الغلاء والجور

الأربعاء 25 نوفمبر 2009


نص السؤال:
كان يعيش في بلده على "الكفاف" يكسب قليلا بعد عمل شاق ، وما يكسبه يكاد يكفيه ، ثم لاحت له فرصة للسفر ليعمل ويكد نظير أجر بالآلاف وارتفعت به آماله إلى السحاب وسافر، وبعد أن قبض مرتبه بالآلاف أدرك أنه لم يفارق الكفاف ، فالذي كان يشتريه في بلده بما يساوي جنيهاً أصبح يشتريه بما يساوي مائة جنيه ،والأجر الذي بالآلاف لا يكاد يكفي مطالبه الأساسية،لأن الأسعار مرتفعة ارتفاعاًَ شديداً وعرف أخيراً أنه ليس مهماً " كم" يأخذ أجراً، وإنما المهم "كيف" يعيش بهذا الأجر.. المشكلة ليست في الأجر، وإنما في القيمة الفعلية والشرائية لهذا الأجر أي المشكلة هنا مشكلة "أسعار". كيف يمكن الربط بين العدل والأسعار ، وكيف ينتهى ذلك الارتباط بين الجور و انخفاض قيمة الأجور ؟
آحمد صبحي منصور :
شكرا على اسلوبك الأدبى الرائع .
وعذرا لو كانت الاجابة فى نطاق التمنى ، فهذا كل ما نملكه .
في تاريخنا السالف .. في الأزمات والشدائد حين يشاع انخفاض النيل مثلاً كان التجار يسارعون بإخفاء الغلال والحبوب فيخلقون غلاء مصطنعاً يتضاعف حين يسارع كل مستهلك بتخزين ما يستطيع من الضروريات : عندها كان الحكام الراشدون يضربون على يد التجار ، ويغرقون الأسواق بالمخزون لديهم من الغلال في "الاهراء السلطانية" أو المخازن الحكومية..وبعدها يهبط السعر وتزول تلك الأسعار الخيالية الوهمية , ولو تركوا الأمر لجشع التجار لأجاعوا الفقراء ليملأوا خزائنهم بالسحت من الأموال .
وهنا تبدوا العلاقة بين السعر والقسط..فالسعر للسلعة إذا ارتبط بالقسط أي بالعدل . وحقق هامش ربح معقول للمنتج والتاجر الوسيط فقد أخذ كلاهما حقه نظير عمله بالعدل والقسط .. فإذا حدث خلل أو فساد في السوق بالاحتكار أو باستغلال النفوذ تحول التاجر الوسيط إلى حوت مفترس , يأخذ السلعة من المنتج بأرخص الأسعار واحتكر الشراء واحتكر البيع ، واعتصر دماء المنتجين والمستهلكين لتتضخم أمواله, وحين يكون ذلك التاجر المستغل مجموعة من الحيتان تساندها مجموعة أخرى من الأعوان فإن الفجوة تكون هائلة بين من يملكون كل شيء , ومن لا يملكون أي شي ، وتضيع العدالة وينفجر المجتمع من الداخل لأن الجوع كما يقولون كافر ..
ولذلك فإن الحكام الراشدين في تاريخنا السالف كانت عيونهم على الفقراء في الأزمات والشدائد ، ليس لمجرد الشفقة والإحساس والتمسك بأهداف الدين الحنيف ولكن أيضاً خوف الفتن إذا ازدادت الأسعار والضرائب ، والضرائب لم يكن يدفعها التجار في الحقيقة لأنهم في النهاية يحملونها فوق كاهل المستهلك عن طريق الغلاء ورفع الأسعار ، وذلك ما كان العوام يدركونه بفطرتهم،وبسبب ذلك كانت ثورتهم إذا تغيرت العملة للأسوأ أو زادت الضرائب .
لقد كان من وظائف المحتسب ( الصالح ) في تلك الأيام الخوالي ضبط الأسعار ومراقبة الموازين والكشف عن صلاحية السلع ومدى جودتها،وكان يقوم بالضبطية القضائية ومحاكمة المتهمين ومعاقبتهم في نفس الوقت ، أي كان يقوم بالسلطات الثلاث معاً ، وذلك حتى يردع التجار ويضبط حال الأسواق .وكان ذلك هو اجتهادهم في السيطرة على الأسعار حرصاً على أحوال الفقراء والعوام .
وكانوا بذلك يحاولون ــ وفق معايير عصرهم ــ تطبيق التشريع القرآني الذي يأمر بالقسط في التعامل وفي الميزان وفي البيع والشراء ، وكان يحتكم إلى العرف والمعروف في تطبيق ذلك القسط على أرض الواقع فالضمير الإنساني والشعور الجمعي " يتعارف " على أن ذلك قسط وعدل وذاك ظلم وغبن ومن المقاصد التشريعية في القرآن والتي تنتهي إليها الأحكام آيتان تأمر أحداهما بالقسط " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " الحديد 25 وتأمر الأخرى بالتمسك بالمعروف أو العرف " خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين :الأعراف199" فالقسط مبدأ نظري ولكن تطبيقه واقعاً يستلزم أمراً بالمعروف أو المتعارف عليه أنه عدل وقسط وإحسان،ويستلزم نهياً عن المنكر،وإذا ظل القسط مجرد شعار بعيد عن التطبيق ساد الظلم وانفجرت الثورات التي تأكل الجميع والأخضر واليابس وذلك ما حذر منه رب العزة جل وعلا حين قال " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، واعلموا أن الله شديد العقاب :الأنفال 25"
صدق الله العظيم
فى عصرنا الرائع اصبح التجار مصاصو الدماء هم المشاركون فى الحكم ، وأصبح الحاكم مشاركا لهم فى الثروة يساعدهم على السرقة و النهب ، وفى هذا التعاون على الإثم والعدوان لا بد أن ترتفع الأسعار وتهبط قيمة الجنيه و الدينار ، ويزداد الفقير فقرا و الثرى ثروة ، وطالما يظل الناس يتحملون ولا يثورون فالأسعار فى إزدياد والأحوال تهبط الى المزيد من البلاء، وهكذا الى أن يصل الجور الى وقوع المحظور ..ثورة الجياع بالحديد والنار ، وفى تأججها لن يكون هناك سؤال عن ارتفاع الأسعار فسينعدم وجود السلع بالليل و بالنهار ..




مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 7662
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   AMAL ( HOPE )     في   الخميس 26 نوفمبر 2009
[43796]

موضوع جميل , ذكرني باشياء

حالتان سمعتهما وعشتهما اثناء الحصار الظالم الذي كان مفروضا على الشعب العراقي المظلوم الضحية دائما , الرب يكون في عونه ..


1- للذي لا يعرف كانت الامم المتحدة كل ستة أشهر تراجع حالة العراق ومدى تطبيقه لقرارات الامم المتحدة لرفع الحصار . وكنا نحسب الايام وتنتظرماذا بعد هذه الستة الاشهر . وما سمعته يوما ان احد التجار نذر ان يذبح ذبيحة لوجه الله لو استمر الحصار !!!! جشع ما بعده جشع لم يفكر الا بتجارته الحقيرة وارباحه الغيرشريفة التي تهطل عليه بسبب الحصار وعوز الناس .


2- وحالة أخرى حدثت معي يوما ايام الحصار . فبينما أنا راجعة من العمل مررت بالسوق لاشتري باقة كرفس . سلمت عليها , انسانة بسيطة جالسة على الارض ملتفة بعباءتها وامامها باقات الخضرة من الكرفس والكراد والرشاد والريحان . فقلت لها , من فضلك باقة كرفس . قالت لي الباقة بخمسة وعشرين دينارا. نظرت اليها بدهشة ونصف ابتسامة , البارحة كانت باقتان بخمسة وعشرين واليوم الباقة بخمسة وعشرين . أجابتني ألم تسمعي أن الدولار ارتفع سعره . أجبتها لا لم اسمع . كملت لها ابتسامتي ودفعت لها ما طلبت ومشيت وابتدات أضحك مع نفسي , حتى هذه االانسانة البسيطة تعلمت ما هو الدولار واليوم ارتفع سعره .


لا الومها لان الاخرين أكيد الاتقف منها بسعر السوق واصحاب التجارة الاكبر قد رفعوا الاسعار قبلها .


 


 


2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء 15 اغسطس 2012
[68352]

العدالة الكاملة في السماء

السلام عليكم ، كما يقولون العدل الكامل في السماء ، ولكن العدل البشري بعد استقصاء  وبحث مع  خلوص النية لله ، وللقاضي كما يقولون أدلة ثبوتية ،  يحكم بها ، وهناك مسافة لسوء الظن أو حسن الظن يتحرك فيها  .، لكنها قليلة ،  ومشكلة الأسعار نعاني منها جميعا  ، وخاصة في المواسم والأعياد ، فقبل العيد ترى كل الأسعار مرتفعة وعندما تسأل يقولون لك :  " عيد  ... كل سنة وأنت طيب " وكأنهم ياخذون منك ضريبة للعيد  ، وكذا في كل المناسبات ..


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4125
اجمالي القراءات : 36,734,571
تعليقات له : 4,461
تعليقات عليه : 13,159
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي


abandoning the Sunna: - When did you first encounter the idea of abandoning the Sunna?...

حبُّ الله جل وعلا: انا كتبت مرة علي صفحتي الشخصية ان الله يحب الانسان حتي العاصي والملحد والشاذ والدليل...

تخفيف اللهجة: عزيزي الفاضل دكتور الخير والمحبة الدكتور احمد حفظه الله وحماه ارس ل لك خطابي هذا لما...

الجيلاتين: يحتوى الجيلاتين على نسبة من لحم الخنزير ، فهل حرام أكله ؟...

الصوم فى النرويج: يصوم المسلمون في بريطانيا وأوروبا هذا العام أطول رمضان من حيث عدد ساعات الصيام منذ 33...

العشرة ( بكسر العين): عندنا فى مصر مثل يقول ( العشرة ما تهون إلا على ابن الحرام ) . هل هذا متفق مع الاسلام ؟ لأننى...

القاتل يرث: ماذا تقول فى قول الله عز وجل: (يُوْصِيْك ُمُ اللهُ فِيْ أَوْلاَدِك ُمْ ...

سرقة فى عصر النت: مارأيكم في تحّميل ملفات من النت تحتوي على كتب أو مقالات تلزمني في دراستي قد تكون غير متوفرة...

السمك واللبن: انا متفق معك فى بطلان الأحاديث ، ولكن هناك حديث يقول ( لا تأكل السمك وتشرب اللبن ) ، وكلامه...

العالم سبيط النيلى : لطالما اذهلتني بحوث نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي الى ان وجدت ضالتي في موقعكم موقع...

الحل بسيط جدا: موضوعي مباشرة هو/ لي صديق يجد صعوبة في تقبل الإسلام بعد أن وضع مسافة منه كونه سنيا وليس...

الدروس الخصوصية : أنا مدرس أعطى دروسا خصوصية ، فالمرتب بدونها لا يكفى . فهل هذا حرام ؟ ...

العمل فى البنوك: قلت فى مقال ( معركة الربا ) أن الفائدة المركبة هى الحرام فهل معنى هذا أن البنوك التى تعمل...

هذا يفسد الصلاة: سلام الله عليك يادكتورأحم د.. احب اعرف طالماانه يجوز الدعاء للنفس والغير بالصلاة هل...

العدة بالحمل: مات زوجها وهى حامل فى تسعة أشهر ووضعت الحمل بعد موته بيوم هل تعتد اربعة أشهر وعشرا ام تنتهى...

more