الخالق القيوم , فوجوب القوامة يأتي تحت شرط ( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) فهنا التفضيل هو فضل الله عليهم برزقه , فقد يكون للرجال و قد يكون للنساء , و هو أيضا تحت شرط الإنفاق المالي ( وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) , فمن امتلك منهم تلك المقدرة و التفضيل يصبح هو صاحب القوامة , فالقوامة ليست سيطرة أو هيمنة أو استعباد , بل هي فرض من الله جل و علا على المقتدر الذي فضله الله عز و جل بالرزق سواء كان رجل أو امرأة , فالقوامة هي تكليف و ليست تشريف ,

إذا نحن أمام طرفين , الطرف الأول وجب عليه القوامة , أما الطرف الثاني وجبت عليه الطاعة ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) و تلك الطاعة هي فيما حدده الله جل وعلا و لن أتطرق لها كي لا نخرج عن موضوعنا ,

فعلياً و على أرض الواقع نظراً لكون الرجال هم الأكثر مقدرة على العمل و كسب المال و تحصيله و المقدرة الجسدية و التحمل و الطاقة , نجد بأن الرجال هم غالباً من تجب عليهم القوامة , أي أنهم أكثر من النساء في وجوب القوامة ,

النشوز هو الجمع , و نشازهنّ هو جمعهنّ في بيتٍ واحد تحت سقفٍ واحد , ففي هذا الجمع تتفاوت فيه القوامة و تتضارب فيه الطاعة , و يحدث الخلاف بينهنّ حول هذا الأمر , فيؤدي الخلاف إلى الفراق و الشقاق ,

فمن خاف الشقاق من هذا التضارب و الخلاف وجب عليه ثلاث أمور بأن يعمل بها لتفادي هذا التضارب و الخلاف من أجل الإصلاح و عدم وقوع الشقاق , و تلك الأمور هي الوعظ و الهجر في المضاجع و الضرب ,

الأمر الأول هو الوعظ :

( فَعِظُوهُنَّ ) من الوعظ و النصح أي بالكلام الحسن , فإن لم يستجيبوا ( بالطاعة التي استوجبت عليهنّ مقابل القوامة ) وجب الأمر الثاني ,

الأمر الثاني هو الهجر :

( اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ) هجرهنّ و تركهنّ وحدهنّ في مضاجعهنّ , كي يراجعنّ أنفسهنّ و حساباتهنّ جيداً , فإن لم يستجيبوا ( بالطاعة التي استوجبت عليهنّ مقابل القوامة ) وجب الأمر الثالث و الأخير ,

الأمر الثالث و هو الضرب :

( اضْرِبُوهُنَّ ) أي باعدوا بينهن في المضارب ( المنازل ) أي الفصل بينهنّ , في لسان العرب حملت كلمة الضرب الكثير الكثير من المعاني , و يستخلص ذلك المعنى من سياق الكلام , فكانوا يقولون ( الطيور الضوارب ) أي التي تتفرق و تذهب في اتجاهات مختلفة , و قالوا ( ضرب الدهر بين القوم ) أي فرقهم و باعدهم عن بعضهم ,

كذلك الأمر في القرآن الكريم يأتي معنى الضرب بمعاني كثيرة , فيأتي بمعنى القطع و الفصل و التباعد كما في ( اضْرِبُوهُنَّ ) و كما في ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) و يأتي أيضاً بمعنى الابتعاد و البعد كما في ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ) , و الكثير من المعاني الأخرى لا مجال هنا لحصرها جميعاً ,

فهذا بعضٌ من الأمثلة التي تساعدنا في فهم ذاك المعنى ,

ثم يقول جل وعلا ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) أي إن قبلوا بهذا الأمر و استجابوا له دون إكراه أو إجبار ( فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ) , و إن أطاعوا صاحب القوامة التي يتوجب عليه فعلها و تأديتها على حقها دون علو و دون تكبر لأنه ملزم بالخضوع و تحمل أعباء تلك القوامة , لأن الله جل وعلا فرض عليه ذلك , و لا ينسى بأن الله هو العليّ الكبير كونه هو جل وعلا له أصل الفضل و الرزق حيث كان سبحانه هو القيوم على كل ذلك بالمعنى المطلق , و على الجانب الآخر لا تنسى النساء أيضا قوله جل وعلا ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) , فإن لم يستجيبوا بعد كل ذلك و من أراد منهنّ الشقاق أي الانفصال فذلك له تفصيلاته و لا أريد التطرق كون ذلك ليس موضوعنا .

كان ذلك في قوامة الرجل , أما في قوامة المرأة فقال سبحانه و تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) 128 النساء :

هنا يدور الحديث عن المرأة التي تملك القوامة و زوجها يريد الزواج عليها ( خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا ) أي أراد جمعها مع امرأة و زوجه أخرى تحت سقفٍ واحد ,

قلنا بأن الطرف الذي يملك القوامة يقابله الطرف الآخر بوجوب الطاعة , فإن كانت القوامة مترتبة على المرأة وجب على الرجل الطاعة حينها , فإن أراد الجمع ( النشوز ) بالزواج بامرأة أخرى فذلك يشكل خوفاً عند الزوجة الأولى بطبيعة الحال و بالمجمل و هذا الخوف لا يتمثل بزواجه من أخرى فقط , بل يشمل التخوف أيضاً من إعراض زوجها بعدم الطاعة التي تتوجب عليه ( نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ) ,

ففي هذه الحالة وجب التدخل و الصلح بينهما و تذكيره بفقره ( وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ) و بأن زوجته هي التي تنفق عليه و هي صاحبة القوامة لا هو , و بأنه واجب عليه الطاعة لها , و واجب عليه الإحسان لمن أحسن إليه لأن الإحسان يؤدي لتقوى الله جل وعلا ( وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) , ثم في الآية التي تليها يستمر الحديث عن الإصلاح بينهما , فعدم مقدرته المادية و عجزه في هذا الجانب  فهو لن يستطيع العدل بين النساء بطبيعة الحال ( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) , و تستمر الدعوة لهما بقبول الصلح من الطرفين , و عدول الرجل عن زواجه بأخرى , و دعوته لعدم ترك زوجته الأولى صاحبة القوامة معلقة أي بدون طلاق إن رفضت هي الصلح و العودة له من جديد , على الرغم من دعوتها للصلح و الغفران و تذكيرها بأن الله جل وعلا هو الغفور الرحيم ,

فإن أصرت هي على عدم الصلح و لها الحق في ذلك , وجب عليه طلاقها فقال جل وعلا في الآية التي تلي ذلك ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) ,

ثم في الآية 135 من نفس السورة ( النساء ) يقول جل وعلا للجميع رجالاً أو نساءً , من كان منهم عنياً و كانت عليه القوامة , أو من كان منهم فقيراً و كانت عليه الطاعة , بأن يلتزموا القسط و العدل و عدم الإعراض عن حكم الله عز و جل فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) .

هذا ما أراه في معنى النشوز من خلال هذا البحث , فكان يعني الجمع , و هذا ما أراه بالقوامة أيضاَ , فهي كما تجب على الرجل فهي أيضاً تجب على المرأة , و كلٌ حسب حالته ,

ففي حق النساء كان ( نشوزهنّ ) عائدٌ عليهنّ بلفظ الجمع , أما في حق الرجل فكان ( نُشُوزًا ) عائدٌ عليه بلفظ المفرد .

و من الدلالات على هذا المعنى قوله جل و علا ( وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ) من الآية 259 من سورة البقرة , فهنا ننشزها أي نجمعها ,

و كذلك الأمر في قوله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) 11 المجادلة , فهنا الحديث عن التفرق و التجمع ( التفسّح و النشوز ) .

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا

سبحانك إني كنت من الظالمين 

اجمالي القراءات 8657

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 196
اجمالي القراءات : 1,411,854
تعليقات له : 223
تعليقات عليه : 421
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين