الفطرة والابتلاء

الجمعة 06 ديسمبر 2013


نص السؤال:
ما معنى الابتلاء بالخير والشر ؟ ولماذا خلقنا الله ؟ هل ليعذبنا بالمصائب ثم يقول هذه فتنة ؟
آحمد صبحي منصور :

خلق الله جل وعلا الانسان ليختبره (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)) ( الانسان )، ولذلك منّ عليه بالفطرة وخلق فيه الموت نهاية لفترة إختباره فى الأرض : (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك). وخلال حياته يُدخله رب العزة فى إبتلاءات وإختبارات من الخير والشّرّ ، أو ما يحسبه خيرا وشرا : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء ) . كل هذا قبل أن يموت . ولكن الانسان قبل وجوده فى هذه الحياة خلق الله جل وعلا نفسه وفيها الفطرة النقية . ثم يولد الإنسان على الفطرة التى فطره الله عليها  وهى الإيمان بالله وحده وذلك هو الدين الإسلامي الحنيف القيم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30)الروم  . ولكن العوامل الاجتماعية تغطى هذه الفطرة النقية بالاعتقاد فى آلهة أخرى مع الله قد يسميهم أولياء وقد يكونون بشرا أو حجرا وهنا تتحول الفطرة إلى شرك وتتحول الألوهية فى عقيدة الإنسان إلى شركة يقدس فيها الإنسان آلهة أخرى مع الله، وهذا الشرك الذي يغطى الفطرة النقية هو "الكفر" لأن " كفر" فى معناها اللغوي هى (غطى ).ويظل الإنسان سائرا فى غفلته واتخاذه الأولياء  والشركاء مع الله تعالى يطلب منهم المدد كما يطلب من الله ويستغيث بهم كما يستغيث بالله فإذا دخل فى أزمة حقيقية تهدد جسمه بالفناء تذكر فى لحظة الكرب فطرته القديمة ،عندها يصرخ طالبا العون من الله ومخلصا لله تعالى دينه وعقيدته فإذا أنجاه الله من المحنة عاد إلى الأضرحة والأوثان والأولياء والشركاء يحتفل بهم ويطلب منهم المدد .والقرآن الكريم يصور إخلاص الإنسان فى الدعاء لربه حين الأزمة ثم وقوعه فى الشرك بعدها يقول تعالى " وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) الزمر  )   وفرعون وصل به كفره إلى ادعاء الألوهية والربوبية العليا وتنكر لفطرته واستخدم كل ما أنعم الله به عليه فى حرب الله ورسوله إلى أن لقي حتفه وهوي يطارد أثنين من أنبياء الله .. وحين أدركه الغرق استيقظت داخله الفطرة التى تنكر لها فهتف وهو يصارع الموج يعلن إسلامه ولكن هيهات لأن الأجل حان ولأنه استنفذ كل فرص الهداية .يقول تعالى : "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)يونس  )  .

وفى أى موقف عصيب فى حياتك حين تصرخ من الكرب تصحو فى داخلك الفطرة النقية فتستغيث بربك باكيا عازما على التوبة . فإذا حافظت على التوبة وبدأت صفحة جديدة من حياتك ترجو الآخرة وتعبد الله جل وعلا مخلصا له الدين عندها يكون إبتلاؤك وإمتحانك هذا خيرا لك . وقد يكون ابتلاؤك بما تحسبه خيرا شرا لك عندما تستخدم نعمة الله فى العصيان ، أى تكفر بالنعمة ، تستخدم ثروتك أو قوتك الجسدية أو جاهك ونفوذك فى العصيان . بكفران النعمة هذا تكفر بالله جل وعلا : (  أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)) ابراهيم )، وفى النهاية تفقد النعمة وأنت حىّ جزئيا ، وتفقدها بالموت نهائيا ، ويتعين عليك أن تقاسى الخلود فى الجحيم . وهكذا فإن الفطرة النقية داخلنا تكون حُجّة علينا . ينساها أغلبنا عندما يبتليه الله جل وعلا بالنعمة و يتذكرها عندما يبتليه الله بالمحنة . والمؤمن هو الذى ينجح فى ‘ختبار المنحة والمحنة ، النعمة والنقمة . ولكى ينجح لا بد أن يكون متقيا ذاكرا لله جل وعلا. 



مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 5332
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2867
اجمالي القراءات : 22,828,521
تعليقات له : 3,662
تعليقات عليه : 11,329
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي


ليس حراما : ماحكم كتابةالآيا ت على جدران المساجد والبيوت؟...

الحجاب فى الصلاة: أذا كان الحجاب ليس جزْءا من زى المرأه المسلمه فهل تجوز صلاه المسلمه بدون حجاب ؟ ...

القصص القرآني : لماذا برأيك تم تضمين هذا الجانب التاريخي في كتاب الله ؟...

لا تسامح هنا : تحاورت مع بعض البخاريين فقالوا لي ان المسلم يجب ان يكون مسامحا و لا يهجر المسلم أخاه فوق...

التوراة والانجيل: • دکتر احمد صبحي منصور سلام عليکم انا ليس من اهل القرآن ولکن انا اسئل منکم : ما هو موقفکم في...

مُتعة المتوفاة: ابنتى مُطلقة ، ولها مُتعة طلاق مدة عام. ماتت فجأة . ولا تزال لها ثلاثة اشهر أقساط تقبض فيها...

لا يبطل الصلاة: هل بلع بعض بقايا الطعام ان بقى عالق بالفم اثناء الصلاة يفسدها.. جزاكم الله خيرا.. ...

أنا الذى أرجوك: بعض اعداء اسلام الحنيف يتوهم ويقول الان هناك قتل المرتد .وهو ليس موجود في اسلام .ولكن...

قناة فضائية لنا : أتابع بشغف حلقات برنامجكم ( فضح السلفية ) وأشعر بالحسرة بسبب عدم وصوله للملايين ، لماذا لا...

لا تركة للحىّ: هل يحق للمسلم ان يوزع تركته على مستحقيها قبل وفاته و يرتاح من مشاكل الوصية و التركة علما ان...

ميراث الجد و الجدة : هل الجد والجدة من الأم يورثان من حفدة البنت؟ وفي أي الحالات يمكن ذلك؟...

الاعتكاف: ياتي ذكر الاعتكاف قرات لك عن الاعتكاف قبل الرسول ولكن ما معناه الان وما يحرم في فترة...

المصيف مباح: هل الذهاب للمصيف حرام ...

القرآن والقواميس: السلام عليكم الى استاذي العزيز احمد صبحي لاحظت في جل مقالاتك انك لا تستعمل كتب اللغة...

لا اله الا الله فقط : لماذا تقول (لا اله الا الله ) فقط ، ولا تلحقها بمحمد رسول الله ؟ أود معرفة حقيقة أمر...

more