محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن علي:
الموحدون في عهد محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن علي فكر وعقيدة وسلطه وقضائهم على دولة المرابطين

عبدالوهاب سنان النواري Ýí 2014-11-05


قائمة المحتويات:

 

1-   المقدمة.

2-   الفصل الأول: الموحدون فكر وعقيدة وسلطة.

3-   المبحث الأول: القائد المؤسس محمد بن تومرت.

4-   المبحث الثاني: عبدالمؤمن بن علي وبداية الإصلاح.

5-   الفصل الثاني: القضاء على دولة المرابطين.

6-   المبحث الأول: التعبئة والحرب الدعائية والنفسية ضد المرابطين لجرهم للحرب.

7-   المبحث الثاني: إسقاط دولة المرابطين.

8-   الخلاصة.

9-   قائمة المصادر والمراجع.

                     

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة:

   الحمد لله القائل: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية : 17]نحمده ونستعينه - سبحانه وتعالى - ونثني عليه وحده لا شريك له؛؛؛

   ونحن ندرس تاريخ المغرب العربي الإسلامي؛ نقف كثيراً عند تلك الدول التي قامت وانهارت في بلاد المغرب, تلك الدول التي لعبت دوراً سياسياً وعسكرياً وحضارياً وفكرياً, ليس في تاريخ المغرب فحسب؛ بل وفي تاريخ الأندلس أيضاً, ودولة الموحدين واحدة من أهم هذه الدول بالتأكيد, وعند التأمل في تاريخ هذه الدولة؛ للتعرف على العوامل التي جعلت منها قوة مرهوبة الجانب, نجد أن فضلاً كبيراً يرجع إلى نظامها السياسي والفكري, والعقيدة التي تبنتها هذه الدولة, فكان لابد من دراسة تاريخية تحليلية لهذا الفكر, ولهذه العقيدة والتنظيم الذي أسسه محمد بن تومرت. وعليه فقد تم اختيار هذا الجانب من تاريخ دولة الموحدين مجالاً للبحث, تحت عنوان: (الموحدين في عهد محمد بن تومرت وعبدالمؤمن بن علي, فكر وعقيدة وسلطه وقضائهم على دولة المرابطين).

   والحقيقة أن الكثير من الدراسات أو المراجع المتوفرة بين أيدينا؛ قد تحدثت كثيراً في هذا الموضوع, ولكنهالم تعط الموضوع حقه, كما أنها جاءت متناثرة, بعضها مكثف يمل القارئ قراءتها, وبعضها مقتضبة قاصرة عن إشباع نهم القارئ أو الباحث, وعليه فقد حاول الباحث من خلال هذا البحث أن يقدم سرداً تاريخياً تحليلياً, توضيحاً لهذه الفجوة التاريخية من تاريخ دولة الموحدين.

    يشتمل هذا البحث على: فصلين, يحتوي كل فصل منها على مبحثين, وينتهي بالخلاصة. يدور الفصل الأول حول: فكر وعقيدة الموحدين, وكيف كانت سلطتهم, حيث يوضح لنا المبحث الأول: الجو العام الذي كان يخيم على المغرب الأقصى؛ حيث ينتشر الجهل وتعم الخرافة, وكيف استطاع ابن تومرت أن يتحصل على العلم والمعرفة في مختلف المدارس الإسلامية, وأن يكتسب مهارة فائقة في التنظيم والإدارة, والسيطرة على عقول الناس البسطاء؛ حيث أقنعهم بأسطورة المهدي المنتظر, وأقنعهم أنه - أي ابن تومرت - معصوم, وأنهم - أي أتباعه - الموحدون الوحيدون في الدنيا, وأن المرابطين - مجسمين - ملحدين بالله عزوجل؛ وبهذا استطاع أن يعبئ الناس ويؤلبهم ضد دولة المرابطين بعد أن وضع نظام الطبقات؛ الذي استطاع من خلاله أن يوجد نظام قوي ودقيق يدير به الدولة. بينما يوضح لنا المبحث الثاني: دور عبدالمؤمن بن علي؛ في إصلاح فكر وعقيدة الموحدين بعد أن كان من أكبر المخلصين لابن تومرت, فبعد موت ابن تومرت استطاع عبدالمؤمن أن يلغي نظام الطبقات الذي وضعه ابن تومرت, ولم يتعصب عبدالمؤمن لعقيدة ابن تومرت بل انه منح الناس حرية الفكر والمعتقد, وسمح بطباعة الكتب والكتب المضادة, وحول دولة الموحدين إلى مملكة يرثها أبنائه من بعده.

   ويدور الفصل الثاني حول: كيفية القضاء على دولة المرابطين, فيوضح لنا المبحث الأول: كيف استطاع ابن تومرت أن يعبئ الناس ضد المرابطين؛ بعد أن شن حرباً دعائية ونفسية ضد المرابطين؛ ليستدرجهم إلى حرب استنزاف يستطيع أن ينتصر فيها, وبالفعل نجح ابن تومرت في ذلك. بينما يوضح لنا المبحث الثاني: كيف استطاع عبدالمؤمن أن يجهز على دولة المرابطين؛ بعد أن دب الخلاف في صفوف القبائل الموالية للمرابطين, وبدأت الخيانة في صفوفها. ويختم الباحث بحثه بخلاصه لأهم النتائج التي يمكن استنباطها من دراسة الموضوع.

هذا ومن الله التوفيق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول - الموحدون فكر وعقيدة وسلطة:

                       المبحث الأول: القائد المؤسس محمد بن تومرت.

      المبحث الثاني: عبدالمؤمن بن علي وبداية الإصلاح.

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول - القائد المؤسس محمد بن تومرت:

 

   يصفه ابن خلدون: بالعالم الشهير محمد بن تومرت, صاحب دولة الموحدين, المشتهر بالمهدي, وهو (محمد بن عبدالله بن وجليد بن يامصال بن حمزة بن عيس). فيما ذكره ابن رشيق, وحققه ابن القطان، وذكره بعض مؤرخي المغرب انه: (محمد بن تومرت بن تيطاوين بن سافلا بن مسيفون بن ايكديس بن خالد), وأن نسبه الطالبي يقع في هرغة من قبائل المصامدة, وشجت عروقه فيهم, والتحم بعصبيتهم, فلبس جلدتهم, وانتسب بنسبهم, وصار في عدادهم.[1]

   اختلف المؤرخون في نسبه وانقسموا حوله؛ بين من يجعله مغربياً من هرغة وهي إحدى قبائل مصمودة, وبين قائل أن أسرته تنحدر من شريف إدريسي نزل في قبيلة هرغة, ومع انه يمكن الشك بالنسب الإدريسي, واعتباره من تلفيقات النسابين الذين درجوا على اختلاق نسب عربي أو شريف للزعماء في الدول التي يؤسسها أناس مغمورين من أصول غير عربيه, سواء كان ذلك في المغرب أو في المشرق, إلا انه لا يمكننا نفي إمكانية نزول شريف إدريسي في هذه المنطقة؛ لنزول الأشراف الأدارسة في أماكن متفرقة .[2]

   ولد زعيم الموحدين الروحي والسياسي محمد بن تومرت في العام (485هـ / 1093م) على وجه التقريب, بضيعة (أيجلي أن وأرغن ) وهو من قبيلة هرغة. وهو من قوم يعرفون باسم (أسرغين) أي الشرفاء, وأنصاره لا يعارضون نسبه العلوي, وذلك لتبرير فكرة المهدية لديه.[3] والمتتبع لتاريخ ابن تومرت, يدرك انه لم يظهر ادعاءه النسب القرشي دفعة واحدة, بل انه تدرج في هذا الأمر؛ حتى يضمن قبول الناس له, فبعد أن اطمأن لقبول هذا الأمر, ادعى ذلك لنفسه. ويرى محمد بن عبد الله عنان؛ وهو من المؤرخين المعاصرين: أن هذا الادعاء ما هو إلا نحله باطلة, وثوب مستعار, قصد من وراءها ابن تومرت؛ أن يدعم بها صفة المهدي, التي انتحلها أيضاً شعاراً لإمامته ورياسته.[4]

 والذي يظهر من البحث العلمي؛ أن محمد بن تومرت, ادعى النسب القرشي الهاشمي؛ كوسيلة لكسب الأنصار لدعوته الناشئة, والذي قادنا إلى هذا الاستنتاج ما يلي:

1-   انه لم يشتهر بين المؤرخين - لاسيما علماء الأنساب منهم - أن ابن تومرت يعود إلى أصل عربي, وإنما معظم الذين قالوا بهذا, هم من مؤرخي الدولة الموحدية, الذين سجلوا تاريخها؛ بوحي من سلاطينها وأمرائها, أو بالتأثر بدعوة ابن تومرت.

2-   أن هذا الادعاء كان مألوفا عند أصحاب المطامع - الدينية والسياسية - في بلاد المغرب وغيرها.

3-   ويضاف إلى ما سبق, أن انتساب ابن تومرت, إلى الأصل العربي, لم يكن معروفاً عند أتباعه, إلا بعد أن ادعى ذلك لحاجه في نفسه.[5]

   ولم تعط المصادر التاريخية نبذة موسعه عن أسرته, وإنما وردت الأخبار التي تدل الباحث على أن أسرته كانت من أواسط القوم, غير بارزه الجاه والثروة, وكانت على مكانة دينية, حيث يقول ابن خلدون: ( وكان أهل بيته, أهل نسك ورباط), (كما أنها كانت تحافظ على العلاقات الأسرية الحميمة بين أفرادها, كما يبدو من شوق والد ابن تومرت, وأخويه عيسى وعبد العزيز, وأخته زينب؛ إليه لما طالت غيبته بالمشرق, ثم احتضانه ومؤازرته بعد عودته من تلك الغيبة).[6]

   تعرف السوس ومراكش في العالم الإسلامي؛ بأنها البلاد التي اختيرت للسحرة والمشعوذين, كما يعتبر أهل الجنوب, وهم بربر جفاة خشنون في مظهرهم الخارجي, كما في طريقة حياتهم, أساتذة علم العرافة والتنجيم والقوى الخفية, يأمرون الجن, ويكشفون عن الكنوز المختفية, ويخشاهم الناس ويحترمونهم, إذ لا يستطيع احد أن يلحق بهم أذى, ثم هم قوم أولو فصاحة بسيطة, إلا أنها أخاذة ساحرة, جمهورهم الذي يخاطبونه, طلعة ساذج, ولكنهم يعرفون السبيل أكثر من غيرهم إلى التأثير عليه.[7]

   وجلهم يجيد لغتين, يضمنون خطبهم - سواء كانت بالعربي أم البربرية - آيات من الكتاب العزيز, أو عبارات دينيه مأثورة, تضفي على أعمالهم التي ينكرها الإسلام أحياناً صبغة من التمسك السطحي بالدين, وقليل منهم من يرتفع إلى مستوى العلم الإسلامي الحق, ويلم بالمسائل الكلامية, على نحو يتبلور معه ذو العلم بها, ويستحيل إلى آلة تسرد وتردد, وإلى عالم يلتزم في تفسيره للآيات بالنص الحرفي, مما يحصر النفوس في إطار ضيق جداً - يجب عليها أن تتلاءم وإياه - على أن هذه المباحث بجفافها - وربما أيضاً من أجل جفافها - تتجاوز مستواهم ولا رغبة لهم فيها, فليس يلزم كون المرء عالماً, من اجل أن يكون مسلماً صالحاً, أو مؤمناً غيوراً.[8]

   وبربر المغرب في جملتهم أهل صلاح وتقوى, إلا أن الإسلام يقتصر عندهم على جانبه الديني فقط, ويحق لنا أن نذهب إلى أن جبل الأطلس, هو الذي يعكس الصورة الاجتماعية لبلاد البربر في العصور الوسطى, ويحتفظ بها على أكمل وجه.[9]

   كان جبل الأطلس بفضل موقعه الجغرافي, وعزلته وبعده النسبي عن السهول ذات الحياة الميسورة , وطرق المواصلات الكبرى, المأمن الواقي, ونواة الكتلة البربرية في جنوب مراكش, وربما حاول أقوام آخرون من البربر, سواء من سكان الجبل في بلاد الريف أو من الأطلس الأوسط, أن يخلعوا في خلال التاريخ نير وحدة قومية زائفة, ولكنهم لم يوفقوا قط إلى إكساب حركاتهم الثورية سعة تبلغ في مداها وشمولها, الحركة التي اتسم بها في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي, اندفع الجبل الجنوبي لمدينة مراكش إلى إنحاء المغرب, مستجيباً لنداء المهدي بن تومرت احد أبنائه.[10]

   وهو شخصية تستهوي من حولها إلى أقصى حد, ونفس بسيطة ومعقدة في آن واحد, وحالم إن شئنا, ومصلح ديني, إلا انه سياسي بلغ الغاية في الألمعية والإخلاص, يؤمن برسالته إيماناً يفضي به إلى الرغبة في أن يحققها بقوة ضارية, قالوا عنه خائن كذاب, وكان في الإمكان اتهامه بالجنون والدروشة, والشطحات الصوفية, ولكنه لم يتهم قط في ذكائه.[11]

   ومجمل القول انه كان شعلة ذكاء بربرية - أذا جاز لنا التعبير - هذا مع صفاء في النفس لا يخلو من الرقة الحضرية, والريبة فيمن حوله, وتقدير العواقب, والخشونة والقسوة, ولكنه كان في مقابل ذلك لين العريكة في الوقت المناسب, فقد استطاع هذا البربري القادم من الأطلس وعالم الإسلام, أن يصبح لدى مواطنيه - الأمغار - مسموع الكلمة, وينزع في خطبه إلى أسلوب الاحتجاج, ولو لحظة, ليتحدث في بساطه, دون أن يتشدق بالفصاحة,على طريقة القوم. وله كما يزعم في الرسول أسوة حسنة, يستن بسنته, مع علمه بأنه لا يبلغ شأو الرسول بالطبع.[12]

   ولم يكن في ابن تومرت شيء من سجايا العربي الساكن في شبه الجزيرة العربية, وكان يعلم أنه مهما فعل؛ فإن اللغة التي يكتبها لغة غريبة عليه, ومهما كان من بلاغه رسائله, فإنه كان يفكر بالبربرية, والبربرية كان يخاطب قومه أبناء (تنملل), وكانت العربية لغة المواعظ والخطب, التي تزيد أتباعه الجدد إيماناً؛ يؤثر في نفوسهم بإيقاع العبارات الجميلة, التي تحدث في آذانهم رنيناً عذباً, ومع ذلك كانوا لا يحيطون بها إحاطة تامة, فكانت البربرية هي لغة كل يوم, لغة السب واللعن, ولغة الدعاة الذين يعلنون مقدم المعصوم, من قرية إلى قرية, ومن واد إلى واد.[13]

   وينبغي أن نحدد على الخريطة؛ موضع الإقليم الذي كانت تحتله قبيلة (هرغة) في العصور الوسطى, فهي تقع إلى الجنوب من (مراكش), فيما وراء الجزء الأعلى من وادي (سوس), فكانت تحتل دون شك, السفح الشمالي المواجه لجبال أطلس, فيما بين قبائل (هشتوكة), المجاورة لساحل المحيط الأطلسي, وبين (سكتانة) إلى الغرب من (درعه). وتقيم في نفس المنطقة قبائل (أرغن), وهو الاسم البربري الحقيقي الذي عُرب إلى هرغة.[14]

   وكان أسم السوس يطلق - في العصور الوسطى - على جميع البلاد التي تمتد إلى جنوب مراكش, بين المحيط ووادي نهر درعه, وكان القسم الشمالي يسمى غالباً على وجه التحديد بالسوس الأدنى, والآخر بالسوس الأقصى, يضم كتلة جبال درن أي الأطلس, وتسكن سفوح الوديان وبطونها بعض القبائل الكبيرة أو جماعات منها, وهي فيما بين وادي تنسيفت, ووادي سوس, على النحو التالي بادئين من المحيط: قبائل رجراجة, ومسكالة, ومتيجة, وهاهة, وهسكينة. وفي الوديان التي اتجاهها جنوبي شمالي, وتهبط إلى سهول مراكش: قبيلة ركدميوة (جدميوة), وكنفيسة. وإلى الشرق من ذلك: قبائل سكتانه, وهنتانة, وقبائل هزرجة في بلاد دمنات وإجلوان. وأخيراً الشعبان الكبيران: بنو وازكيت, وهسكورة, ثم تقتسم أربع مجموعات كبيرة من القبائل فيما بينها؛ المراعي, والأراضي الزراعية, من الغرب إلى الشرق, في الإقليم المواجه لجبال درن وهي: هشتوكة, وهرغة, وسكتانة, وإزنجان.[15]

     ليس هناك ما هو أشد قسوة من هذه البلاد, والحياة صعبة قاسية بالنسبة لساكن الجبل, وكثيراً ما هاجر السكان من هذه البلاد؛ سعياً وراء حياة ميسرة في السهول الشمالية, ولكن البربري شديد التعلق بمسقط رأسه, يعز عليه ألا يعود إليه, وهناك يقضي آخر أيام حياته, ولسكان جبال الأطلسي, وغيرها من الجبال, احتمال جسماني عجيب, وسيرهم في الطريق الوعرة مسافات طويلة أمر طبيعي بالنسبة لهم, يقومون به كل يوم, لا يخيفهم التعب الجسماني, وليس للزمن وزن في حسابهم.[16]

   وفي منازل هذه القبائل الجبلية, تبعد القرى بعضها عن بعض دون أن تنعزل فيما بينها, أما المساكن فمتصلة جداً؛ لأن الأمن غير دائم, بحيث يتيح لهم الاستقرار في الأراضي التي بها زرع, والحياة بدائية تقوم على الزراعة أو الرعي, وهناك بيت لا يفترق عن غيرة في شيء في أغلب الأحيان, ذلك هو المسجد الذي يجتمعون فيه, ويقيمون فيه الصلاة, ويتعلم فيه الصبية أجزاء من القران الكريم, يحفظونها على يد معلم, قليل الحظ من العلم, ويجد فيه عابر السبيل مأوى يقضي فيه الليل, ويتناول الطعام, وقد أصبح المسجد مكان الاجتماع في القرية - التي لم يغير فيها الإسلام شيئاً كثيراً - فأليه يفد القوم؛ ليتحدثوا في جناية يقترفها واحد منهم, أو ثأر يأخذ به آخر.[17]

   ولا يلبث أقل حادث يقع في هذه القرى الجبلية, أن يزداد خطورة عنه في غيرها, وأقل خبر يذاع هنالك لا يلبث أن يسري وينتشر بسهولة, ولا يعرف الرجل أبناء عشيرته والأسر التي تسكن قريته فحسب, وإنما يعرف جميع أقرانه من أصغرهم إلى أكبرهم سناً, وهم يذهبون كل أسبوع إلى السوق المتواضعة التي تقام في مفترق الوديان, يدفعهم إلى ذلك ما يسمعونه عنها, والبيع والشراء قليل جداً في السوق, وإنما يتناقلون فيها الأخبار عن الحوادث التي تقع في كل أسبوع, كالذي يقع في القبيلة من حوادث القتل والسرقة والغصب, كما يرددون ما يرد من المدينة من أخبار مشوهة, كل ذلك كان يؤلف موضوعاً لأحاديث كثيرة, فإن في البربر- شأنهم شأن جميع الشعوب التي ليست على حظ كبير من التطور- سذاجة في معظم الأحيان, إذ أن نفوسهم جبلت على التطلع البريء مع قسوة جارفة.[18]

   وهكذا كان شأن نبأ سرعان ما انتشر دون شك في الجبال, ذلك هو رحيل - ابن تومرت - عن قبيلة هرغة, وكان مما ساعد على ذيوع هذا الخبر؛ أن ابن تومرت؛ لم ينحدر عن السهول ليعمل أجيراً, وإنما رحل للدراسة في الشرق, نحو هذه الأرض الساحرة, مصدر جميع العلوم, ومهد الإسلام وأمجاده. [19]

   عند كان ابن تومرت طفلاً؛ تلقى دراسته الأولية بالكتاتيب في قريته, فتعلم القرآن الحكيم؛ حفظاً, ورسماً, وقراءة, وذلك على عادة المغاربة, وقد وصفها ابن خلدون بقوله: (أما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان, الاقتصار على تعليم القرآن العظيم فقط, وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم, ومسائله, واختلاف حملة القرآن فيه... إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشيبة)؛ وربما قبل رحلته إلى المشرق تعلم العربية وأدبها, وشيئاً من الفقه, فقد ظهر اهتمامه وشغفه بالعلم منذ شبابه, قال ابن خلدون: (شب محمد هذا قارئاً للعلم, وكان يسمى (آسفوا) ومعناه الضياء, لكثرة ما كان يسرج في القناديل بالمساجد لملازمتها), وقد تاقت نفس ابن تومرت؛ للمزيد من العلوم الشرعية, فقصد المشرق الإسلامي لينهل من منابع العلم, ومصادر المعارف, ومهد الحضارات, ما يفيده ذلك في تحقيق أهدافه التي يرنوا إليها. [20]

   بدأت رحلته في عام 500هـ, ودامت خمسة عشر عاماً, كان لها الأثر المباشر في تشكيل شخصيته, والتأثير في آرائه وأفكاره, مكث في العواصم الإسلامية؛ في كلٍ من: بغداد, والإسكندرية, والحجاز, وكان قبل الرحلة المغربية قد سافر إلى الأندلس, حيث نزل بقرطبة, ودرس بها على يد القاضي أبي جعفر حمدين بن محمد بن حمدين, إلا أن الإقامة في قرطبة لم تدم طويلاً, بل كانت محطة للعبور, ومن الأندلس توجه إلى تونس بحراً, ونزل بالمهدية, حيث درس بها على يد أبي عبد الله المازري, ثم توجه إلى الديار المصرية, وتلقى فيها دروساً عديدة, وأخذ العلم من الشيخ أبي بكر الطرطوشي, ولم يمكث طويلاً في مصر, حيث فضل الذهاب إلى الحجاز, لحج البيت الحرام, أداء الفريضة, وتوجه من الحجاز نحو العراق, ومكث بها ما يزيد على عشر سنوات, وهناك تبحر في علم الكلام, وعقائد الاعتزال, والاشاعرة, وأخذ من كل ما يخدم فكرته طرفاً؛ قال ابن خلدون: (ودخل العراق, ولقي جلة العلماء يومئذ وفحول النظار وأفاد علماً واسعاً).[21]

   ومن أشهر شيوخه في بلاد المشرق الإسلامي: الغزالي, والكيا الهراسي, والمبارك, والشاشي, والطرطوشي, وكان الغزالي (ت: 555هـ) مبرزاً في: علم أصول الدين, والتصوف, ومتبحراً في علم الكلام, إلا أنه وقع في أغلاط وأخطاء. إن بعض الكتاب عرضوا الغزالي كعالم قد تتلمذ على يديه ابن تومرت, وأن الغزالي كان ينزع منزع التحرر العقلي, ويشجب الجمود على التقليد, وأن ابن تومرت تأثر به, وكان ابن تومرت, رجلاً متحرراً من الجمود, والتقليد, ومتنوراً في أطروحته التغييرية, وقد استفاد في بعض المسائل, ووظفها لأهدافه السياسية.[22]

   وأما شيخه أبو الحسن علي بن محمد, الملقب بعماد الدين, والمعروف بالكيا الهراسي (ت:504هـ) فقد كان عالماً في: الفقه, والأصول, والخلافيات, والتفسير, وله في التفسير كتاب (أحكام القرآن). وأما شيخه المبارك بن عبد الجبار(ت: 500هـ) فقد كان محدثا مكثراً, إلا أن ابن تومرت؛ لم يطل تتلمذه عنده, حيث توفي المبارك في نفس السنة التي قدم فيها ابن تومرت إلى بغداد. وأما أبو بكر الشاشي (ت: 507هـ) فقد كان عالما ًفي: أصول الدين, وأصول الفقه, كما كان في الفقه رأس الأئمة الشافعية بالعراق, وألف في المذهب كتابه (المستظهري). وكان من شيوخه أيضاً أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي (ت:521هـ) الذي أخذ عنه - ابن تومرت - العلم في الإسكندرية؛ وكان متميزاً في: الفقه, ومتمكناً في السياسة الشرعية؛ التي ألف فيها كتاب (سراج الملوك).[23]

   لقد استطاع ابن تومرت؛ أن يستفيد من رحلته المشرقية, وأن يتحصل على علوم متنوعة, تجمع بين: العلوم النقلية, والعلوم العقلية. فضبط: الأصول, وعلم الكلام, وعقائد الأشاعرة, وتأثر بالمعتزلة, وغير ذلك من العلوم, ورأى عن كثب أقطاب المدارس الفكرية: من الأشاعرة, والمعتزلة, والشيعة الإمامية, وغيرها من المذاهب, وحضر مناقشاتهم وندواتهم واطلع على فلسفتهم, وروح حركاتهم, وبذلك تبلورت آراؤه وأفكاره.[24]

   وساعدته رحلاته المغربية, والمشرقية, على الوقوف على أحوال العالم الإسلامي, واستوعب أسباب الانهيار والتدهور, التي تعانيها دول وإمارات بلاد المغرب. وكان ذلك من الأسباب القوية التي دفعته إلى الطموح, في القضاء على أنظمة الحكم الموجودة في المغرب, والتخطيط لإقامة دولة موحديه قوية, لا في بلاد المغرب وحدها, بل والعالم الإسلامي كله. نظر ابن تومرت؛ في المدارس الفكرية الرئيسية, التي وجدت في بلاد المغرب قبله, وخصوصاً تلك المدارس, والأفكار, والمذاهب, التي كان لها ثقل مذهبي, وسياسي, تحميه دولة, وشوكة, وقوة, حتى أكسبت تلك الاتجاهات هيبة, ومكانة عند الناس, مما ساعد على شيوعها, وانتشارها في مناطق متعددة في الشمال الإفريقي.[25]

   وأهم تلك الاتجاهات, والأفكار التي قامت على أسس قوية, تحميها دولة, في بلاد المغرب, والتي استقى منها ابن تومرت, أفكاره وزاد عليها:

1- الاتجاه السني: وتمثله دولة الأغالبة, ودولة المرابطين, والدولة الزيرية الصنهاجية, في آخر عمرها.

2- الاتجاه الخارجي: وتمثله دولتا المدراريين, والرستميين.

3 - الاتجاه الشيعي: وتمثله دولة العبيديين.

4- الاتجاه الاعتزالي: وتمثله دولة الأدارسة, بالمغرب الأقصى.[26]

   والملاحظ أن ابن تومرت, استفاد من جميع المذاهب, وزاد عليها بما يخدم ميوله, ويحقق أهدافه, ولذلك جاءت الأسس الفكرية لدعوته خليطاً مضطرباً, ونسيجاً فكرياً متبايناً.[27]  

   لم يكن ابن تومرت؛ صاحب مدرسة فكرية تعرف به؛ لها فلسفتها, وأفكارها, وقضاياها, التي تطرحها وتناقشها, وتعمل على تثبيتها ونشرها. ولم يكن ابن تومرت؛ رجل فكر بحت فقط, ولا كان رجل سياسة فقط, بل انه - في الحقيقة - جمع في شخصه؛ بين رجل الدين, ورجل العلم, ورجل السياسة. فهو في الدين: ذهب في عبادته وتقشفه, إلى درجة التصوف. وهو في العلم: متبحر, ودفع بالعلم, وشجع العلماء. ويعتبر رجل سياسة: لأنه هو الأول, والوحيد, الذي خطط لقيام دولة الموحدين, ومهد لها سبيل القيام, ووضع لها الأسس التي قامت عليها.[28]

   كان ابن تومرت؛ يحدث نفسه بالدولة لقومه على يديه, فقد كان الكهان والحزِّاء, يتيحون ظهور دولة يومئذ بالمغرب, وهنا يطلعنا ابن خلدون؛ على ما دار بين ابن تومرت؛ وبين فقهاء المغرب؛ الذين ملئوا منه حسداً؛ وحفيظة, لأنه كان ينتحل مذهب الأشعرية, في تأويل المتشابه, وينكر على فقهاء المغرب جمودهم, وقد استدرك رئيس الفئة العلمية بمجلس الأمير علي بن يوسف - أمير المرابطين - وهو مالك بن وهيب؛ فأغرى بأبن تومرت, وأوغر صدر الأمير, وكان مالك هذا - حزّاء - ينظر في النجوم, وكان الكهان يتحدثون بأن مُلكاً كائنٌ بالمغرب, لأمة من البربر, ويتغير فيه شكل السكة, لقرأن بين الكوكبين العلويين من السيارة, ويقتضي ذلك في أحكامهم, وكان الأمير يتوقعها؛ فقال له مالك: احتفظ بالدولة من الرجل, فإنه صاحب القرأن. كما نجد الخرافة والشعوذة في كلام سفساف, عن الدرهم المربع, بسجع سوقي, يتناقل الناس نصه؛ وهو: اجعل على رجله كبلاً؛ لئلا يسمعك طبلاً, وأظنه صاحب الدرهم المربع.[29]

   ويذكر بعض المؤرخين أنه قطع رحلته من الإسكندرية إلى المهدية بحراً, وسرعان ما عملت الأسطورة والشعوذة على استغلال هذا النبأ, فيقول المؤرخ ابن القطان: أن عصمة ابن تومرت؛ تجلت في رحلته هذه, فقد كسر جرأت الخمر التي كانت موجودة على ظهر السفينة التي أقلته, وأنه صاح في ركاب السفينة؛ عندما أبصر أن أوقات الصلاة كانت تمضي؛ دون أن يهتم أي شخص بأدائها, وكان القوم يهزون أكتافهم, حين يسمعونه يدعوهم في غير رفق إلى الصلاة معه, وكان لابد أن تحدث معجزة, فهبت عاصفة, واستطاعت دعوات الناقد المصلح؛ ابن تومرت - وحدها - أن تهدى من هيجان البحر, وتمت الرحلة بسلام, بفضل هذا الولي, الذي وجد منذ هذه اللحظة من يصغي إليه بانتباه على ظهر السفينة, مكبرين له نادمين على ما بدر منهم نحوه.[30]

ويمكن تحديد أهم محاور عقيدة ابن تومرت كما يلي:

   أنه ادعى المهدية, وقال بأنه هو المهدي المنتظر, الذي يبعثه الله - سبحانه وتعالى - إذا انسلخ الحق بالباطل, وأزيل العدل بالجور, ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً, كما ملئت جوراً وظلماً, والذي بشر به الرسول - والله ورسوله بريء من هذه الخرافة الملفقة - وقد أكد ابن تومرت, لأتباعه هذا الاتجاه الفكري الخرافي, في مؤلفاته التي طالب أتباعه بحفظها, والعمل بما جاء بها, ومما جاء بها عن قضية المهدي, قوله:(أن العدل ارتفع, وأن الجور عم, أن الرؤساء الجهال استولوا على الدنيا, وأن الباطل لا يرفعه إلا المهدي, وأن الحق لا يقوم إلا بالمهدي, وأن المهدي معلوم في العرب والعجم والبدو والحضر, وأن العلم به ثابت في كل مكان, وفي كل أن واوان ...).[31]

   وأضاف إلى هذا المعتقد الفاسد الذي ادعاه لنفسه, أمر العصمة, حيث قال عن نفسه: بأنه المهدي المعصوم, ثم أشاع ذلك بين أتباعه حتى أصبحوا يطلقون عليه لفظ المعصوم, دون حرج أو تردد, وقد أكد هذا الأمر في مؤلفاته التي انتشرت بينهم, إذ جاء فيها: (ويجب أن يكون الإمام معصوماً من الباطل, ليهدم الباطل, كما يجب أن يكون معصوماً من الضلال... ولا يصح الاتفاق إلا باستناد الأمور إلى أولي الأمر, وهو الإمام المعصوم من الباطل والظلم).[32]

   وهكذا نرى كيف أن القول بالعصمة للأئمة, أصبح اتجاهاً قوياً من اتجاهات دعوة ابن تومرت الفكرية, وقد تمكن من تأصيل هذا الأمر عند أتباعه, حتى أطلقوا عليه لقب المعصوم, وأصبح هذا اللقب من أشهر ألقاب ابن تومرت, لدرجة أنهم كانوا يطلقونه عليه دون ذكر لاسمه؛ بسبب اشتهاره به. وهو بهذا يوافق الشيعة الإمامية الذين قالوا بالعصمة لأئمتهم. وهذا بلا شك انحراف عقدي خطير. بل لم يكتف بهذا الأمر حيث يأمر بقتل كل من يشك في عصمته, ولكي يؤصل هذا الادعاء الكاذب عند أتباعه, ألف لهم كتاب (أعز ما يطلب), وأمر بقراءته, بل وحفظه, وهذا بلا شك مما أصل فكر - ابن تومرت - ومحبته في نفوس أصحابه. إن عقيدة العصمة والمهدية التي غرسها ابن تومرت, في أصحابه سهلت له القضاء على خصومه.[33]

   تأثر ابن تومرت, بمذهب المعتزلة, حيث قال ببعض آرائهم, حيث سمى مرتكب الكبيرة بالفاسق, ولم يسمه بالمؤمن أو الكافر؛ قال تعالى: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات : 11].كما وافقهم في نفي الصفات عن الله (سبحانه وتعالى), حيث قال حينما تحدث عن صفات الله جل وعلا: (واشتغلوا بتعلم التوحيد فإنه أساس دينكم, حتى تنفوا عن الخالق الشبيه, والشريك, والنقائض, والآفاق, والحدود, والجهات, ولا تجعلوه - سبحانه - في مكان, ولا في جهة, فإنه - تعالى - موجود قبل الأمكنة والجهات, فمن جعله في جهة أو مكان فقد جسمه, ومن جسمه, فقد جعله مخلوقاً, ومن جعله مخلوقاً, فهو كعابد الوثن).[34]

   لقد تبنى ابن تومرت, مذهب المعتزلة في الأسماء والصفات, حيث نفى كل ما عساه أن يوهم الشبه والمثلية لله (سبحانه), ولهذا سمى أصحابه بالموحدين. لأنهم في رأيه هم الذين يوحدون (الله) لنفيهم الصفات عنه (سبحانه وتعالى), كما كان يسمي أتباعه بالمؤمنين, ويقول لهم: (ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم)؛ كما نهج ابن تومرت, نهج الأشاعرة في تأويل بعض صفات الله (سبحانه وتعالى), حيث يذكر ابن خلدون: أن ابن تومرت, هو الذي حمل أهل المغرب على القول بالتأويل, والأخذ بالمذهب الأشعري, في جميع العقائد.[35]

   هذه المبادئ جعلت الموحدين, يؤمنون بأنهم يعملون على نشر مبدأ حق, ويكافحون الكفر وطواغيته, وأن معتقدهم يبيح لهم دماء أعداهم وأموالهم, وأن الموت في سبيل ذلك شهادة ترفع شهيدهم إلى جنان الله الخالدة, فاجتمعت للموحدين قوتان دافعتان, هما: الروح المعنوية العالية, والدافع المادي. فانطلقوا كالإعصار يحطمون أعداءهم, وينشرون مبادئهم, فقد قامت رسائله المبسطة الموجزة في العقيدة, وخاصة رسالة (المرشدة) بالدور الكبير في ذلك, حيث أصبحت مقرراً للحفظ والدراسة, في كثير من مناطق المغرب على مر الأيام, لقد استعمل الموحدون القوة في فرض عقائدهم المختلطة, وهم بهذا يشابهون الخوارج في سفك الدماء.[36]

   جعل ابن تومرت, فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, من أهم عقائده, وبها أستطاع تهذيب أخلاق أتباعه, وعلمهم النظام والطاعة, واحترام صغيرهم لكبيرهم, ومحبة الوالدين, والجهاد في سبيل الله, والتضحية بالنفس والمال في سبيل الحق - حسب رأيهم - وبذلك أوجد ابن تومرت, جيلاً من أنصاره يستطيع به أن يحقق أهدافه؛ فقد تفانوا في خدمته, فلما أستوثق من أخلاص أتباعه, أتخذ منهم دعاة, يشتركون معه في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, واجتذاب القبائل للانخراط في سلك الدعوة الموحديه, كما استخدم ابن تومرت, الرسائل ذات الأسلوب الجذاب في استعماله رؤوس القبائل لدعوته.[37]  

   أخذ ابن تومرت, يرتب أنصاره طبقات, بحسب أخلاصهم له, وحاول الاقتداء بالرسول (ع), فقال أن تينملل دار الهجرة, وقسم أصحابه إلى طائفتين, كأنهم المهاجرين والأنصار من ألصحابه, وأصحاب - محمد بن تومرت - الأوائل هم طبقة العشرة, وهم أول من بايعه وآمن بأنه المهدي المنتظر. والأنصار هم طبقة الخمسين, وهم الطبقة الثانية من أتباعه. ومن ثم طبقة السبعين, وبعدها طبقة الطلبة الحفاظ, وطبقة أهل الدار. أما الطبقات  الأخرى من السابعة إلى الثالثة عشرة, فهي طبقات القبائل, وقد هدف محمد بن تومرت, في تنظيم زعماء القبائل في هذه الطبقات, لكي يضمن ولاءهم, وبالتالي ولاء قبائلهم, كما هدف إلى نقل ولاءهم من القبيلة إلى الطبقة, وبالتالي للنظام الموحدي.[38]

   وهكذا نجد محمد بن تومرت, يصبح سيداً مطاعاً, ومرهوب الجانب, في جماعة كبيرة من المصامدة, تطيعه طاعة عمياء حقاً, وتخاف منه خوفاً شديداً, حتى كان يأمر الرجل من أتباعه بأن يقتل صاحبه, أو أخاه أو أباه, فينفذ الأمر دون تردد, وفي عام 519هـ, قام ابن تومرت, بعملية تصفيه جسديه بشعة, قضى فيها على كل من يشك في ولائهم أو تصديقهم, بأنه المهدي المعصوم. فرتب خدعة استخدم فيها الدجل والشعوذة, واسماها بالتمييز - أي تمييز الصالح من غير الصالح - وكان مصير غير الصالح القتل, وبهذا صفى له أمر الجماعة تماماً, وبدى له الآن, أنه يستطيع أن يقوم بالخطوة الحاسمة, في تحقيق أهدافه السياسية, وهذا ما سنوضحه في الفصل الثاني.[39]  

 

المبحث الثاني - عبدالمؤمن بن علي؛ وبداية الإصلاح:

 

   هو عبدالمؤمن بن علي بن علوي, الكومي, القيسي, المغربي. ولد بأعمال (تلمسان) وكان أبوه يصنع الفخار. قيل: أنه قال - أعني - عبد المؤمن: إنما نحن من قيس بن غيلان بن مضر بن نزار, ولكومية علينا حق الولادة, والمنشأ فيهم, وهم أخوالي. وكان الخطباء إذا دعوا له بعد ابن تومرت, قالوا: قسيمه في النسب الكريم, وكان مولده سنة سبع وثمانين وأربعمائه 487هـ.[40]

   عندما رجع ابن تومرت إلى أفريقية, هو ورفيقه الشيخ عمر الهنتاني, صادف - عبدالمؤمن - فحدثه ووانسه, وقال: إلى أين تسافر؟ قال: أطلب العلم. قال: قد وجدت طلبك. ففقهه, وصحبه, وأحبه, وأفضى إليه بأسراره, لما رأى فيه من سمات النبل. وكان ابن تومرت, يمدحه بهذه الأبيات:

                تكاملت فيك أوصاف خصصت       بها فكلنا بك  مسرور  ومغتبط

                السن  ضاحكه  والكف  مانحه      والنفس واسعة والوجه منبسط

   وكان ابن تومرت, يقول لأصحابه: صاحبكم هذا غلاب الدول. لقد كان ابن تومرت, يعمل على أن يكون عبدالمؤمن؛ صورة حقيقية له, ولذلك أعده الإعداد اللازم: للقيادة, والزعامة, والرياسة, وعلمه, ودربه, وأمر أتباعه بإطاعة عبدالمؤمن, في كل ما يقول, وأن يقتدوا به في كل ما يفعله. وكان لعبدالمؤمن, من الاستعداد الفطري, بحيث يستطيع أن يتقن كل ما يقال له, من تعليم وتدريب, فعرف كيف ينهض وينظم الدولة, ويسير بها خطوات ناجحة, لكي تتبوأ دولة الموحدين, الزاعمة والسياسة في عالم المغرب ولأندلس.[41]

   ويروي لنا البيذق - الذي أرخ لبواكير دولة الموحدين - كيف أن الحظ قد حالف عبدالمؤمن, منذ ولادته, وكتب له المجد, وتلك أسطورة شيقة جديرة بأن تروى, وقد ردد ابن الأثير, صداها في تاريخه, قال: (رأت أم عبدالمؤمن ـ وكانت حاملاً به - كأن النار تخرج منها, فتحرق المشرق والمغرب والقبلة والجوف. فقال لها المعبّر بتلمسان: لابد لهذه المرأة من مولود يكون أمره, يأخذ المشرق والمغرب والقبلة والجوف. وكذلك كانت والدة عبدالمؤمن - واسمها تعلو - تحصد الزرع مع زوجها, وهي حامل, فجاءت للفدان, واضطجعت نائمة, فأقبل بندان من نمل, فنزلا عليها, فلما ولدت أبنها, أتت الفدان, فلقطت السنبل, وتركت عبدالمؤمن نائماً, فنزل أيضاً عليه النمل أكثر مما كان نزل على أمه, وهو في جوفها, ثم قام النمل عنه, وافترق فرقتين, واحدة للمشرق وأخرى للمغرب. فقال والده علي: الله أكبر, هذا هو الذي قال الفقيه بتلمسان. فلما رجعوا من الفدان, قال الأب لزوجته: (وحفظيه, فإنه لابد له من الأمر الذي ذكر الفقيه المفسر).[42]

   شب عبد المؤمن, حتى بلغ مبلغ الرجال, وأرسل منذ صغره إلى المكتب في (تاجرا) ونشأ الغلام على الحفظ والقراءة, وليس من شك في انه ذهب إلى جامع تلمسان ليتلقى العلم, ثم عزم على الذهاب إلى المشرق, مركز الدراسات الإسلامية, عندما تبين له أن التعليم في المغرب لا يشفي غلته. لا شك أنه كان في منظره الخارجي ميسور الحال, نصف متحضر ونصف قروي, وقد جمع التواضع والحياء, اللذين يتسم يهما من كان في مثل سنه, وكان ذا نفس يقظة طلعة, متعطشاً للمعرفة, وهكذا انطلق عبدالمؤمن في الطريق الذي رسمه له القدر.[43]

   وتستمر الخرافة والشعوذة في فكر الموحدين, وهذا ما نلحظه من كتابات البيذق: فما أن رأى ابن تومرت, عبد المؤمن, وقرأ على وجهه علامات الذكاء, ومخايل النبوغ والمعرفة, حتى ميزه عن بقية القوم, وعرف فيه (المختار), يقول البيذق: (فرفع المعصوم رأسه, فوافقه أمامه, فقال: ادخل يا شاب, فدخل. فأراد أن يقعد في جملة الناس, فقال له الإمام المعصوم: أدن يا شاب, فلم يزل يدنوا من الإمام, والمعصوم يقربه حتى دنى منه. فقال له المعصوم: ما أسمك يا فتى؟ فقال: عبدالمؤمن. فقال له المعصوم: وأبوك علي: فقال: نعم! فتعجب الناس من ذلك. فقال له: يا شاب, من أين إقبالك؟ قال له: من نظر تلمسان من ساحل كومية. فقال له المعصوم: من تاجرا أم لا فقال له: نعم! فزاد الناس تعجباً. فقال له المعصوم: أين تريد يا فتى؟ فقال: يا سيدي, نحو المشرق التمس فيه العلم. فقال له المعصوم: العلم الذي تريد اقتباسه بالمشرق وجدته بالمغرب). ثم طلب منه ابن تومرت, أن يبيت عنده, فأجابه عبدالمؤمن.[44]

   ويضيف البيذق أنه: (لما جن الليل, أخذ الإمام المعصوم بيد الخليفة من بعده - عبدالمؤمن - وسارا, فلما كان نصف الليل, ناداني المعصوم, يا أبا بكر, ادفع لي الكتاب الذي في الوعاء الأحمر, فدفعته له, وقال: أسرج لنا سراجاً, فكان يقرءا على الخليفة, وأنا يومئذ ماسك السراج, اسمعه يقول: لا يقوم الأمر الذي فيه حياة الدين إلا بعبدالمؤمن بن علي, سراج الموحدين. فبكى الخليفة عند سماع هذا القول, وقال: يا فقيه, ما كنت في شيء من هذا, إنما أنا رجل أريد ما يطهرني من ذنوبي. فقال له المعصوم: أنما تطهيرك صلاح الدنيا على يديك. ثم دفع له الكتاب, وقال: طوبى لأقوام كنت مقدمهم, وويل لقوم خالفوك أولهم وآخرهم, أكثر من ذكر الله يبارك في عمرك, ويهديك, ويعصمك مما تخاف وتحذر).[45]

   أصبح عبدالمؤمن, الجندي الذي وقع عليه الاختيار, حيث تنبأ له ابن تومرت, بأن صلاح الدنيا سيكون على يديه, وهكذا فإن ابن تومرت, أفضى لتلميذه عبدالمؤمن, بالدور الذي أعده له, ولم يدع له فرصة للراحة.[46]

   وبعد موت ابن تومرت, سنة 526هـ, اختار الموحدون, عبدالمؤمن, لزعامتهم, لما عرفوه من اختصاص ابن تومرت, له, وتقريبه إليه, وإطرائه لصفاته, وتقديمه إياه في الصلاة, وإلى ما لمسوه من فضله, وعلمه, ودينه, وقوة عزيمته, وحسن سياسته, ورجاحة عقله, وشجاعته, ولكن لم يكن له من خلافة الموحدين إلا الاسم, أما الإدارة الفعلية, والإشراف الكامل, فقد كانت للطبقات المختلفة, حسب اختصاص كل منها, ولذلك لم يستطيع عبدالمؤمن, بادئ الأمر, أن يستبد بأمر من الأمور, ولا أن يبت في حكم من الأحكام, إلا بموافقة ذوي الشأن.[47]

    كان الموحدون الأولون يدركون الأمر, ويحرصون عليه, فهم لم يتركوا لعبدالمؤمن, العنان, لأن يستبد بهم, ولا أتاحوا له الفرصة, لأن ينفرد في قرارات الحكم, بل نجدهم يناقشون, وينتقدون أعمال عبدالمؤمن, ويتجرؤون عليه, وقد وصل الحال ببعضهم, أن قتل أخا عبدالمؤمن, لما جاء لزيارة أخيه الخليفة, لأنه جلس في المكان المخصص لطبقة العشرة, ولما غضب عبدالمؤمن, وأراد الاقتصاص من قاتل أخيه, وقف الموحدون في وجهه, ومنعوه من ذلك, وقالوا له: ألم يقل المهدي: بأن الجماعة وصبيانهم, عبيدهم كل من في الدنيا. فصمت الخليفة عند ذلك.[48]

   أسرّها عبدالمؤمن, في نفسه, وشرع في أخذ الخطوات التي آلت للقضاء على نظام الطبقات, الذي وضعه ابن تومرت, ووضع نظاماً جديداً يكرس الولاء لشخصه وأسرته, ومن هذا يتضح, كما يبدو, أن عبدالمؤمن, لا يعتقد اعتقاداً راسخاً في عصمة ابن تومرت, ومهديته, وإلا فكيف يتجرأ على نسف ما وضعه ابن تومرت, بعد أن مهد لذلك, وجعل الزمن جزءاً من هدفه؟ لقد كان الظلم في تعاليم ابن تومرت, واضحاً, فهذا خليفة الموحدين, يقتل أخاه, ويمنع الأخذ بالقصاص من القاتل, بحجة أن القاتل من أهل الجماعة, وكل من في الأرض عبيد له, لا شك أن ذلك الحدث أثر في عبدالمؤمن بن علي.[49]  

   عزم عبدالمؤمن, على تغيير نظام الطبقات, ولذلك قام بحركة واسعة للقضاء على كل العناصر غير الموالية له, وتخلص من كل العناصر, التي لم يكن ولاؤها له مؤكد, ومشاغبتها عليه محتمل وقوعها, وهكذا خافه الموحدون خوفاً عظيماً, وارتعبت النفوس منه, وساعدته الظروف على تحقيق أهدافه الشخصية, وطموحه الذاتي, فمن هذه الظروف: أن طبقة الجماعة قد تناقص عددها تناقصاً كبيراً؛ فقد قتل خمسة أفراد من أعضاء هذه الطبقة, في موقعة البحيرة سنة 524هـ, التي هُزم فيها الموحدون, من قبل القوات المرابطية, وهؤلاء هم: أبو محمد عبد الله بن محسن الونشريسي, وسليمان بن مخلوف الحضرمي, وأبو عمران موسى بن تماري الكدميوي, وأبو يحي بن بيكيت, وأبو عبدالله بن سليمان؛ أما أبو حفص عمر بن علي آصناك, فقد توفي سنة 536هـ, وقتل عبدالله يعلي بن ملوية سنة 527هـ, بعد أن خرج على الخليفة عبدالمؤمن, إذ أنه حقد على الموحدين بيعتهم لعبدالمؤمن, أما أبو الحسن بن واكاك, فقد قتله طلحه - غلام أبي إسحاق, أمير المسلمين المرابطي سنة 541هـ.[50]

   إذن فقد توفي في طبقة الجماعة, المكونة من عشرة أشخاص, ثمانية أفراد, ولم يعد باقياً على قيد الحياة منهم إلا: أبو حفص عمر بن يحي الهنتاني, وعبدالمؤمن بن علي, وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لطبقة الجماعة, فإنه من المؤكد أن الكثيرين من أعضاء طبقتي أهل خمسين, وأهل سبعين, وغيرهما من الطبقات, قد تناقص بسبب الحروب المستمرة, التي خاضها الموحدون. ولذلك أتاحت وفاة الكثيرين من أعضاء طبقات الموحدين, فرصة طيبة لعبدالمؤمن بن علي, لأن يجري تعديلاً في نظام الطبقات. فشرع في تنفيذ المخطط, حيث أصدر أوامره لجميع الموحدين, من المصامدة وغيرهم, بالحضور إلى حضرته في مراكش, فحضروا والرعب يملأ جوانحهم وقلوبهم, خوفاً ورهبة مما يخبئه لهم الخليفة.[51]

   لقد رسم عبدالمؤمن, خطته في أناه وروية, ونفذها على خطوات, على مهل, وفي غير استعجال, حتى إذا ما أستوفى ربط الحلقات وأحكمها, جاءت خطته محققة لما وضعها من أجله, وهي أن يكون له في الدولة كل شيء, ولا يكون للموحدين أي شيء, وهكذا أصبح عبدالمؤمن خليفة الموحدين أسماً وفعلاً.[52]  

   ولما أن أصبحت الحال تلك, وحضر الموحدون إلى حاضرة مراكش, أعلن فيهم تغيير نظامهم الطبقي, وأعلن عليهم النظام الجديد, وحدد فيه مكان كل منهم, وتغيرت الطبقات من أربع عشرة طبقة, إلى ثلاث طبقات, هي:

1- فالطبقة الأولى: هم السابقون الأولون, الذين بايعوا ابن تومرت, وصحبوه, وغزوا معه, وصلوا خلفه؛ والذين شهدوا البحيرة, ونالوا بفضلها, واشتملوا بردة شرفها, وارتقوا إلى ذروة الحظوة بها, وشهد لهم بالفضل الذي لا يوازى, والرتبة التي لا تعادل.

2- ويتلو هذه الطبقة الطبقة الثانية: وهم من آمن بهذا الأمر, ودخل في هذا الحزب, وانضوى إلى هذا الشعب, من بعد البحيرة إلى فتح وهران.

3- والطبقة الثالثة: من فتح وهران إلى هلم جرا.[53]

   ومن النظر إلى التنظيم الجديد لطبقات الموحدين, يتبين أن عبدالمؤمن, ألغى طبقة الجماعة, إلغاء نهائي, وهي الطبقة التي كان لها الحق الأول, في إدارة شؤون الموحدين, ومراقبة الخليفة. هذا بالإضافة إلى أنه ألغى طبقتي أهل خمسين, وأهل سبعين, وهما الطبقتان التاليتان لطبقة الجماعة في النفوذ والسيطرة, وهكذا أزاح عبدالمؤمن, من أمامه الطبقات ذات الشأن في نظام ابن تومرت, بل أن عبدالمؤمن, ألغى الأربع عشرة طبقة, وجمعها كلها في طبقة واحدة, وهي الطبقة الأولى في نظامه. وهو قد ذهب إلى مدى أبعد, إذ جعل في هذه الطبقة كل من رأى ابن تومرت, وبايعه, وصلى خلفه, وأشترك معه في حروبه. ليس هذا فقط, بل وكل من أشترك في غزوة البحيرة سنة 524هـ.[54]

   ومعنى هذا أن عبدالمؤمن, حطم نفوذ الطبقات المتنفذة, ثم أنه ساوى بين أعضاء الطبقات الأخرى, والطبقات الثلاث الأولى, وجعل مكانة الجميع على قدم المساواة, وهذه المساواة بين أفراد الطبقات, أتاحت لأفراد الطبقات الإحدى عشرة الأخيرة في النظام الملغي, كسباً معنوياً كبيرا,ً وفائدة مادية جليلة, وبهذا استطاع عبدالمؤمن, أن يكسب ود, وإخلاص, وتأييد, أفراد هذه الجماعة لإتاحته لهم هذه الفرصة الذهبية, كما أن التنظيم الجديد, أتاح للكثيرين ممن كانوا خارج الطبقات الموحدية, فرصة الانتماء للنظام الموحدي, واكتسابهم شرف الانضواء تحت رايته.[55]  

   أما الطبقة الثانية: فهي تشمل كل الذين دخلوا في حركة الموحدين, منذ موقعة البحيرة سنة 524هـ, وحتى فتح وهران سنة 538هـ, وهذا يعني أن النظام الجديد, أتاح الفرصة للجماعات, والقبائل المختلفة, التي دخلت في طاعة الموحدين, بعد سنة 524هـ, وحتى 538هـ, سواء كانت هذه الطاعة قد جاءت طواعية واختياراً, أو إجباراً وقسراً بحد السيف. وهكذا استطاع عبدالمؤمن, بحركة بارعة, أن يستل الضغينة من نفوس الذين فرضت عليهم طاعة الموحدين, بعد عام البحيرة, وحتى فتح وهران, وذلك بمساواتهم بغيرهم من الموحدين الأولين, وإدراجهم في الطبقة الثانية من النظام الجديد.[56]

   وهذا بطبيعة الحال, أدى إلى انتشار الرضا بينهم, واطمئنانهم إلى مستقبلهم, الذي يبشر به انضواؤهم في النظام الطبقي للموحدين, إلى جانب الكسب المعنوي والسياسي, مما أتاحت لهم فرصة الاستفادة المالية إلى أبعد مدى. وبهذا استطاع عبدالمؤمن, أن يجعل أفراد هذه الطبقة, من المخلصين له, والمؤيدين لسياسته, والدافعين لأعدائه.[57]

   والطبقة الثالثة: تضم من دخل حركة الموحدين, منذ فتح وهران سنة 538هـ, وإلى أي زمن تلا ذلك, فاتحاً الباب لكل من يطيع الموحدين, لأن ينتظم في سلك الطبقة الثالثة. كما عمل على كسب ود رجال قبائل بني هلال العربية, واستخلاص ولائها؛ ليتقوى بهم, ويجعلهم كعصبية له, ضد ثورة المصامدة المحتملة, وبعد أن اطمأن عبدالمؤمن, إلى سلامة الخطوات التي اتخذها, في سبيل أن تكون له السيادة الكاملة في الدولة, وضمن تحطم نفوذ الشخصيات البارزة في مجموعة الموحدين, وتأكد له ولاء أغلب الطبقات في النظام الجديد, وبعد أن ضمن حماية نفسه وأسرته, بمجموع بني هلال وسليم, التي أنزلها في أحواز مراكش؛ أقدم على الخطوة الخطيرة, التي ما فتئ يستعد لها, ويمهد الطريق أمامها, ألا وهي, جعل الحكم في دولة الموحدين في عقبه, وتولية أحد أبنائه ولياً لعهده.[58]

   وفي عام 549هـ, أعلن عبدالمؤمن, للملأ من طبقات الموحدين, والقبائل الداخلة في طاعتهم, من بني هلال وصنهاجه, توليته لأبنه (محمد) ولياً لعهده, وقامت تلك الجماعات في الحال بالموافقة على ذلك الأمر, وبايعت لولي العهد, وهكذا استطاع عبدالمؤمن أن يجعل الحكم وراثياً في عقبه, وبذلك يكون قد انحرف عن تعاليم ابن تومرت, في قضائه على الطبقات    وجعل الحكم وراثياً, وبهذا الفعل ثارت حفيظة الكثيرين من الموحدين, مما دفع بعضهم بالثورة عليه, ومن الطبيعي أن يكون أهل ابن تومرت, أول المعارضين لعبدالمؤمن, ولذلك قامت خيانات في الجيش الموحدي, لكن عبدالمؤمن, استطاع أن يحافظ على وحدة الجيش, ورفع روحه المعنوية, فظهر للموحدين بمظهر الرجل الفذ, القادر على الوقوف في وجه العواصف الهوج. ففي عام 549هـ, حاول أخوه ابن تومرت, عيسى وعبدالعزيز, بالقيام بثورة, في مدينة مراكش, والاستيلاء على مقاليد الحكم, إلا أن المخلصين من أنصار عبدالمؤمن, وأهل مراكش, قضوا على تلك المحاولة الفاشلة, وقتل المتآمرين جميعاً.[59]

   بعدها شعر عبدالمؤمن, بضرورة جلب قبيلته؛ لحمايته من المؤامرات المتكررة, فأنفذ الأموال إلى زعماء قبيلته, وأمرهم أن يأتوه ركباناً, ويركبوا معهم كل من تجاوز سن الحلم, من أبناء القبيلة. وفي سنة 557هـ, وصل رجال قبيلة كومية إلى مراكش, في تعداد تجاوز الأربعين ألفاً, وقد فرح بهم عبدالمؤمن, فرحاً عظيماً, وأنزلهم في مراكش, وأعطاهم الدور, ووزع عليهم البساتين, وجعل منهم حرسه الخاص, الذي يقف بين يديه في جلوسه, ويحيطوا به في تسياره, وبذلك أطمأن على نفسه, وعلى حكم أبنائه من بعده.[60]

   إن الخطوات التي اتخذها عبدالمؤمن, جعلت من الموحدين خدماً لمصلحة فرد, وأطماعه المادية, بعد أن كانوا يخدمون فكره, ويدافعون عن مبدأ, ففقدت نفوسهم تلك الروح المتوثبة, والحماس الشديد, في سبيل تقدم الدولة, ونجاح الدعوة. إن المتتبع لتاريخ عبدالمؤمن بن علي, يلاحظ بوضوح, أن حماسه لدعوة ابن تومرت, تبدد, حيث انشغل بالأمور السياسية والعسكرية, واكتفى بالقيام بزيارة قبر ابن تومرت, بين الفنية والأخرى, كرمز على محبته له, ولدعوته, أما العمل على تأصيلها في نفوس الناس, ونشرها في أماكن جديدة, فلم يقم بشيء من هذا, ويدل على ذلك, أن عبدالمؤمن, لما بسط سلطانه على بلاد المغرب والأندلس, لم تنتشر دعوة ابن تومرت, في تلك الديار, ولم تتأصل محبتها في قلوب سكانها, كما تأصلت عند سكان بلاد المغرب الأقصى, ولم يسر ظل الدعوة الموحدية جنباً إلى جنب, مع الظل السياسي للدولة في عهد عبدالمؤمن, وإن كان قد استمر على نفس البرنامج التعليمي, الذي وضعه ابن تومرت.[61]

   إن تاريخ عبدالمؤمن, يشير إلى أنه, لم يكن جاداً في الالتزام الحرفي لدعوة ابن تومرت, ولعل ما تحمله دعوة ابن تومرت, من شطط, وغلو, في بعض أفكارها, كان السبب الرئيسي الذي جعل عبدالمؤمن, يحجم عن العمل على نشرها, حتى لا يحدث رد فعل مضاد له, مما يعرض دولته للخطر.[62] فما كان منه, إلا أن يطلق حرية الفكر للعلماء.[63]

   اتبع عبدالمؤمن, سياسة الرفق وحرية الرأي, وسمح بتداول الكتب التي سبق حظر كتابتها أو نشرها, وحتى الكتب المعارضة سمح بتداولها, والرد عليها في نفس الوقت, كما اهتم بجمع الضرائب من المدن؛ فجمع المعلومات عن سكان كل مدينة, وثرواتها, وغلاتها, لإمكان تحديد ما يقدر عليها من ضرائب, فالثغور تقدم البحارة والسفن, والصحراوية تقدم الفرسان, والخيل, والحمير, والجمال؛ ويقدم البعض الأخر الجند المشاة, وأنواع الأسلحة, ومن تقع عليه عقوبة لسبب ما, يفرض عليه ضعف ما هو مطلوب عادة.[64]   

   لم يكتف عبدالمؤمن, ببيعة الموحدين لأبنه, بل قام بتعيين أبنائه على أغلب ولايات الدولة, وجعل إلى جانبهم - وزراء من الطلبة؛ ليكونوا مرشدين وناصحين لهم, ومسلك عبدالمؤمن, هذا - في جعل الحكم وراثياً - ساهم في أيجاد تنافس شديد, وتنازع مميت بين أبنائه, فيما بعد, بل سفكت دماء, وحيكت مؤامرات دنيئة بين الإخوة, في سبيل تولي الحكم, وكان من نتيجة ذلك كله ضعف الدولة, وتدهورها السريع, في فترة ليست بالطويلة.[65]

   والتاريخ يذكر لنا, العديد من الحكايات عن عبدالمؤمن, بعضها لا يخلو من الخرافات, أهم هذه الروايات, ما ذكره ابن العماد, في (شذرات الذهب), فقد ذكر عبدالمؤمن بن علي, فقال: (كان ملكاً عادلاً, سايساً عظيم الهيبة, عالي الهمة, كثير المحاسن, متين الديانة, قليل المثل, وكان يقرأ كل يوم سبعاً من القرآن العظيم, ويجتنب لبس الحرير, ويصوم الاثنين والخميس, ويهتم بالجهاد, والنظر في الملك, كأنما خلق له, وكان سفاكاً لدماء من خالفه. سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم, فقالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا. فلم ينكر ذلك عليهم, فكتب بعض الزهاد هذين البيتين, ووضعهما تحت سجادته, وهما:           

                    يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه       ماذا  يضرك  أن  تكون  إلها

                   الفظ  بها  فيما  لفظت  فإنه       لم يبق شيء أن تقول سواها

فلما رآهما, وجم, وعظّم أمرهما, وعلم أن ذلك لكونه لم ينكر على أصحابه قولهم: لا علم لنا إلا ما علمتنا, فكان عبدالمؤمن, يتزيا بزي العامة, ليقف على الحقائق, فوقعت عيناه على شيخ, فتفرس فيه أنه قائل البيتين, فقال له: أصدقني, أنت قائل البيتين؟ قال: أنا هو. قال: لم فعلت ذلك؟ قال: قصدت إصلاح دينك. فدفع إليه دنانير, فلم يقبلها. ومن شعره - عبدالؤمن - وقد كثر الثوار عليها:

           لا تحفلن بما قالوا وما فعلوا       إن كنت تسموا إلى العليا من الرتب

           وجرد السيف فيما أنت طالبه        فما  ترد  صدور  الخيل  بــالكتب.[66]     

 

   كما يذكر لنا التاريخ, اهتمام عبدالمؤمن, بـ (مصحف عثمان), وكان هذا المصحف في الأندلس, حيث نقله الأمويين معهم, وكان عبدالمؤمن بن علي, يشعر بالقلق على مصير الأندلس, نتيجة تجرؤ القوات القشتالية, على الإغارة على قرطبة, وكان يخشى أن يتعرض المصحف الإمام للضياع, وقد دفعه ذلك الحرص إلى أن يقدم على نقله, من موضعه بجامع قرطبة, إلى مراكش, خوفاً عليه من القشتاليين, في حال اقتحامهم قرطبة, ويبدو أنه تخوف في بداية الأمر من أهل الأندلس, أن يثوروا عليه؛ إذا ما أقدم على ذلك؛ لما لهذا المصحف من مكانه كبيرة في نفوسهم, إلا أن هناك كما يبدوا, من أراد أن يدخل البهجة على قلب الخليفة الموحدي, فتحدث إلى أهل قرطبة, فوافقوا على نقل المصحف إلى مراكش, وذلك سنة 552هـ.[67]

    وقد احتفل عبد المؤمن بن علي, في الاعتناء بكسوته, فبعد أن كانت من الجلد القاتم, كساه بصفائح الذهب, المرصعة باللآليء النفيسة, والأحجار الكريمة, وقد تابعه في ذلك أبناؤه وأحفاده, فكانوا يتفننون في تزيينه, بمزيد من الجواهر النادرة, والأحجار الكريمة, أضافه إلى ما كان على دفتيه, حتى استوعبوها بما لا يقدر بثمن, وكانوا دائماً يحضرونه في مجالسهم, في ليالي رمضان, ويباشرون بالقراءة فيه, وقد صفحوا ورقه, بصفيحة من الذهب, مستطيلة تشبه المسطرة... إلى نهاية الحكاية. إذ انقطعت أخبار المصحف بعد ذلك.[68]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني-القضاء على دولة المرابطين:

                              المبحث الأول-التعبئة والحرب الدعائية والنفسية ضد المرابطين؛ لجرهم للحرب.

                               المبحث الثاني: إسقاط دولة المرابطين

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول- التعبئة والحرب الدعائية والنفسية ضد المرابطين؛ لجرهم للحرب:

 

سلك ابن تومرت, لتحقيق هدفه منهجين رئيسيين, هما:

أولاً- المنهج التربوي:

   جعل ابن تومرت, الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أصلاً في دعوته, ولذلك اجتهد في محاربة المنكرات, التي انتشرت بين عوام الناس, بكل ما يملك من قوة, ووجه سهامه نحو الفقهاء التقليديين؛ للتقليل من هيبتهم وإضعافهم, ليتسنى له أن ينشر عقيدته المختلطة, يؤصل ما يريد من الأحكام والأقوال, على النهج الذي يخدم أهدافه, ولذلك نجده عندما استقر في منطقة السوس في عام 515هـ, ينهج وجهتين رئيسيتين هي:

1- التربية العقدية الروحية:

   استغل ابن تومرت, كون أتباعه من البدو والجهلاء, الذين لا يستطيعون أن يفهموا الشريعة, من أصلها المعتمد (القرآن الحكيم), وكتب لهم شيئاً في العقائد, والعبادات, بعضها باللسان البربري, واهتم بالجانب الروحي, واعتمد في تربيته لأصحابه, على التزهيد في متاع الدنيا, والترغيب في الآخرة, والإعداد للجهاد في سبيل الله طلباً للشهادة.

2- التربية الاجتماعية:

شرع ابن تومرت, في بناء المجتمع الجديد, على أسس من التعاون, والتناصر, والتآخي, وجعل أهل جبال أطلس في تينملل - الأنصار, ومن جاءهم من غيرهم - المهاجرين, وقعّد قواعد في هذا المجتمع: للتآخي, والتعاون, وربط المجتمع الجديد, بوشائج القربى بين القبائل المختلفة, عن طريق المؤاخاة بينها, أو بطريق المصاهرة المتبادلة, وخاطب قيادة مجتمعه الجديد, بقوله:(ما في الأرض من يؤمن إيمانكم).[69]

ثانياً: المنهج السياسي:

   حرص ابن تومرت, بعد رجوعه من رحلته الدراسية؛ أن يسلك طريق: النصح, والإرشاد, والوعظ, ولذلك اتصل بالأمراء, وولاة الأمر في المدن والعواصم, يعضهم ويرشدهم, ويبين لهم مواقع الانحراف والفساد, ويحملهم المسؤولية في ذلك, ويحثهم على القيام بالأمر الواجب, من محاربة المنكر, ونشر المعروف, وتوج أمره؛ بنصح أمير المسلمين المرابطين - على بن يوسف, ونبهه إلى انتشار المنكرات, ووعظه وأغلظ له القول, وقال له: (إنما أنا رجل فقير طالب الآخرة, ولست بطالب دنيا, ولا حاجة لي بها, غير أني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر, وأنت أولى من يفعل ذلك, فإنك المسؤول عنه... ), ثم خلع بيعة علي بن يوسف, من عنقه, وأمر أتباعه بخلع بيعتهم لعلي بن يوسف, من أعناقهم, فأعلن الجميع بخلعه.[70]

   انتهج ابن تومرت, سياسة واضحة المعالم, للقضاء على النظام القائم, وبناء نظام جديد, وكانت خطته تسير في سبل ثلاث: حملة نقدية للمرابطين, وإقامة تنظيم سياسي, وتعبئة للأنصار:

أولاً- الحملة النقدية ضد المرابطين:

   شن ابن تومرت, هجوماً نقدياً على حكام المرابطين, محاولاً فسخ ولاء القبائل الموالية للمرابطين, فسخاً نهائياً, وترسيخ ولائهم له, فكان يقول لأتباعه: (فكل من أطاعهم, فهو يعصي لله, وكل من أعانهم, فهو يعينهم على ظلمهم, في سفك دماء المسلمين, وأخذ أموالهم, فكل من أعانهم من القبائل, فادعوهم إلى التوبة والإنابة, وترك معونة - المجسمين, والمرتدين, والمعتدين - فإن قبلوا منكم ورجعوا, وأعانوكم على جهاد الكفرة, فخلوا سبيلهم, وهم إخوانكم في دين الله, وإن عاندوا الحق, وأصروا على معونة أهل الباطل والفساد, فاقتلوهم حيث وجدتموهم).[71]

   كما شن حرباً نفسية, على حكام وأمراء وأتباع المرابطين, في رسالته إليهم: (إلى القوم الذين استزلهم الشيطان, وغضب عليهم الرحمن, الفئة الباغية, والشرذمة الطاغية, لمتونه...), وهكذا شرع ابن تومرت, في توجيه حملة نقدية إلى دولة المرابطين, ووسع نطاقها, واستهدف بها جميع الناس, من أهل المغرب, موالين أو معادين, وحرص على أن يعزل الحكام عن عامة الناس, بفضح سياستهم, وتضخيم أخطائهم, تنفيراً للنفوس منهم, وتمهيداً لنزع ولائهم, ثم لمعاداتهم, وإمعاناً منه في تهجينهم وتشويه صورتهم, اخترع الألقاب المشينة, ورماهم بها.[72]

ثانياً- التنظيم السياسي:

   وضع ابن تومرت, لدولته الجديدة, تشكيلاً سياسياً خاصاً, بحيث يضم وينظم ويرتب جميع أفراد الدولة, حتى يضمن ويعمق ولاءهم للدعوة, وليتمكن من مراقبتهم والإشراف عليهم, ولذلك نظم أتباعه في طبقات متباينة في عددها, مختلفة في واجباتها الملقاة على عاتقها, وقد بلغت طبقات الموحدين - التي صنفوا بموجبها - إلى أربع عشرة طبقة, كانت الطبقات الثلاث الأولى أهم هذه الطبقات, من حيث انتماء أكبر رجال الموحدين إليها, من مشايخ القبائل, وزعماء المصامدة, وكبار الشخصيات, الذين تتوفر لهم الكفاءات العقلية, والقدرات العسكرية, وكانت أهم واجبات هذه الطبقات هي: معالجة أمور الموحدين, وتسيير دفة الحكم. أما الطبقات الأخرى فكانت واجباتها: عسكرية, وعلمية, ودينية, وقد جعل الدكتور/ عبد المجيد البخار, هذه الطبقات في أربعة أجهزة أساسية, وبيّن مهماتها التي أنيطت بعهدتها, وهي:

الجهاز الأول- جهاز سياسي, ويشتمل على المجالس الثلاثة المتقدمة الذكر: مجلس العشرة, ومجلس الخمسين, ومجلس السبعين.

الجهاز الثاني- جهاز علمي ثقافي, ويشتمل على: طبقة الطلبة - وهم الذين بلغوا درجة مرموقة من العلم, وأيضاً طبقة الحفاظ - وهم صغار الطلبة.

الجهاز الثالث-  جهاز عسكري, ويشتمل على: طبقة الجند, وطبقة الرماة والغزاة.

والجهاز الرابع- جهاز شعبي, يضم مجموعة من القبائل وهي: هرغة, وأهل تينملل, وجدميوه وجنفيسة, وهنتانة. قال ابن الخطيب: (لكل صنف من هذه الأصناف رتبة, لا يتعداهم غيرهم, لا في سفر ولا في حضر, لا ينزل كل صنف إلا في موضعه, فانضبط مراده).[73]

   لقد عالجت هذه الأجهزة, المشاكل المطروحة على الجماعة الجديدة, معالجة تقوم على التخصص, ضماناً للمزيد من النجاح, واجتناباً للعفوية والفوضى, وقد كانت المهام الكبرى, المطروحة على هذه الجماعة, مهاماً اربع, هي:

1-    مهمة سياسية: تتعلق برسم المسار السياسي للجماعة الناشئة, وهي التي تكفل بها الجهاز الأول.

2-    ومهمة تربوية: تتعلق بنشر المبادئ العقدية, التي قامت عليها الدعوة, وهي التي تكفل بها الجهاز الثاني.

3-    ومهمة دفاعية: تتعلق بحماية الجماعة, والعمل على نموها وامتدادها, وهي التي تكفل بها الجهاز الثالث.

4-    ويبدو أن الجهاز الرابع: وضع لحصر الأتباع, وإحكام ارتباطهم, وربما قام بمهمة دفاعية أو دعائية, فيقوم بدور ما نسميه, بالمنظمات الشعبية المرتبطة بالدولة.[74]

   وقد لخص ابن الخطيب, هذه الأدوار والمهام المتكاملة, في قوله: (أهل الجماعة للتفاوض والمشورة.. وأهل خمسين, وسبعين, والحفاظ, والطلبة, لحمل العلم, والتلقي, وسائر القبائل لمدافعة العدو).[75]

   لقد كانت الآفاق السياسية, واضحة المعالم في فكر محمد ابن تومرت, ولذلك أسس بديلاً سياسياً - اجتماعياً - تربوياً - ليحل محل النظام السياسي والاجتماعي والتربوي في دولة المرابطين, وقد أظهر ابن تومرت, في منهجه السياسي, ملكه تنظيمية كبرى, وقبض بيد من حديد على أنصاره, فأعطى مجلس العشرة, سلطاناً كبيراً, وحكّمهم في الناس, وجعل مجلس الخمسين, كلهم رؤساء القبائل, وسيطر بواسطتهم على قبائلهم, وجعل الجميع عيوناً له, بعضهم على بعض, يوافونه بكل صغيرة وكبيرة مما يقع حوله, أو ما يصلهم من أنباء, مما جعل ابن تومرت, مطلعاً على أمور مجتمعه الجديد, وأصبح مطاعاً, ومرهوباً, في جماعة كبيرة من الصامدة, تطيعه طاعة عمياء - حقاً, وتخاف منه خوفاً شديداً.[76]

ثالثاً- تعبئة الأنصار:

   كانت مهمة ابن تومرت, صعبة جداً, حيث انه استهدف دولة, عرفت بجهادها في الصحراء الكبرى وفي اسبانيا, وكان لها الفضل - بعد الله تعالى - في توحيد المغرب الأقصى مع الأندلس, واشتهر حكامها بالصلاح, والعدل, والجهاد, وحب الخير لعموم الأمة, ولذلك حرص على تعبئة أنصاره, وإقناعهم أنهم على درب الحق, وأن خصمهم على درب الباطل, واعتمد في تعبئة انصاره على:

1- غرس الثقة في نفوسهم, وبأنهم على الحق:

   ولذلك خاطبهم, بقوله: (ما على وجه الأرض, من يؤمن إيمانكم, وأنتم العصابة...), كما حرص على رد كل ما يقع في نفوس أصحابه من الوهن, من طعون المرابطين الموجهة إلى هذه الدعوة, التي أصبحوا من أنصارها, فكان لا يكل ولا يمل, في تفنيد كل ما وجهه المرابطون, من حملة مضادة لدعوته, وقاد ابن تومرت, حملة دعائية مضادة, ومن ذلك ما خاطب به أصحابه, قائلا: (واعلموا وفقكم الله, أن المجسمين والمكابرين, أشد في الصد عن سبيل الله من إبليس اللعين, فلا تلتفتوا إلى ما يقولونه, فإنه كذب وبهتان وافتراء على الله, وما نسبوكم إليه من الخلاف, فذلك خب وغش للمسلمين, وخيانة لله... فانتبهوا وفقكم الله, لهذه الحيل, التي يحتالون بها على عيشهم ودنياهم, حتى عكسوا الحقائق وقلبوها, وحرفوا الكلم عن مواضعه).[77]

2- الثقة بالإمام:

حرص ابن تومرت, على الظهور بمظهر: الاستقامة, والتدين, والإخلاص. فزهد في متاع الدنيا: من مأكل, وملبس, ومسكن. ثم جعل ثقة أنصاره به, ذات اتجاه عقدي, بحيث تمنع نفوس الأتباع من الضعف والتراجع, أمام أوامره وتوجيهاته, وبذلك استطاع أن يرسخ ثقة أتباعه به, وأن يضمن ولاءهم الدائم, وطاعتهم المطلقة, ولم ينسى أن يحرك نفوس الصامدة, للتطلع إلى إنشاء دولة لهم, فهم معظم سكان المغرب الأقصى, وهم قبائل ضخمة ذات قوة وعدد, تمتد من شمال المغرب الأقصى إلى جنوبه, ولا ينقصها إلا توحيد الصفوف, والقيادة السليمة, وأقنعهم بأنه القيادة المثلى لهذه القبائل.[78]

   وبعد أن نظم ابن تومرت, صفوفه وأحكم تنظيمه, أصدر إنذاره وتهديده إلى المرابطين: (قد أمرناكم بما نأمر به أنفسنا, من تقوى الله العظيم, ولزوم طاعته, وأن الدنيا مخلوقة للفناء, والجنة لمن اتقى, والعذاب لمن عصى, وقد وجبت لنا عليكم حقوق, فإن أديتموها كنتم في عافية, وإلا فأستعين بالله على قتالكم...). وكما بذل ابن تومرت, جهده في إعداد أصحابه إعداداً عقدياً, كان يعد العدة المادية, فكان يجمع المقاتلين, متخيراً الأقوياء الصادقين, وتخلص من كل من شك فيه.[79]

   عندها لاح نذير الخطر لعلي بن يوسف - أمير المرابطين - وأحس أن الحصون التي ابتناها أبوه, لم تحقق الغرض المنشود, وأنها من القلة, بحيث لم تحل دون وثوب الفتنة في صفوف المصامدة. فروى المؤرخون, أنه استعان ببعض الأندلسيين, في إقامة سلسلة أخرى, من هذه القلاع الحصينة, أو بمعنى أدق, إقامة خط دفاع, يوقف هذه القبائل العاصية عند حدها, ويمحق خطرها الوليد, في وقت كانت فيه كل جهود الدولة, منصرفة لمعركة الجهاد في الأندلس, والتي جندت في سبيلها كل مرافق البلاد. يتضح ذلك كله من قول البيذق, الذي أرخ لبواكير حركة الموحدين:(أخذ المجسمون الحصون وبنوها, في مواضع دارت بها الجبال من جميع الجهات, لكي ينتصروا بها على الموحدين). وكانت هذه القلاع تبنى من الحجر, في مناطق وعرة, لا يستطاع التطرق إليها في يسر وسهولة, فتصبح كأنها أبراج مراقبة, وكان المرابطون, يشحنون هذه الحصون بالأقوات؛ حتى تصمد للحصار مدة طويلة, وكانوا يعهدون بالدفاع عنها لأحد قواد لمتونه, تعاونه قوة تتألف في الغالب من مائتي فارس وخمسمائة راجل.[80]               

   أرسل علي بن يوسف, إلى وألي السوس, أبو بكر بن محمد اللمتوني, يأمره بالخروج لإطفاء الفتنة, فخرج أبو بكر, بجيش كبير, تمكن الموحدون من دحره, وذلك في شعبان من عام 516هـ / 1133م, فكان النصر العسكري الأول للموحدين ضد المرابطين. لكن أمير المرابطين علي بن يوسف, أرسل بعد هذه الهزيمة, جيشين آخرين لقتال ابن تومرت, لكنها منيت بالهزيمة أيضاً؛ فكانت نكبة جديدة للمرابطين؛ وعندئذ بدى لأمير المرابطين, أن المسألة ليست فتنة داخلية, بل أن أمر ابن تومرت, أخطر من ذلك, وأن محاربة الموحدين, أضحت بالنسبة لدولة المرابطين, معركة حياة أو موت.[81]

ويعدد لنا أبو بكر الصنهاجي, المعروف بالبيذق, المعارك التي حدثت بين المرابطين والموحدين, فيقول أنها بلغت ثمان غزوات متوالية, الأمر الذي أتاح للموحدين, أن يبسطوا سيطرتهم المطلقة على منطقة السوس. وفي سنة 518هـ, سار, محمد بن تومرت, بقواته نحو منطقة تينملل الصغيرة, التي تقع فوق ربوة عالية, في سفح جبل درن, وهو أحد شعاب جبال الأطلس, المشرفة على مراكش بمسافة لأتزيد عن المائة كيلو متر, واتخذها داراً ومعسكراً, وقاعدة للانطلاق, ومن هناك ,بدأ يرقب تحركات المرابطين عن كثب, حتى سنة 520هـ.[82]

   لم تكن هذه الغزوات, سوى اشتباكات خفيفة, مع بعض القبائل الموالية للمرابطين, وقد انتصر الموحدون في معظمها, وفي سنة 517هـ, نجح الموحدون بقيادة عبدالرحمن بن زجو, في الاستيلاء على قلعة تاسفيموت, وكانت من أعظم قلاع المرابطين, وحملت أبوابها إلى تينملل, وفي سنة 518هـ, أخضع الموحدون, بلاد ماغوسة, وهناية, على وادي نفيس, وفي سنة 521هـ, بعث ابن تومرت, عبدالمؤمن بن علي, إلى جزولة, وهي أول غزوة تقاتل فيها مع تاشفين بن علي بن يوسف.[83]

   وفي عام 520هـ /1126م, قاد جيش الموحدين, أبو محمد البشير الونشريشي, أحد أصحاب ابن تومرت, العشرة والمخلصين له, وهاجم أراضي المرابطين, فانهزمت القوات المرابطية أمامه, ووصل الموحدون إلى أسوار مدينة مراكش, ثم أرتد قائدهم أبو محمد البشير, عائداً إلى الجبل وعندها أمر - علي بن يوسف - بالأخذ بكافة الاحتياطات, من أجل اتقاء حرب المفاجأة, التي درج عليها الموحدون, وإزاء هذا الوضع, أصبحت مراكش عاصمة الدول المرابطية, في خطر مستمر, أمام هجمات الموحدين, وعليه لا بد للمرابطين إذا أرادوا البقاء والاستمرار في الحكم؛ أن يضعوا حداً لمثل هذه الأخطار, فتهيأ المرابطين لدفع الخطر عن مراكش, ومحاولة الانقضاض على الموحدين, بتعبئة عسكرية كبيرة أولاً, ومراسلة ابن تومرت, بالكف عن سفك الدماء, وإثارة الفتنة ثانياً, ولكن هذه الرسالة لم تلق أذناً صاغية لدى محمد بن تومرت, الذي من جانبه جمع أتباعه وأعوانه, وهيأهم إلى معركة حاسمة ضد المرابطين.[84]

   لقد تأهب محمد بن تومرت, للمعركة الفاصلة, وجمع أنصاره وعساكره, ووجه إليهم رسالة يحثهم فيها بإنهاء المرابطين, وجعل قائديه المعتمدين: أبا محمد البشير, وعبدالمؤمن بن علي, في مقدمة جيوشه, وعلى الرغم من الهزيمة التي لحقت بالمرابطين في البداية, إلا أن الموحدين لم يستطيعوا أن يدخلوا مراكش, مما جعلهم يعبئون لمعركة أخرى, زادوا فيها ضغوطهم, وهزموا المرابطين, ثم زحفوا نحو مراكش, ورابطوا أمام أسوارها وأبوابها, واستمروا في حصارها, وبدأت المناوشات بين الطرفين, كان المرابطون يهزمون فيها في كل مرة, ومع ذلك فأن الموحدين لم يستطيعوا أن يصنعوا نهاية للمرابطين, الذين استنفروا سائر أمراء القبائل المغربية الموالية لهم.[85] فساروا إليه بقواتهم.[86]

   كان الموحدون يعسكرون في موضع اسمه البحيرة, يقع في ظاهر مراكش, فخرجت إليهم جيوش المرابطين بقيادة الزبير بن علي بن يوسف, من باب إيلان, ونزل المرابطون قريباً من معسكر الموحدين, فدعاهم عبدالمؤمن, إلى دعوة ابن تومرت, وحاول قائد المرابطين أن يحذر عبدالمؤمن, من عاقبة مفارقة الجماعة, وينهاه عن الفتنة, فزاده ذلك طمعاً في المرابطين, وأشتبك الجيشان في معركة ضارة وذلك سنة 524هـ, انتهت بهزيمة الموحدين, وقتل منهم عدد كبير, من بينهم: أبو عبدالله الوانشريشي, وسليمان أحضري, وأبو عمران موسى الجدميوي, وأبو يحي بن يجيت, وأبو عبدالله محمد بن سليمان, وكلهم من أهل العشرة, ونجا عبدالمؤمن بن علي, في نفر من أصحابه, وقد أصيب بجرح عميق في فخذه الأيمن, فلما وصل الخبر إلى ابن تومرت, قال: (أليس قد نجا عبدالمؤمن, قالوا: نعم. قال: لم يُفقد أحد)[87]

   أحس ابن تومرت, بالمرض بعد أربعة أشهر من وقيعة المرابطين, بالموحدين في البحيرة, فدخل داره بتينملل, ولم يخرج منها إلا إلى قبره, في المسجد الملاصق لداره, حيث دفن به سراً في 29 / رمضان / 524هـ. وأخفي نبأ وفاته ثلاث سنوات,[88]

   كان ابن تومرت, يبشر أصحابه بالغنائم والنصر, قبل نشوب المعارك, فيقول لهم: (انظروا إلى أعدائكم, واعلموا أن كل ما جاؤوا به من خيل وعده, إنما هو هدية من الله تعالى لكم, على غربتكم وفقركم, فأعطاكم وأغناكم), وكان ينزل في المعارك بنفسه, ويبدوا أن ابن تومرت, لم تكن تعروزه الخبرة العسكرية, فقد تمرس بالقتال في الميدان, وتعرض في كثير من الأحيان إلى السقوط في خضم المعركة, كما تعرض إلى جراحات السيوف, وكثيراً ما كان يشير على عسكره بقواعد حربية ناجحة مثل: سلوك المراقي العالية, وحمل العدو على الصعود, دون أن يهبط عسكره إلى الوطاء, والأمر باتخاذ الأبراج العالية للمراقبة.[89]

   لقد كانت لتلك الانتصارات المتوالية, التي حققها الموحدون, أثرها الكبير في ذيوع خرافة المهدي, وظن كثير من الناس بأنه ابن تومرت, وبذلك كثر أتباعه, وعظمت ثقته بنفسه وقوته, والذي يستوقف الباحث, هو كثرة هزائم المرابطين على يد الموحدين, على الرغم من أن قادة جيوش المرابطين, كانوا من أفضل قادة الدولة, وفي الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية, تصد أعتى وأقوى الجيوش القشتالية في اسبانيا, إلا أن هناك كما يبدوا, عدة عوامل, أسهمت في صنع هذه الهزائم, منها:

   الإستراتيجية العسكرية التي اتبعها ابن تومرت, في قتاله مع المرابطين, وقد ساعدته وعورة أرضه, على عدم مواجهة أعداد كبيرة من جيوش المرابطين دفعة واحدة, كما أن الجيوش المهاجمة عادة, تحتاج لوقت للتأقلم على ساحة المعركة الجديدة, بينما كان ابن تومرت, وأتباعه يقاتلون على أرض خبروها وعرفوا مسالكها, وهذا عامل مهم من عوامل نصر الجيوش, والأهم من ذلك, أن أتباع ابن تومرت, كانوا يقاتلون بمعنويات عالية, بعد أن بايعوا ابن تومرت, على أنه المهدي, في الوقت الذي كانت فيه معنويات الجند المرابطي منهارة, فكانوا ينهزمون دون قتال؛ لغلبة التردد عليهم وعدم وضوح الهدف, فالجندي المرابطي كان في حيرة, فهو يقاتل مسلمين من أبناء جلدته, وهو يسمع كل يوم بأن القبائل تتوافد على - ابن تومرت - وإتباعه, بعد ما شاعت الأخبار عما يتمتع به من: علم, وزهد, وتقشف, وأنه المهدي. كل هذه الأمور كانت تجعل من الجندي المرابطي, مضطرب النفس متردداً في إقدامه على قتال ابن تومرت, ولذلك كان يفضل الفرار على الصدام[90].

   وقد ارتكزت إستراتيجية ابن تومرت, على استنزاف قوى الدولة المرابطية, باستخدام أسلوب حرب العصابات, وتجنب الدخول معها في معارك فاصلة, فأخذت جيوش ابن تومرت, تروح وتغدو على محلات المرابطين - القريبة من مقرة, مكبدة إياها خسائر فادحة, وقبل أن يعطي الأوامر لجيوشه بالانقضاض على المرابطين, للاستيلاء على عاصمتهم مراكش, قام بتطهير صفوفه , من بعض الأشخاص, الذين يشك في ولائهم له, فقام بجمع أنصاره, وبشرهم بانتقال مراكش إليهم, واغتنام أموال المرابطين, فسرهم ذلك! ثم ندبهم إلى قتال المرابطين, وتحول موقف الموحدين, من الدفاع إلى الهجوم.[91]

 

 

 

 

 

المبحث الثاني- إسقاط دولة المرابطين:

 

   اختلفت الآراء حول خلافة عبدالمؤمن بن علي, الموحدي, فمن الآراء من ينسب إلى محمد بن تومرت, ترشيح عبدالمؤمن, للخلافة قبيل وفاة ابن تومرت, بقليل مثل رأي ابن القطان. ومنها ما يؤكد أن عبدالمؤمن, بويع بخلافة الموحدين في سنة 524هـ / 1129م. بيعة خاصة, وذلك عقب وفاة ابن تومرت, مباشرة, وان البيعة العامة, لم تتم إلا في عام 527هـ / 1132م, على أننا نأخذ برواية البيذق, التي تؤكد أن ابن تومرت, توفي في الأربعاء أو الخميس الخامس والعشرين من رمضان 524هـ /1129م, فبويع عبدالمؤمن بن علي, في السبت الأقرب من هذا التاريخ, وان هذه البيعة استمرت ثلاثة أيام متوالية, وهي البيعة الصغرى أو الخاصة, أما البيعة العامة, فيذكرانها تمت في عشرين ربيع الأول من سنة 526هـ /1131م. وهناك من المؤرخين من يأخذ بالرأي القائل: بأن ابن تومرت, أوصى بخلافة عبدالمؤمن, قبيل وفاته, ومنهم عبدالواحد  المراكشي. ويرى الأستاذ/ محمد عبد الله عنان, أن عبدالمؤمن, تلقى بيعته قبيل وفاة ابن تومرت. [92]

   ويمثل تولي عبدالمؤمن, أمر الموحدين, مرحلة جديدة من مراحل الصراع بين المرابطين والموحدين, وبداية تحول في تاريخ الموحدين, فقد استطاع عبدالمؤمن, أن يضع الأساس المتين لدولة الموحدين, فقد قضى عاماً ونصف العام, بعد توليه خلافة محمد بن تومرت, ينظم شئون الموحدين, ويحشدهم ويستنفرهم لقتال المرابطين. وقد عبأ سنه 526هـ, جيشاً جراراً, وسار به لمنازلة المرابطين, فأخضع أغلب أقاليم دولة المرابطين لسلطته, وذلك خلال السنوات من 526 -540هـ, حيث جرت معارك محلية بينهما, كان النصر فيها دائماً للموحدين, وفي نهاية عام 540هـ, لم يكن ثمة شك, في انهيار دولة المرابطين وسلطاتهم في المغربين الأوسط والشمالي.[93]

   ويمكن تحديد ثلاث مراحل, تم فيها الإجهاز على دولة المرابطين, هي:

1- الاستيلاء على تلمسان ووهران:

   في سنة 533هـ, أرسل علي بن يوسف, ابنه تاشفين, لقتال الموحدين, فاصطدم معه عبدالمؤمن في معركة بموضع في بلاد حاحة, وفيها انتصر عبدالمؤمن, وعاد تاشفين, إلى مراكش منهزما, وجرح من قوادة الابرقير - وهو قائد اسباني مسلم شهير - وفي سنة 535هـ اشتبك عبدالمؤمن, مرة أخرى مع الابرقير, في أجظرور, فانتصر عبدالمؤمن, في هذه المرة أيضاً. ثم خرج عبدالمؤمن, في جيش كبير, غازياً المغرب الأوسط, فأطاعته - غمارة بشمالي المغرب, وفي أثناء هذه الغزوة, توفي علي بن يوسف, وذلك سنة 537هـ, فخلفه ابنه تاشفين, وحدث خلاف بين - لمتونة ومسوفة - من قبائل المرابطين, فانضمت مسوفة إلى الموحدين، ثم حاصر عبدالمؤمن مدينة سبته, ولكنها استعصت عليه, فاضطر إلى تركها, وواصل زحفه مشرقاً إلى جبال غياثة وبطوية, فافتتحها, ثم مضى إلى بلاد ملوية, وتمكن من افتتاح حصونها, ومن هناك واصل زحفه شرقاً إلى زناته, فأخضعها وأخضع معها قبائل مديونة, ونازل تلمسان بعد ذلك في سنة 539هـ, فقتل الابرقير, ونجح عبدالمؤمن في دخول تلمسان.[94]                 

   تراجع تاشفين بن علي, على أثر ذلك إلى وهران, فحاصره الموحدون بحصنها, وأشعلوا النيران على باب الحصن, فحاول تاشفين, الخروج بفرسه من الحصن, فتردى في بعض حافات الجبل, ومات في 27/ رمضان/ 539هـ, فبعث عبدالمؤمن, برأسه إلى تينملل, ودخل الموحدون وهران, فقتلوا من كان بها من المرابطين.[95]

2- الاستيلاء على فاس:

   تطلع عبد المؤمن, بعد ذلك إلى فتح فاس, فعزم على السير إليها, واستولى في طريقة على -أجرسيف ثم المقر مدة, فلما علم يحي بن أبي بكر بن يوسف ابن تاشفين, المعروف بالصحراوي - قائد فاس - بقدوم الموحدين خرج لمقاتلتهم, فانهزم الصحراوي وانسحب إلى فاس, وفي اليوم التالي, نزل الموحدون بعدوه (سبو) في موضع يعرف باسم عقبة البقر, وهناك قسّم عبدالمؤمن, جيشه إلى قسمين: قسم بقيادة قائده أبي بكر بن الجبر, مع صنعهاجة وهسكورة, وجهه إلى نوح أيجران, وهو موضع من فاس. أما عبدالمؤمن, فقد ارتقى مع بقية العسكر جبل العرض, وأمر عبدالمؤمن, رجاله بقطع الأشجار, فقطعت, ثم حملت إلى الوادي فسد بها, وأمر عبدالمؤمن, بتحويل مجرى النهر إلى ناحية الأسوار, وأطلق المياه في المجرى الجديد, فجرفت المياه باب السلسلة وهدمته, وغمرت أحياء المدينة, فأغرقت عدداً كبيراً من دورها, واضطر الصحراوي, إلى الخروج مع فريق من رعيته لبناء السور المهدم, فأتم بناءه. وفي هذه الأثناء أرسل عبدالمؤمن, فرقة استطلاعية إلى مكناسة, فخرج عليهم بدر بن ولجوط, وقتلهم جميعاً ماعدا ثمانية من الفرسان, فلما علم عبدالمؤمن بن علي, بذلك غضب غضباً شديداً, وزحف إلى مكناسة, أثنا الليل, تاركاً أبا بكر بن الجبر, على حصار فاس, فافتتح عبدالمؤمن جميع أرباض مكناسة, ماعدا تاجرات. [96]   

   ولما طال الحصار على أهل فاس, خرج أبو محمد الجياني - وألي فاس - خفية إلى أبي بكر بن الجبر, واتفق معه على أن يفتح له فاس, وفوجئ الصحراوي, في الصباح برؤية الموحدين على السور, وذلك في 14/ ذي القعدة / 540هـ, فركب الصحراوي, فرسه - هو وبعض عسكره وجماعة من شيوخ لمطه, فنجوا بأنفسهم من باب الفتوح, واحتموا بقلعة آمرجو, فخرج أبو يحي بن الجبر, إليهم, وقبض عليهم وساقهم إلى فاس وقتلهم, ولكن الصحراوي, فر إلى الأندلس, وهكذا استولى الموحدون على مدينة فاس, بعد تسعة أشهر من الحصار, ثم قدم عبدالمؤمن إلى فاس, وأقام بها بعض الوقت, ثم ترك على مدينة فاس أبا عبدالله محمد بن يحي الجدميوي, وأبا محمد الجياني, ومضى بكل جيشه إلى مكناسة [97]  

3 - الاستيلاء على مراكش:

   توجه عبدالمؤمن, بعسكره لحصار مكناسة, ولكن قبيلة صنهاجة أرسلت إليه سنبلة من القمح مع رسالة, أخبروه فيها: أن يبادر بالظفر بزرع دكالة, قبل أن يدخل مراكش, فعهد بمحاصرة مكناسة إلى قائده يحي بن يومر, ومضى عبدالمؤمن, بمعظم عسكره إلى مراكش, عن طريق تادلا, وفي تادلا, أمدته قبيلتا هسكورة وصنهاجة بعسكر ضخم, هبط بهم عبدالمؤمن, إلى وادي أم الربيع, واستولى على آزمور, ثم ضم صنهاجه وآزمور إلى جيشه, وأنضم إليه أهل دكالة, ودخلوا في طاعته لأول مرة, فسار بعد ذلك إلى مراكش, وعبر نهر تنسيفت, حتى وصل إلى تاقابط, ومنها اتجه إلى جبل إيجليز - الذي يشرف على مراكش - وضرب عنده القبة الحمراء وهي (مدينة صغيرة, كانت تقع على مسافة قصيرة, إلى الشمال من مراكش). وذكر صاحب الحلل: أن عبدالمؤمن, نزل بجبل إيجليز, وبنى عليه مدينة استند إليها, وبنى فيها مسجداً وصومعة طويلة, يشرف منها على مراكش, وذلك في محرم سنة 549هـ.[98]

   ثم خرج جيش المرابطين من مراكش, بقيادة اسحق بن علي بن تاشفين - الذي نصبه المرابطون أميراً عليهم, بعد خلع إبراهيم بن علي بن يوسف - وقائدين من قواده هما: محمد بن حواء, ومحمد بن يانكلا, لمقاتلة الموحدين, وذلك في الخامس من المحرم. فهزمهم الموحدون عند أول لقاء, وتراجع المرابطون إلى باب الشريعة, وقتل منهم عدد كبيراً في المعركة وأثناء تسابقهم إلى دخول مراكش. وفي 18/ شوال, تمكن الموحدون من تسلق الأسوار بالسلالم, واقتحموا المدينة, وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها, فامتنع الأمير إسحاق, في جملة من رجاله بالقصبة المعروفة بقصر الحجر, واستمر الموحدون يقاتلون حتى الزوال, وعجز المحاصرون من مدافعة الموحدون, فدخل الموحدون, الحصن, بقيادة أبي الحسن بن وجاج, وقبضوا على الأمراء والقواد, وساقهم ابن وجاج, إلى جبل إيجليز, وبدأ أبو الحسن, بقتل إسحاق, فضرب عنقه, وأصبح عبدالمؤمن, بعد فتح مراكش سيد المغرب كله. [99]

   وبدأ الموحدون عهداً جديداً في مدينة مراكش, إذ اتخذوها حاضرة لهم, فأدخلوا عليها إصلاحات كثيرة, وبنوء فيها مسجدهم الجامع, وأتموا جلب المياه إليهم, وصنعوا أسقيات لها بقرب دار الحجر.[100]

   وهكذا نجح الموحدون في إسقاط دولة المرابطين, بعد سلسلة طويلة من الصراع المرير, استخدم فيها الطرفان مختلف الخطط ضد بعضها البعض, ولكن خطط الموحدين, كانت أحكم من خطط المرابطين, فقد اعتمد الموحدون, أسلوب الحرب الطويلة, مستخدمين أسلوب حرب العصابات, فقضوا على اقتصاديات دولة المرابطين, كما أن هذا الوضع؛ شجع الأسبان على تشديد الضغط على المرابطين, لتحويل المعركة لصالحهم.[101]

   وقد صور صاحب الحلل الموشية ذلك بقوله: (وتأججت نار الفتنة بالمغرب, وبسبب هذه الفتنة اتصلت الحرب, وغلت الأسعار, وتوالت الفتن, وعم الجدب, وقلت المجابي, وكثر على أهل الإسلام المحن بالعدوتين, ووجه كثير من حماه الأندلس إلى العدوة, ونقل إليها كثير من أسلحتها وعددها, فكان ذلك أعظم فساد حل بالأندلس, وألح النصارى بالضرب على جهات بلاد الأندلس؛ حين علموا بعجز الإمارة بالمغرب عن الدفاع, لما فيه من الفتن, حتى تغلبوا على كثير من بلادهم, وكان الإسلام بها عزيزاً, والكفر مقهوراً, والجزية مرتفعة, منذ ملكها يوسف بن تاشفين, إلى زمان خروج المهدي, فساءت الأحوال, وكثرت الشدائد والأهوال).[102]  

   وفي عام 558هـ /1163م, توفي عبدالمؤمن بن علي, وهو في الثالثة والستين من عمره, وقد حكم ثلاثة وثلاثون عاماً, وأخفي خبر وفاته, حتى دخل أبنه يوسف, إلى المغرب, قادماً من اشبيلية. [103]

 

 

 

 

الخلاصة:

1-   يعتبر محمد بن تومرت, المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين, لأنه وضع الخطوط العريضة, التي قامت عليه الدولة.

2-   يعتبر منهج ابن تومرت, خليطاً من علم: الكلام, والمعتزلة, والأشاعرة, والشيعية الأمامية, والخوارج, وغيرهم.

3-   لم يتورع ابن تومرت, في سفك الدماء, وسبي النساء, وتكفير المسلمين, واستخدام الأساليب الملتوية, من الكذب والخدع, من أجل الوصول إلى هدفه.

4-   يعتبر ابن تومرت, هو الناشر الفعلي لعقائد الأشاعرة في الشمال الإفريقي, بقوة السلطان, وتأليفه لكتب في مجال العقائد, بهذا الخصوص.

5-   كان لابن تومرت, عبقرية تنظيمية, ومنهجية تربوية, وأهداف سياسية, سعى بكل الوسائل والأساليب لتحقيقها.

6-   ساعدت سذاجة المجتمع المغربي وجهله؛ على تغلغل معتقدات ابن تومرت, المنحرفة في أوساطة.

7-   تزعم عبدالمؤمن بن علي, قيادة الموحدين بعد موت ابن تومرت, وخاض حروباً ضارية, انتهت بسقوط دولة المرابطين.

8-   ظهرت مواهب سياسية فذة عند عبدالمؤمن بن علي, تمثلت في إبعاده لقبائل المصامدة عن الحكم, وتقريبه لقبائل بني هلال وبني سليم منه, وإسناد أمر حمايته إلى قبيلة كومية, والتدرج في القضاء على تنظيم بن تومرت, في الطبقات, وجعل الحكم وراثياً في أسرته.

9-   لم يلتزم عبدالمؤمن, بالمنهج التومرتي حرفياً, وإنما استفاد منه فيما يحقق أغراضه, وأهدافه السياسية, ولذلك نجده, ينحرف عن تعاليم ابن تومرت, كلما حانت له الفرصة, كما حدث عندما ألغا نظام الطبقات, وهذا العمل يدل على عدم اعتقاده في عصمة ابن تومرت, وإن كانت توجيهاته وأوامره إلى جميع الموحدين, تحض على ضرورة المحافظة على تعاليم ابن تومرت, والعمل على نشرها؛ ويعتبر ذلك تكتيكاً من عبدالمؤمن, لكي يحافظ على مكانته بين الموحدين المخلصين لدعوة ابن تومرت.

10-                       أن الانقسام والخيانة في صفوف دولة المرابطين؛ كانت سبباً رئيسياً من اسباب انهيارها.

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع:

1-   حسن أحمد محمود, قيام دولة المرابطين- صفحة مشرقة من تاريخ المغرب في العصور الوسطى, ط/2, دار الفكر العربي, القاهرة, 1996م.

2-   ابن خلدون, العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر,ج6, تحقيق: تركي فرحان المصطفى, دار إحياء التراث العربي, بيروت, د.ت.

3-   خليل إبراهيم السامرائي, الفصل الرابع لكتاب تاريخ المغرب العربي, مجموعة مؤلفين ,ملزمة تدرس لكلاب البكالوريوس بكلية الآداب بجامعة ذمار.

4-   سحر السيد عبد العزيز سالم, تاريخ بطليموس الإسلامية وغرب الأندلس في العصر الإسلامي, ج2, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 2002م.

5-   سوادي عبد محمد؛ صالح عمار الحاج, دراسات في تاريخ المغرب الإسلامي, المكتب المصري, القاهرة, 2004م.

6-   السيد عبد العزيز سالم ؛ سحر السيد عبد العزيز, نصوص تاريخية في التاريخ الإسلامي باللغة الانجليزية, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, د.ت.

7-   السيد عبد العزيز سالم, تاريخ المغرب في العصر الإسلامي, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, د.ت.

8-   علي محمد الصلابي, دولة الموحدين, مكتبة الإيمان, المنصورة, 2004م.

9-   ليفي بروفنشال, الإسلام في المغرب والأندلس, ترجمه: السيد محمود ومحمد صلاح الدين, مراجعه: لطفي عبد البديع, مؤسسه شباب الجامعة,الإسكندرية,1990م.

10-                       محمود السيد, تاريخ العرب في بلاد الأندلس, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 1999م.

11-                       محمود السيد, تاريخ دولتي المرابطين والموحدين, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 1999م.

 



[1]
- ابن خلدون, العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر,ج6, تحقيق: تركي فرحان المصطفى, دار إحياء التراث العربي, بيروت, د.ت. ص: 226

[2]- نفس المرجع, ص: 226

[3]- خليل إبراهيم السامرائي, الفصل الرابع لكتاب تاريخ المغرب العربي, مجموعة مؤلفين ,ملزمة تدرس لكلاب البكالوريوس بكلية الآداب بجامعة ذمار, ص: 284 

[4]علي محمد الصلابي, دولة الموحدين, مكتبة الإيمان, المنصورة, 2004م. ص: 16

[5]- نفس المرجع, ص: 17

2- نفس المرجع, ص: 17

[7]- ليفي بروفنشال, الإسلام في المغرب والأندلس, ترجمه: السيد محمود ومحمد صلاح الدين, مراجعه: لطفي عبد البديع, مؤسسه شباب الجامعة, الإسكندرية,1990م. ص: 256

[8]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 256

[9]- نفس المرجع, ص: 256

[10]- نفس المرجع, ص: 258

[11]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 258

[12]- نفس المرجع, ص: 258

[13]- نفس المرجع, ص: 258

[14]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 260

[15]- نفس المرجع, ص: 260

[16]- نفس المرجع, ص: 264

[17]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 264

[18]- نفس المرجع, ص: 264

[19]- نفس المرجع, ص: 264

[20]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 18

[21]- نفس المرجع, ص: 18

[22]- نفس المرجع, ص: 20

[23]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 20

[24]- نفس المرجع, ص: 20

[25]- نفس المرجع, ص: 24

[26]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 24

[27]- نفس المرجع, ص: 24

[28]- نفس المرجع, ص: 29

[29]- ابن خلدون, مرجع سابق, ص: 228

[30]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 268

[31]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 46

[32]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 46

[33]-  نفس المرجع, ص: 47

[34]-  نفس المرجع, ص: 47

[35]-  نفس المرجع, ص: 47

[36]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 58

[37]- خليل إبراهيم السامرائي, مرجع سابق, ص: 286

[38]- نفس المرجع, ص: 287

[39]- نفس المرجع, ص: 287

[40]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 103

[41]-  نفس المرجع, ص: 104

[42]- ليفي بروفنشال, مرجع سابق, ص: 275

[43]- نفس المرجع, ص: 276

[44]- السيد عبد العزيز سالم, تاريخ المغرب في العصر الإسلامي, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, د.ت. ص: 688

- [45]السيد عبد العزيز سالم, مرجع سابق, ص: 688

[46]- محمود السيد, تاريخ العرب في بلاد الأندلس, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 1999م. ص: 62

[47]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 105

[48]- نفس المرجع, ص: 106

[49]- نفس المرجع, ص: 106

[50]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 125

[51]- نفس المرجع, ص: 125

[52]- نفس المرجع , ص: 126

[53]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 27 1

[54]- نفس المرجع, ص: 127

[55]- نفس المرجع, ص: 127

[56]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 128

[57]- نفس المرجع, ص: 128

[58]- نفس المرجع, ص: 129

[59]- نفس المرجع, ص: 133

[60]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 133

[61]- نفس المرجع, ص: 138

[62]- نفس المرجع, ص: 138

[63]- محمود السيد, تاريخ دولتي المرابطين والموحدين, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 1999م. ص: 51

[64]- نفس المرجع, ص: 53

[65]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 134

[66]- نفس المرجع, ص: 135

[67]- السيد عبد العزيز سالم ؛ سحر السيد عبد العزيز, نصوص تاريخية في التاريخ الإسلامي باللغة الانجليزية, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, د.ت. ص: 179-185

[68]- نفس المرجع, ص185 - 191

[69]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 77

[70]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 79

[71]- نفس المرجع, ص: 80

[72]- نفس المرجع, ص:80

[73]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 81

[74]- نفس المرجع, ص: 82

[75]- نفس المرجع, ص: 82

[76]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 82

[77]- نفس المرجع, ص: 83

[78]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 84

[79]- نفس المرجع, ص: 85

[80]- حسن أحمد محمود, قيام دولة المرابطين- صفحة مشرقة من تاريخ المغرب في العصور الوسطى, ط/2, دار الفكر العربي, القاهرة, 1996م. ص: 348

[81]- خليل إبراهيم السامرائي, مرجع سابق, ص: 288

[82]- سوادي عبد محمد؛ صالح عمار الحاج, دراسات في تاريخ المغرب الإسلامي, المكتب المصري, القاهرة, 2004م. ص: 163

[83]- السيد عبد العزيز سالم, مرجع سابق, ص: 693

[84]- خليل إبراهيم السامرائي, مرجع سابق, ص: 289

[85]- سوادي عبد محمد؛ صالح عمار الحاج, مرجع سابق, ص: 164

[86]- خليل إبراهيم السامرائي, مرجع سابق, ص:289

[87]- السيد عبدالعزيز سالم, مرجع سابق, ص: 289

[88]- نفس المرجع, ص: 694

[89]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 86

- [90]علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 87

[91]- نفس المرجع, ص: 90                                                                                                                

[92]- سحر السيد عبد العزيز سالم, تاريخ بطليموس الإسلامية وغرب الأندلس في العصر الإسلامي, ج2, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية, 2002م. ص: 189

[93]- سوادي عبد محمد؛ صالح عمار الحاج, مرجع سابق, ص: 165

[94]- السيد عبد العزيز سالم, مرجع سابق, ص: 696

[95]- نفس المرجع, ص :697

[96]- نفس المرجع, ص: 697

[97]- السيد عبد العزيز سالم, مرجع سابق, ص: 698

[98]- نفس المرجع, ص: 699

[99]- السيد عبد العزيز سالم, مرجع سابق, ص: 699

[100]- سوادي عبد محمد؛ صالح عمار الحاج, مرجع سابق, ص: 166

[101]- علي محمد الصلابي, مرجع سابق, ص: 116 

[102]- نفس المرجع, ص: 116

[103]- محمد السيد, تاريخ دولتي المرابطين والموحدين, مرجع سابق, ص: 54

اجمالي القراءات 84054

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الخميس ٠٦ - نوفمبر - ٢٠١٤ ١٢:٠٠ صباحاً
[76546]

استاذ عبد الوهاب النوارى ..مرحبا بك فى موقع أهل القرآن


وهذه بدايات رائعة ، أن تتجول فى التاريخ تقدم لنا بعض النواحى المجهولة والغامضة فيه. 

جزاك الله جل وعلا خيرا.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 84
اجمالي القراءات : 862,547
تعليقات له : 60
تعليقات عليه : 67
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen