الهجرة 3

محمود علي مراد في الثلاثاء 12 ابريل 2011


النص

مسلمو مكة

وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق بمكة منهم أحد، إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل دور مسُمَّون: بنو مظعون من بني جُمح، وبنو جحش بن رئاب، حلفاء بني أمية، وبنو البكير، حلفاء بني عدي بن كعب، فإن دورهم غُلِّقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن.

التحليل

مَن الذي وصل إلى المدينة أولاً: الرسول، أم صحابته؟ إن معطísh;يات "السيرة"، فيما يتعلق بهذه المسألة الهامة، غير متوافقة؛ بل هي متعارضة. إن النص يقول في البداية: "فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه، ومَن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها"، ويضيف أن هؤلاء "خرجوا أرسالاً" وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقام بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة".(17) ويتحدث النص بعد ذلك عن هجرة مسلمي مكة ويذكر أسماءهم وأسماء "الأنصار" الذين نـزلوا في دورهم.(18)وهو يتحدث أخيراً عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مشدداً على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقام بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذَن له في الهجرة"، وعلى أنه "لم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا مَن حُبس أو فُتن، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما".(19)  

ثم هانحن نقرأ، بعد الخبر المتعلق بإقامة الرسول صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب، الجملة الآتية: "وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق بمكة منهم أحد، إلا مفتون أو محبوس" (20)، ومؤداها الواضح هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة قبل أصحابه!

النص

المؤاخاة

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: هذا أخي. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطير (أي مثل) ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخوين، .. وجعفر بن أبي طالب، ذو الجناحين، الطيار في الجنة، ومعاذ بن جبل، أخو بني سلمة، أخوين. وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر، وعمر، وعثمان وأحد عشر من أصحابه المكيين وبين أربعة عشر من الأنصار، كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، عويمر بن ثعلبة، أخي بلحارث بن الخزرج وبين بلال وأبي رويحة الخثعمي.(21)

التحليل

ما يقوله النص عن المؤاخاة يثير بدوره تحفظات. فقد جاء في الذكر الحكيم:

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿103﴾[آل عمران].

وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"﴿9﴾وَالَّذِينَ جَاءوُا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿10﴾[الحشر].

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿10﴾[الحجرات].

هذه الأخوة العامة بين المؤمنين، أياً كان انتماؤهم القبلي أو الإقليمي، كانت رباطاً وثيقاً يستشعره المسلمون ولا شك بعضهم حيال البعض، ولا يحول ذلك بطبيعة الحال دون قيام وشائج خاصة بين الأفراد. ولهذا فمن الصعب تصديق أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنشأ أُخوَّات خاصة داخل الأُخوَّة الإسلامية العامة. ويزيد من غرابة هذه الظاهرة عندنا:

1- أن هذا النص لا يحدد طبيعة المؤاخاة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الحقوق والالتزامات المترتبة عليها. والمثل الوحيد الذي يضربه النص عن آثارها، هو ذلك الذي يتعلق ببلال، ويقول ابن إسحاق في صدده: فلما دوَّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهداً، قال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة ولا أفارقه أبداً، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينه وبيني، فضم إليه، وضم ديوان الحبشة إلى خثعم، لمكان بلال منهم، فهو في خثعم إلى اليوم بالشام". وهو مثل غير واضح الدلالة.(22)

2- المؤاخاة لم تتم بين جميع المهاجرين وعدد مماثل من "الأنصار"، وإنما تمت بين أربعة عشر نفراً فقط من الفريقين.

3- في حالتين تمت المؤاخاة بين أعضاء عشيرة قريشية واحدة: هما حالة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اتخذ ابن عمه علياً أخاً له، وحالة حمزة الذي آخى زيد بن حارثة، ابن الرسول بالتبني.

4- لم يفكر الرسول صلى الله عليه وسلم في إنشاء المؤاخاة في هاتين الحالتين إلا في المدينة، بعد ثلاثة عشر عاماً من إسلام عليّ وعشرة أعوام من إسلام حمزة.

5- في حالة من الحالات، أنشئت المؤاخاة بين مسلم مدني ومهاجر غائب، هو جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول، الذي كان بين مهاجري الحبشة.

6- المؤاخاة لم تحدث، كما كان المرء يتصور، بين المهاجرين والأنصار الذين قبلوهم في دورهم كأفراد في أسرهم، فإن أربعة فقط من هؤلاء المهاجرين هم، على وجه التحديد: أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وأبو حذيفة، تمت المؤاخاة بينهم وبين مضيفيهم.

7- في حالة أخرى، حدثت المؤاخاة بين اثنين من أهل المدينة هما سلمان الفارسي وواحد من الخزرج.  

وفي رأينا أن هذه المؤاخاة الخاصة شيءٌ ابتدعه المؤلف ليقرر أن أفراد أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي علي وحمزة وزيد بن حارثة، كانوا يشكلون كياناً قائماً بذاته، مستقلاً عن الجماعة المشكلة من باقي المسلمين. وهذا الفصل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، من جهة، وبين سائر المسلمين، من جهة أخرى، فصل أريد به خدمة مصالح الخليفة العباسي. وفي سيرة ابن إسحاق مثلان سابقان عليه: ( أ ) خلال الفترة المكية الأولى، حيث يقدم النص الرسول صلى الله عليه وسلم وعلياً، من جهة، والمسلمين من جهة أخرى، وهم يخرجون للصلاة كمجموعتين منفصلتين(23)؛ (ب) في بيعة الحرب التي حضرها، من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم، عمه العباس، مع استبعاد كل أصحابه ممن لا ينتمون إلى قبيلته.(24)

النص

أبو أمامة

وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة، أسعدُ بن زُراره، والمسجد يبنى، أخذته الذبحة أو الشهقة. ويقول ابن إسحاق نقلاً عن مصادره إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافقي العرب يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً.

ولما مات أبو أمامة أسعد بن زراره، اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو أمامة نقيبهم، فقالوا له: يا رسول الله، إن هذا كان منا حيث قد علمتَ، فاجعل منا رجلاً مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: أنتم أخوالي، وأنا بما فيكم، وأنا نقيبكم؛ وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصَّ بها بعضهم دون بعض، فكان من فضل بني النجار الذي يَعُدّون على قومهم، أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم.(25)

التحليل

هذه القصة تستدعي التعليقات التالية:

 أ ) الملحوظة التي يفهم من القصة أن اليهود والمنافقين أبدوها وكذلك تعليق الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنها من الغرابة بمكان، فإن أحداً من المنافقين أو اليهود، حتى أكثرهم جهلاً، ما كان يمكن أن يتصور، لحظة واحدة، أن محمداً كان يدعي لنفسه القدرة على ضمان الخلود في هذه الدنيا لأصحابه أو لنفسه. ولم يوجِّه أحد من خصوم الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ضده مثل هذه الحجة عند موت بعض أصحابه مثل أم عمار بن ياسر وعدد من مسلمي الحبشة الذين ذكر النص أسماءهم.  

ب) من الغريب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان حريصاً على تفادي كل محاباة حيال مختلف العشائر المدنية، مما جعله يترك لناقته مهمة اختيار البيت الذي يستضيفه، في انتظار بناء مسجده ومساكنه، قد عرض أن يكون نقيب بني النجار مكان أبي أمامة. ويلاحظ في هذا الخصوص أن قبيلة عدي بن النجار كانت من القبائل التي رفض الرسول صلى الله عليه وسلم عرضها باستضافته لدى وصوله إلى المدينة، على الرغم من أن رجالها ذكَّروه بصلة القربى التي تربطهم به من فرع الأم.(26)

ﺟ ) ومما لا يقل عن ذلك غرابةً أن يستند الرسول صلى الله عليه وسلم، تبريراً لهذا الشرف الذي خصّ به بني النجار، إلى كونهم أخواله بحكم صلة القربى البعيدة التي تربطه بقبيلة امرأة جده، هذا في الوقت الذي دأب القرآن الكريم فيه منذ بداية الإسلام على تحرير المسلمين من المبادئ التي تقوي مشاعر الانتماء القبلي، والتشديد على أهمية الرباط الذي يربط العبد بخالقه وأهمية الأخوّة في الإيمان. 

 د ) مما لا جدال فيه أن خؤولة بني النجار للرسول صلى الله عليه وسلم كانت في حد ذاتها شرفاً لهم، وإذا كانوا قد اتجهوا إلى الرسول فإنما فعلوا ذلك، وفقاً للنص، لمجرد أن يختار من بينهم نقيباً يخلف أبا أمامة. ومن هنا فمن غير المفهوم أن يتطوع الرسول صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه بمنحهم شرفاً إضافياً بجعل نفسه نقيباً لهم وتقرير أفضلية لهم بين مسلمي المدينة.

ﻫ ) كان الرسول صلى الله عليه وسلم، كما سنرى، مبهظاً بالمسئوليات الملقاة على كاهله حيال جماعة المسلمين برمتها في المدينة، ولم يكن قطعاً بحاجة إلى إضافة مسئوليات جديدة ذات طابع قبلي إلى مسئولياته الأخرى. 

و ) من العجيب أن بني النجار كانوا، طوال الفترة المدنية، القبيلة الوحيدة التي فكرت في استشارة الرسول عليه الصلاة والسلام بصدد اختيار نقيب لها بعد وفاة من كان يشغل فيها هذا المنصب.

والواقع، في رأينا، أن مؤلف هذه "السيرة" لم يكتف بجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه من أهل المدينة، في اجتماع بيعة العقبة الثانية، "أنا منكم وأنتم مني"(27)، بل أنه حاول مستيئساً أن يجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دليلاً يشير إلى صلة خاصة بين الرسول وأهل المدينة، من نوع الصلات التي كانت تربطه بالقرشيين الثلاثة الذين تولوا خلافته بعد وفاته والذين كان العباسيون يعتبرونهم مغتصبين لها، وهم أبو بكر وعمر اللذين تزوج من ابنتيهما، وعثمان (من الأمويين)، الذي زوجه من إحدى ابنتيه، ثم من ابنته الأخرى بعد وفاة أختها، بل بأبي سفيان (الذي يتحدث عنه النص باعتباره واحداً من أكبر خصوم الإسلام في الفترة المدنية) والذي تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من ابنته (أخت معاوية مؤسس الخلافة الأموية).

وحين أعيا مؤلفنا أن يجد علاقات عائلية تشير إلى أفضلية عند الرسول لأهل المدينة، أراد - في رأينا - أن يستغل لهذا الغرض صلة القربى القديمة التي كانت قائمة بين عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم وإحدى العشائر المدنية، أي عشيرة بني النجار. وهو، حين جعل من الرسول صلى الله عليه وسلم نقيباً لهذه العشيرة، أراد أن يضرب عصفورين بحجر: تسجيل ميزة لصالح مواطنيه أهل المدينة، ثم الزجّ باسم عبد المطلب، سلف الرسول والخليفة العباسي، في مسرح الأحداث في المدينة.

ذِكر من اعتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسقم، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم. فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال، موليا أبي بكر، مع أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى … ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة، أو أشدّ، وبارك لنا في مُدِّها وصاعها (يعني الطعام الذي يكال بالمد والصاع) وانقل وباءها إلى مهيعة، ومهيعة الجُحفة. 

التحليل

لدينا هنا مثل آخر على روح التحيز التي يعالج بها النص موضوع الهجرة. فعلى الرغم من أن عديداً من المهاجرين مرضوا في المدينة ولزموا الفراش في معظم الحالات، فإن النص لا يقول ما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عاد أحداً منهم، حتى إذا كان المريض أبا بكر، رفيقه في الهجرة، الذي هدَّته الحمى. إن الزيارة الوحيدة لمريض التي يرويها النص هي زيارة الرسول لسعد بن عبادة، من أعلام الخزرج، الذي كان نقيباً للأنصار في بيعة الحرب. وهناك احتمال في أن يكون لذكر زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد - دون أبي بكر - غرض خفي وهو إظهار أن أبا بكر، الذي انتخبه المسلمون خليفة للرسول بعد موته، لم يتلق زيارة من الرسول عليه الصلاة والسلام حين مرض بينما منح هذا الامتياز لسعد بن عبادة الذي كان مرشح الأنصار، مما يوحي بأفضليته. ومن الجائز، من جهة أخرى، أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا الله أن يحبب المدينة إلى المسلمين كما حبب إليهم مكة، ولكن من غير المحتمل أن يكون قد دعاه أن يفضلوا المدينة على مكة، مدينة سيدنا إبراهيم عليه السلام، والكعبة، والمسجد الحرام الذي أراد الله تعالى في القرآن الكريم أن يكون قبلة للمسلمين في صلواتهم حتى آخر الدهر. وللمرء، هنا أيضاً، أن يتصور أن ما كتبه ابن إسحاق في هذا الشأن اختلاقٌ قصد به تقديم المدينة على مكة.   

ملحوظات عامة

1- "المهاجرون"

 أ ) نظراً إلى أن قبائل قريش طبقت عقوبة النفي والإبعاد على أعضائها المسلمين منذ بداية الدعوة الإسلامية، فإن الدلائل كلها تشير إلى أن أول من وصل إلى المدينة من المسلمين لم يكونوا، كما يؤخذ من النص، أولئك الذين سبقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أو لحقوا به مباشرة، بل كانوا نفراً من المجاهدين الذين أخرجتهم قبائلهم من حظيرتها في فترة سابقة جداً، ربما حتى قبل "الهجرة" إلى الحبشة.

ب) النص لا يحسب أي حساب لهجرة أخرى محتملة هي هجرة المسلمين الذين ينتمون لقبائل غير مكية. إنه يدعي أن قبيلتي الأوس والخزرج المدنيتين هما القبيلتان الوحيدتان في الجزيرة العربية كلها اللتان رحبتا بالإسلام في نهاية الفترة المكية. وواقع الأمر، كما أثبتنا، أن هذه دعوى باطلة أوحى بها تحزُّب ابن إسحاق لأهل المدينة، هذا التحزُّب الذي تنطق به"سيرته" كلها. لقد كان مسلمو شبه الجزيرة، في رأينا، أكثر عدداً بكثير من مسلمي مكة. لذلك فمن المحتمل جداً أن بعضهم هاجروا إلى المدينة ليلحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أحداً منهم لا يظهر اسمه في قائمة المهاجرين الواردة في النص.

ﺟ ) لا في هذا السياق ولا في سياق لاحق يتحدث النص عن اتساع حركة الهجرة إلى المدينة نتيجة لنـزول الآيات القرآنية التي تحث المؤمنين على الهجرة وتهددهم بأشد العقاب إن لم يهاجروا. كذلك ليس في النص أي إشارة إلى حالات عودة بعض المهاجرين إلى مكة.  

د ) لا يوضح النص ما إذا كانت الهجرة، بالنسبة لجميع المهاجرين، تمثل قطيعة نهائية مع مكة أم أن بعضهم، ممن ظلت علاقاتهم قائمة بذويهم أو أصدقائهم أو شركائهم في التجارة، كانوا يزورونهم أو يتلقون من أخبارهم.

ﻫ ) النص لا يتعرض كذلك لجانب أساسي من جوانب الهجرة هو المشكلات التي جرتها على المهاجرين. وقد كانت هذه المشكلات علي أنواع: 

1- مشكلة السكنى أولاً: صحيح أن النص يورد قائمة بأسماء اثني عشر من أهل المدينة (منهم ستة فقط من الحجاج الـ 73 الذين عقدوا بيعة الحرب مع الرسول صلى الله عليه وسلم) استضافوا نفراً من المهاجرين. إلا أن هذه القائمة، كما سنرى، يشوبها تضارب وتثير تساؤلات لم يُجب عنها المؤلف. ولم يكن المستفيدون من هذه الضيافة، وقد ذكرت أسماؤهم، يزيدون عن الأربعين، أي نصف عدد المهاجرين الذين عيَّنهم النص.

2- مشكلة "أكل العيش" ثانياً: والنص لا يوضح ما إذا كانت ضيافة أهل المدينة الاثني عشر لمهاجرين تشمل أيضاً إطعامهم، كضيافة أبي أيوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كانت الضيافة الكاملة، في هذه الحالة الأخيرة، متصورة حين يتعلق الأمر بشخص أو شخصين، فمن الصعب افتراضها إذا تعلق الأمر بثلاثة أو ستة أو سبعة أشخاص، أو عدد أكبر كثيراً، في حالة رفاعة بن عبد المنذر الذي يقول النص إنه آوى أربعة عشر مهاجراً ذكر أسماءهم، بالإضافة إلى عدد غير محدد من أقارب عمر وحلفاء بني البُكيْر. وهناك أيضاً حالة سعد بن خَيْثمة الذي نـزل عليه الأعزاب من المهاجرين. وأخيراً فإن النص لا يتحدث إلا عن ست عشرة حالة للمؤاخاة بين مدنيين ومكيين.

3- مشكلة كسب القوت، بصفة خاصة: وعلى فرض أن كل مهاجري مكة قد تكفل بهم إخوانهم من مسلمي المدينة كفالة كاملة، فالمؤكد أن المهاجرين كانوا يدركون أن كرم مضيفيهم له حدود. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن النص - فيما خلا حالة أبي بكر الذي تقول "السيرة" إنه حمل معه كل ثروته التي تقدر بأربعة آلاف درهم - لا يعطي أي فكرة عن موارد المهاجرين الثمانين الذين وصلوا إلى المدينة. على أن من الممكن، في هذا الخصوص، أن يقسم هؤلاء المهاجرون إلى ثلاث فئات:

– فئة التجار الذين استطاعوا، كأبي بكر، أن يصفُّوا أعمالهم التجارية في ظروف طبيعية أو شبه طبيعية وأن يحملوا معهم حصيلة التصفية إلى المدينة.

– فئة الأجراء أو الصناع اليدويين الذين حملوا معهم كل مدخراتهم أو جزءاً منها.

– أكثر الفئات عدداً على الأرجح، وهي الفئة التي تتكون من أشخاص معدمين صودرت أموالهم في مكة أو  ينتمون إلى الطبقة الفقيرة.

وسواء تعلق الأمر بهذه الفئة أو تلك، فالشيء المؤكد هو أن مشكلة كسب القوت كانت، بالنسبة لجميع المهاجرين، مشكلة كبرى، وأنه، مالم يكن لكل منهم نشاط يكفل له حداً أدنى من الموارد، لكان مصيره أن يصبح عالة على غيره ويفقد كرامته.

4- المشاكل النفسية: 

– الإبعاد، بالنسبة للمهاجر الذي طردته قبيلته، كان إجراء تقطع به القبيلة، إن جاز هذا التعبير، الحبل السُري الذي يربطه بها. وعلى الرغم من أن انتماء المسلم إلى أمة المؤمنين كان يعوضه عن فقد صلاته العائلية والاجتماعية، فلا شك أن آثار الصدمة النفسية التي يحدثها الإبعاد كانت لا تختفي في معظم الأحيان.

– شعور التغرُّب الملازم، بوجه عام، للهجرة والناتج عن عداء بعض قطاعات السكان في المهجر وصعوبة التكيف مع العالم الجديد.

– الشك، أحياناً، في سلامة اختيار الدخول في الإسلام، أو في إعلانه أو في قرار الهجرة.

و ) فيما يتعلق، بوجه خاص، بالرسول صلى الله عليه وسلم، لا يعطي النص أي بيان عن أحواله المعيشية ولا عن الطريقة التي كان يقضي بها وقته في المدينة. فنحن لا نعلم بالذات:

– ما إذا كان قد استطاع، حين ترك مكة، أن يحمل كل ماله أو جزءاً منه، وما إذا كان قد دفع إلى أبي أيوب نفقات إقامته أو جزءاً منها.  

– ما إذا كان يمارس في المدينة نشاطاً يتكسب منه.

– ما إذا كان قد ظل أرمل أم أنه تزوج، وما إذا كان أفراد أسرته، الذين لم يقل النص شيئاً عنهم في حديثه عن الفترة المكية، قد لحقوا به وعاشوا معه في المدينة.

– ماذا كانت الفترات التي كان صلى الله عليه وسلم يلقى فيها المهاجرين ليحدثوه عن مشكلاتهم، التي كان ولابد يشعر أنه مسئول عنها إلى حدٍ ما، ليواسيهم وليذكرهم بأن مصير الإسلام في المدينة يتوقف على نموذجية سلوكهم.

– ما إذا كان يعقد اجتماعات مع بعض أصحابه المكيين وبعض مسلمي المدينة لمناقشة الوسائل التي يمكن بواسطتها حل مشكلات المهاجرين، ولاسيِّما مشكلة التكسب. 

ز ) النص لا يتحدث عن التنـزيل القرآني الكريم بشأن المهاجرين مثل قوله تعالى:

وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿41﴾[النحل].

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴿218﴾[البقرة].

2- في المدينة

في حديث الهجرة إلى الحبشة، رأى المؤلف من المناسب أن يعطي نبذة عن التاريخ القريب لهذا البلد، فخصص ثلاث صفحات لقصة والد النجاشي الذي قتله الأحباش لأنه لم يكن له ولد إلا النجاشي، وقصة عم النجاشي الذي ولاه الأحباش المُلك والذي كان له من صلبه اثنا عشر رجلاً، وقصة النجاشي الشاب ذاته الذي باعه العم المذكور، بناءً على رغبة رعيته، إلى تاجر أجنبي، وقصة موت هذا العم، وما ثبت للحبشة من أنه ليس في ولده خير، ولقرارهم تنصيب الأمير الشاب على العرش بعد أن كانوا يريدون قتله في وقت من الأوقات، والمشكلة التي حدثت لأن التاجر الذي اشتراه رحل به بعيداً عن بلده، وأزمة الملكية التي نشأت لتهديد النجاشي بالتنازل عن العرش مالم يحصل التاجر الذي اشتراه على المبلغ الذي دفعه فيه والبالغ ست مئة درهم؛ وقصة الحرب التي نشبت بين النجاشي ورجل من الحبشة ينازعه في ملكه، ثم انتصار النجاشي، الذي أكرم وفادة المسلمين المهاجرين والذي كان حريصاً على سلامتهم، على عدوه، ثم النور الذي كان يُرى على قبره بعد موته.(28)   

وعلى الرغم من سخاء النص بالتفاصيل في شأن الحبشة، فإنه بخيل أشد البخل بالتفاصيل في سرد قصة الهجرة إلى يثرب. إنه لا يوضح مثلاً نسبة اليهود إلى غير اليهود بين السكان، ولا قطاعات النشاط التي يشتغل فيها هؤلاء وهؤلاء، ولا يشرح حالة العلاقات بين الأوس والخزرج، قبيلتي المدينة العربيتين، ولا العلاقات التي كانت قائمة بين القبائل اليهودية الثلاث: النضير وقينقاع وقريظة، ولا العلاقات بين القبائل اليهودية وغير اليهودية. وخير مثال على شح المعلومات هنا هو ذلك المتعلق بوقعة بُعاث التي نشبت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بسنتين والتي كانت ذكرياتها ماثلة في أذهان جميع شهود هذه الفترة. إن النص لا يتحدث أبداً عن هذه المعركة على الرغم من كونها تسجل تاريخاً هاماً في العلاقات بين هاتين القبيلتين. وهو لا يذكر الأسباب التي جعلتهما يدخلان في حرب إحداهما ضد الأخرى، ولا يعطي فكرة عن قوتهما، وعدد من قُتل أو جُرح من الطرفين ولا اللحظات الحاسمة في سير المعركة ولا تفاصيل موقف اليهود منهما. إن حدثاً بمثل هذه الأهمية كان يستحق أن يكرس له عدد من الصفحات لا يقل عن ذلك الذي خصص لتاريخ الحبشة أو، على الأقل، لمسعى مبعوثي قريش إلى النجاشي لاسترداد المسلمين الذين هاجروا إلى بلده. والحاصل هو أننا لا نجد له أثراً إلا في ثنايا أحداث أخرى وباقتضاب شديد، فيقال مثلاً إن سويد بن صامت قتل قبل يوم بعاث(29)، أو أن الوقعة كانت بعد عودة وفد أبي الحيسر من مكة.(30) أو أن سويد بن صامت قتل معاذ بن عفراء قبل يوم بعاث.(31) وأطول هذه الإشارات هي تلك التي سنراها بصدد أحد الاقتباسات القرآنية، وقد جاء فيها: "وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج، وأن كبيري الأوس والخزرج قُتلا فيه جميعاً.(32)     

على أننا إذا صرفنا النظر عن صمت النص على أحوال المدينة، فما الذي نجده أو لا نجده فيه عن ردود فعل مجموعات الأشخاص الذين يكوِّنون سكان المدينة فيما يتعلق بالهجرة؟

أ ) المسلمون

من الغريب أن مسلمي المدينة الذين كانوا، في النص، ملء السمع والبصر خلال الفترة المكية الخامسة لا يظهرون، في الفترة المدنية الأولى، إلا في لمحات خاطفة، كما رأينا: رجال من خمس قبائل يعرضون الضيافة والحماية على الرسول؛ رجل يستضيف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يتم بناء مساكنه، البناء الذي يشترك فيه بعض الأنصار؛ اثنا عشر مدنيَّاً يؤوون أربعين مهاجراً، ستة عشر مدنيَّاً يؤاخَى بينهم وبين عدد مماثل من المهاجرين. هذا مع أن الشهور الأحد عشر الأولى من المعايشة بين المهاجرين والأنصار كانت، ولابد، حافلة بالأحداث والنوادر: 

– فلابد أن المئات من أهل المدينة الذين أسلموا خلال الفترة المكية دون أن يروا الرسول صلى الله عليه وسلم أعدوا له استقبالاً حافلاً لدى وصوله في مدينتهم، ولابد أنهم هرعوا لرؤيته والتحدث إليه والتعبير له عما تكنه له صدورهم من محبة.

– ولابد أن أهل المدينة الذين تعرفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بادروا إلى تقديمه إلى رؤساء عشائرهم وإلى ذويهم وأصحابهم.

– ولابد أن الرسول صلى الله عليه وسلم، برفقة أصحابه المكيين، عقدوا اجتماعات عديدة مع كبار أهل المدينة من المسلمين ليلتمسوا معهم حلولاً للمشكلات التي كان يعاني منها المهاجرون ووسائل لتنفيذها.

– ومن المؤكد أن علاقات من المودة والصداقة جمعت بين مسلمي المدينة والمهاجرين منذ الساعة الأولى، وقد ساعدت على ذلك عدة عوامل: اشتراكهم في الدين؛ ومحبتهم جميعاً للرسول صلى الله عليه وسلم؛ والتقاؤهم خمس مرات يومياً في الصلوات الجامعة؛ ونصائح الرسول صلى الله عليه وسلم ورغبته في بحث الصعوبات الخاصة التي كانوا يصادفونها. كذلك كانت علاقات العمل حافزاً على توحد المجموعتين.

ويصح للمرء في هذا السياق أن يبدي بعض التحفظات على العناصر التي وردت في النص بشأن إيواء المهاجرين: فالنص لا يقدم أي معلومات عن الأشخاص الذين نـزلت عليهم أهم مجموعات المهاجرين الثلاث: مجموعة تتكون من ستة بينهم حمزة وزيد بن حارثة واثنين من مَوالي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومجموعة تتكون من سبعة وأخرى تتكون من أربعة عشر من المهاجرين الذين ذكرت أسماؤهم وعدد غير محدد من أقارب عمرو ومن حلفاء بني البكير؛ ولم ترد في النص كذلك أي معلومات عن ظروف إقامة أعضاء هذه المجموعات؛ والمعلومات التي وردت فيه لا تخص في الواقع إلا عدداً قليلاً من مهاجري مكة، وكثير من هذه المعلومات غير يقيني فيما يتعلق بهوية المضيفين. وإذا افترضنا أن المعلومات المقدمة صحيحة، فليس في النص ما يشير إلى تغير الوضع في الشهور والسنوات التالية.

وفي رأينا أن عدد مسلمي المدينة الذين نـزل عندهم المهاجرون أكبر من ذلك الذي ورد في النص. ومن المحتمل كذلك أن المهاجرين، الذين استطاع كثيرون منهم، بمرور الوقت، أن يجدوا عملاً أو يمارسوا نشاطاً يتكسبون منه، أحرزوا استقلالاً سمح لهم بتخفيف العبء الذي كانوا يمثلونه بالنسبة للأنصار. ومن المرجح أيضاً أن بعض المهاجرين تعرفوا خلال إقامتهم لدى الأنصار بفتيات أو نساء من نسائهم وأنهم تزوجوا منهن مما سهل اندماجهم في المجتمع المدني.

ب) المشركون

1- هل كان في المدينة مشركون في الفترة التي تعنينا؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، ماذا كانت ردود فعلهم إزاء هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين؟

إن الإجابة عن السؤال الأول، الذي سنعود إليه، هي نعم. وهي تستخلص من ثلاثة بيانات نجدها في حديث الفترة المكية الخامسة: حقيقة أن حجاج المدينة المسلمين الثلاثة والسبعين الذين عقدوا بيعة الحرب مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة كان في صحبتهم حين جاءوا مكة فريق من الحجاج المشركين(33)؛ وحقيقة أنه في نهاية السنة الثانية للقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة بالخزرج الستة: "لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون"(34)، وهو ما يعني ضمناً أن أسلمة المدينة، عشية الحج المذكور، لم تكن إلا جزئية، وهي لم تكتمل، تقريباً، وهذا هو البيان الثالث الذي ورد في النص، إلا بعد أحد عشر شهراً من وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة(35).

أما السؤال الثاني، فإن النص لا يحوي أي عنصر يقدم عنه إجابة أو ما يشبه الإجابة. وهناك أكثر من هذا: ففي صورة المدينة التي يرسمها النص عن هذه الفترة المدنية الأولى، أعداء للإسلام من اليهود ومن المنافقين، ولكننا - وهنا العجب - لا نجد شخصاً واحداً من أهل الشرك. وهذا الصمت ليس وليد الصدفة وحدها. إنها ظاهرة متكررة تمتد من دخول الإسلام إلى المدينة على يد الخزرج الستة الذين لقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة، إلى نهاية الفترة موضوع دراستنا. والواقع أن المؤلف يخفي بعناية وجود المشركين في المدينة، كما يخفي وجود أي معارضة من جانبهم للرسول صلى الله عليه وسلم. والمرة الوحيدة التي نرى فيها مشركين من أهل المدينة "دماً ولحماً"، إن جاز التعبير، كانت في مكة، حين صحبوا حجاج العقبة الثلاثة والسبعين. ولكن حين عرض العباس بن عبادة، وقد أشعلت حماسه بيعة الحرب، أن يميلوا على المشركين بأسيافهم، فإنه لم يكن يعني مواطنيه مشركي المدينة، وإنما كان يعني مشركي مكة وشبه الجزيرة!(36) المنافقون؟ أجل، كان في المدينة منافقون، ولا سبيل إلى إنكار ذلك، وقد ذكرهم القرآن الكريم في الآية (101) من سورة التوبة. أما المشركون فليس في المدينة منهم أحد! أبو عامر عبد عمرو رئيس الأوس وخمس عشرة من أفراد قبيلته (وسيأتي ذكرهم)، ربما، ولكن هؤلاء لم يعارضوا الرسول! ثم إنهم لم يعودوا من أهل المدينة فقد قرروا أن يغادروها إلى مكة. وفضلاً عن ذلك فإن الجواب عن سؤال: أيهما كان على دين الحنيفية، دين إبراهيم: أبو عامر أَمْ الرسول، لم يكن قد حُسم بعد حين التقيا في المدينة، ولم يقرر له أن يحسم إلا في تاريخ لاحق حين مات أبو عامر طريداً غريباً وحيداً في الشام، أرض قيصر صاحب الروم.(37)

2- إذاً كان في المدينة مشركون حين وصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم. بل كانوا كثيرين. في جميع الأُسر وجميع العشائر، ما عدا بني الأشهل، الذين أسلموا جميعاً تحت ضغط سيدهم سعد بن معاذ.(38) ويبرز هنا في جلاء شديد اختلاف التناول في النص بين مشركي مكة ومشركي المدينة. فنحن نعرف عن مشركي مكة أسماء أشهرهم: إنهم هم الذين كانوا يذهبون ليشتكوا محمداً صلى الله عليه وسلم لدى عمه؛ والذين نـزل فيهم قرآن يعدهم بنار جهنم؛ والذين لقوا مصرعهم بإشارة من الرسول، والذين اجتمعوا، بعد بيعة العقبة، وقرروا قتله، وهم أخيراً وقبائلهم، الذين كانوا موضع الهجاء في شعر أبي طالب وغيره من الشعراء. أما مشركو المدينة، فنحن لا نعرف لا أسماءهم ولا أسماء قبائلهم. ولا نعرف شيئاً عما قالوه أو فعلوه ضد الرسول وضد الإسلام، ولا عن اضطهادهم لمسلمي عشائرهم. نحن لا نعرف عنهم شيئاً، لا قبل الهجرة ولا بعدها، وكأنه لم يكن لهم وجودٌ قَط!

3- إن معاملة القبائل المدنية لأبنائها المسلمين كانت ولا شك من نوع معاملة قريش لمسلمي مكة. على أن الأمور قد تطورت قطعاً خلال السنة الأولى من الهجرة. ولابد أن المشركين، وقد أنهكتهم حرب بعاث، ولأنه لم يكن عندهم نظام فعال للحكم، أحسوا بعجزهم عن الوقوف في وجه تيار الهجرة المستمر إلى مدينتهم. ومن الناحية الأخرى فإن التفوق العددي للمشركين بالنسبة للمسلمين كان في تناقص تدريجي.

4- ولابد أن ظهور مجتمع إسلامي متعدد القبائل ولكنه متحد، يدين بدين متين ويتلو كتاباً ليس له نظير، كان له وقعٌ شديدٌ بين المشركين.

5- إن وصول نبي هذا الدين إلى المدينة، هذا النبي الذي طالما سمعوا عنه، والذي اضطهده ذووه، والذي يكنُّ له المسلمون من الإجلال ما جعلهم يتركون كل عزيز لديهم ليتبعوه، ووصول عدد من أصحابه الذين كانت شجاعتهم وبطولتهم مضرب الأمثال، كانا من أحداث المدينة المشهورة، ولم يكن هذا بطبيعة الحال يروق للمشركين.

6- لابد أن وجود مئات من الرجال الفقراء من ذوي الخُلُق، الذين كانوا يبغون الزواج من مدنيات، ونجاح الزيجات التي تمت بالفعل، أثارا اهتمام عدد من النساء المشركات اللاتي لم تجدن أزواجاً.

لكل هذه الأسباب، أدرك مشركو المدينة تدريجياً قلة حيلتهم. ماذا كان بيدهم أن يفعلوا؟ لقد تبع بعضهم محمداً. وأصر آخرون، عن مبدأ أو عن مصلحة، على رفض رسالته. ولابد أن الذين أداروا ظهورهم للإسلام استمروا في محاربته، ومن المحتمل أنهم ضموا صفوفهم في ذلك إلى صفوف أعداء محمد الآخرين، لاسيما اليهود، بل وقريش أيضاً.

3- في مكة

من العجب العجاب أن مؤلفنا - الذي جعل من آخر سنتين من الفترة المكية فترة مدنية - لم ير من المفيد أن يخصص ولو فقرة لتاريخ مكة خلال السنة الأولى من الهجرة. هذا على الرغم من أن تلك السنة كانت ولا شك، في مكة كما في المدينة، سنة لا تُنسَى. والشيء المحقق هو أن الهجرة كان لها أثرٌ عميقٌ على الأُسَر والعشائر والقبائل المكية وأثرٌ لا يقل عمقاً على النشاط التجاري لمكة وعلى مكانة البلدة باعتبارها عاصمة روحية لبلاد العرب.

 أ ) لقد أدى نفي رجال ينتمون إلى معظم قبائل قريش أو رحيلهم الطوعي، في رأينا، إلى كرب عظيم وإلى فتح جراح جديدة بعد تلك التي خلفتها "الهجرة" إلى الحبشة وإلى غيرها من البلاد. لقد كان رحيل هؤلاء الرجال بالنسبة لأسرهم، كارثة. وكانت هذه الأسر بحكم كونها الضحية المباشرة لحركة الهجرة المذكورة، تشعر بحفيظة متزايدة حيال رؤساء قبائلها، سواء كانوا قد حكموا صراحة بنفي أقاربهم المسلمين، أو جعلوا حياتهم مستحيلة بصورة لم يجد هؤلاء إزاءها من مخرج سوى الهجرة. هذه الحفيظة، بالإضافة إلى شعور السخط لمنظر رجال أفاضل يعاملون معاملة المجرمين، لابد أنها تحولت، في بعض الحالات، إلى ثورة حقيقية. وقد زاد من وطأة هذه المعاناة العاطفية، مشكلات مادية عويصة. لقد كان على قبيلة المهاجر، من حيث المبدأ، أن تتكفل بمن كان يعولهم. غير أن ذلك، في الحالة التي نحن بصددها، لم يكن أمراً هيناً، كما أن القبيلة لم تكن تفعله عن طواعية نظراً لأن الأسرة كانت أسرة طريد.

ب) رحيل عشرات من التجار أو من موظفي التجارة أثار على الأرجح هزَّات كبيرة في سوق مكة. والمؤلف لا يقول شيئاً عن مصادرة أموال التجار المسلمين الذين أُخرجوا، ولا عن الظروف التي صُفِّيَت فيها أعمال المهاجرين الذين اختاروا الرحيل بإرادتهم. ومما يلاحظ هنا أن النص، الذي ذكر أن علياً رضي الله عنه بقي في مكة ثلاثة أيام بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم ليؤدي الودائع التي عُهد بها إليه لأصحابها، لا يشير بكلمة إلى مصير ثروة الرسول الشخصية أو إلى "أصوله" التجارية، أي ما يملكه من بضائع وديونه على الغير، إن كان يشتغل بالتجارة. ومن المحتمل جداً أن عدداً من التجار المسلمين أشهر إفلاسهم نتيجة لإخراجهم وأن قريشاً استغلت ذلك للتشهير بهم.

ﺟ ) والمتصوَّر، في مرحلة أولى، أن من بقي في مكة من المسلمين - وكانوا في رأينا أكبر عدداً بكثير ممن هاجروا منها - استكانوا للأمر الواقع لكيلا يتعرضوا لاضطهاد قبائلهم، وإن كان هذا لا يمنع أنهم ظلوا على صلة بالمدينة. ولابد أنهم دبروا أمرهم لتلقي ما ينـزل من القرآن أولاً بأول، وتلقي أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرين، واتساع رقعة الإسلام في المدينة. وقد وصلتهم بعد ذلك، بالتأكيد، مبالغ من المال بعضها لأسر المهاجرين وبعضها لدائنيهم. وعن طريق قنوات سرية، لاسيما بأفواه النساء،كانت أخبار المدينة تنتشر بين مسلمي مكة، وكانت الأموال الواردة تدفع إلى من أرسلت لهم. وفي الوقت ذاته كانت شبكة التكافل، التي سبق للمسلمين أن أنشأوها في مكة لإغاثة ضحايا اضطهاد قريش، تقدم المعونة لأسر المهاجرين الفقراء.

د ) ما كان يصل إلى مكة من التنـزيل القرآني المدني لم يكن يبلَّغ فقط لمسلمي مكة وإنما كان يبلَّغ أيضاً إلى أهلها المتعاطفين مع من هاجروا ومع أسرهم. كذلك كان يبلَّغ، كلما كان ذلك ممكناً، للزائرين "الأجانب". وقد استمر في مكة إخراج المسلمين المجاهدين واضطهادهم، ولكن قريشاً لابد قد انتهت آخر الأمر إلى التسليم بما لم يكن مفر من التسليم به، وهو أنه لم يكن يكفي، للتخلص من الإسلام في مكة، قطع دابر أتباعه. كان لابد من القضاء على وسيلة انتشاره، وهي القرآن. فهل كان ذلك ممكناً؟ لقد كانت سوَر هذا الكتاب الكريم، على الرغم من أوامر الحظر، لا تفتأ تفرض نفسها على مكة، وكان انتشارها يكسب أرضاً جديدة في اتجاه جميع طبقات المجتمع، وكان يصل إلى الحجاج، في حركة غامرة ليس إلى احتوائها من سبيل.

ﻫ ) حين رأى رؤساء قريش المئات (العشرات، طبقاً للمؤلف) من مواطنيهم يتركون مكة بعضهم في إثر بعض، لابد أنهم، في البداية، تنفسوا الصعداء. لقد وفَّر عليهم من هاجروا بمحض إرادتهم ضرورة أليمة هي ضرورة إخراجهم القسري، وهو إجراء مكروه سواء عند مواطنيهم أو عند الحجاج. وكان رحيلهم هذا يسمح كذلك لبعض قريش أن يشتروا أموال المسلمين التجارية بثمن بخس كما يسمح لهم بالتخلص من بعض التجار من ذوي الأمانة المفرطة. وأهم من ذلك أن قريشاً كانت تهنئ نفسها بابتعاد هذا "البلاء" - أي الإسلام - الذي كان لا يني، منذ ثلاثة عشر عاماً، يهز أركان مجتمعها.   

و ) ولكن رؤساء قريش ما لبثوا، بعد فترة معينة، أن صَحَوا على حقيقة جد مقلقة: إن الخطر المتمثل في محمد وأصحابه لم يَزُل تماماً نتيجة انتقالهم إلى المدينة. بل إنه لم يَزُل على الإطلاق. لقد علموا من الأنباء التي كانت ترد إليهم من المدينة أن أمر المسلمين لم يكن بالسوء الذي كان متوقعاً. لقد ثبَّت محمد أقدامه فيها وأصبح الإسلام يتغلب على الشرك يوماً بعد يوم. ورتب المهاجرون ومسلمو المدينة أمورهم لكي يُنَمُّوا اقتصاد هذه البلدة. وبدأ المسلمون من جميع أرجاء الجزيرة  العربية يفدون إلى المدينة لزيارة الرسول! إلى ماذا يؤول مصير مكة لو أنها فقدت جزءاً من تجارتها وإذا انفضَّ عنها جزءٌ من حجاجها؟

لابد أن أصواتاً عَلَت تدعو إلى القيام بعمل منسق قبل أن يستفحل الخطر الإسلامي وتصعب السيطرة عليه. ومن غير المستبعد أن تكون وفود من مشركي المدينة ومن يهودها قد ذهبت إلى مكة لتحثها على اتخاذ ما يلزم من تدابير للقضاء على عدوهم المشترك.

ز ) وعلاوة على هذه الأنباء المزعجة الواردة من المدينة، كانت هناك، بالنسبة لرؤساء قريش وسادتها، في الشهور التالية للهجرة، أنباء لا تقل عنها إثارة للقلق، واردة من الداخل: فعلى الرغم من كل الجهود المبذولة لاستئصال شأفة الإسلام من مكة (حملات الافتراء ضد محمد وأصحابه، والخُطب والأشعار التي تقال ضد دينه، وتزوير آيات القرآن الكريم، واضطهاد المسلمين)، كان دين محمد يكسب كل يوم أتباعاً جدداً داخل قبائلهم ذاتها. أما سلاحهم الأكبر، الذي استخدموه لصد الناس عن الإسلام، وهو سلاح النفي والإخراج، فقدْ فَقَدَ مُضَاءه. بل إنه ارتدَّ إلى نحورهم، فإن القرآن ذاته أصبح يحث المسلمين على الخروج من مكة، بما يترتب على ذلك من إضعاف لشوكة قريش وتقوية لشوكة محمد صلى الله عليه وسلم.

ح ) ولابد أن رؤساء قريش وسادتها، حين كانوا يحسبون ما حققته الهجرة لهم من أرباح وما كبدتهم من خسارة، بعد سنة من خروج محمد وأصحابه منها، كانوا يدركون أن هذه الهجرة قد خلقت لهم من المشكلات أكثر مما حلَّت، وأن الإسلام لم يمت، وأن معركتهم مع محمد أبعد ما تكون عن نهايتها. 

4- في الجزيرة العربية

تأثير الهجرة في الجزيرة العربية يتعلق بوجه خاص بزيارات مسلمي الجزيرة للمدينة، وسنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد.

المحصِّــلة

أهم سمة تقع عليها العين في حديث النص عن الهجرة، هذا الحدث الحاسم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، هي الفراغات.

إن اقتصار المؤلف في تأريخ الهجرة، فيما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، على قصة سراقة وعلى بضع نوادر تتعلق بوصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قباء ثم إلى المدينة، وعلى الطريقة التي اختار بها مكان المسجد ومساكنه، وعلى إقامته عند أبي أيوب، وعلى تعيينه لنفسه كنقيب لبني النجار، وعلى زيارة قام بها لسعد بن عبادة، من سادة المدينة، جعله يهمل ما هو أساسي.

إننا لا ندري، أكثر مما كنا ندري في حديث الفترة المكية، ممن كانت تتكون أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم، غير ابن عمه علي، ومولاه وابنه بالتبني زيد بن حارثة. ونحن لا ندري أيضاً من كانت زوجه أو زوجاته، خلال سنته الأولى في المدينة، ولا من كنَّ بناته. ونحن لا ندري - أكثر مما كنا ندري في حديث الفترة المكية - كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكسب قوته. هل كان يعيش على الثروة التي خلَّفتها له خديجة، زوجته الأولى، رضي الله عنها، التي توفيت قبل الهجرة بثلاث سنوات؟ هل كان عليه الصلاة والسلام يمارس في المدينة مهنة التجارة أو أي مهنة أخرى؟ مَن الذي تكفل بنفقات الرسول: أبو أيوب؟ بعض أهل المدينة الآخرين من ذوي اليسار؟ المهاجرون؟ إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يخرج ثروته الخاصة من مكة، كيف فعل ذلك؟ وماذا كانت قيمة هذه الثروة. وإذا كان أبو أيوب قد استضاف الرسول صلى الله عليه وسلم استضافة كاملة، فكم كانت مدتها؟ لقد كان توفير سبل العيش للمهاجرين، كما ذكرنا، همَّا كبيراً من هموم المسلمين، ولابد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشعر بوطأة هذه المشكلة بدرجة أكبر تتناسب مع المسئوليات المترتبة على صفته المزدوجة كرسول وكرئيس للأمة الإسلامية.

كيف كان الرسول ينهض بأعباء رسالته؟ كيف كان يقضي وقته؟ هنا أيضاً يجد المرء نفسه أمام فراغ كبير. والمناسبة الوحيدة التي نراه فيها، في النص، يقوم بعمل هي زيارته لسعد بن عبادة. ومع ذلك، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، خلال هذه الفترة المدنية الأولى، ولا شك، مطلوباً في مناسبات من كل نوع، لاسيما من المهاجرين الذين كانوا بحاجة إلى مساعدته لحل مشكلاتهم الشخصية، وتخفيف محنتهم، ومشاركتهم في لحظات الفرح كمولد الأبناء أو الزواج، وربما أيضاً لحل بعض الخلافات في العلاقات الخاصة بين المهاجرين وأهل المدينة. ونجد الفراغ ذاته فيما يتعلق بالاجتماعات العديدة التي لا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعقدها مع مختلف مكونات الجماعة الإسلامية في المدينة للوقوف على الصعوبات المترتبة على الهجرة، وبحث وسائل حلها، وتنظيم الأمة ذاتها وتوزيع الأدوار والمهام على أعضائها.

وفيما يتعلق بالمهاجرين أيضاً، نجد الفراغ ذاته. ونحن لا نعرف عنهم كأمر واقع سوى أسمائهم. من الذي هاجر منهم بمحض إرادته ومن نفته قبيلته؟ من الذي حمل معه رأس ماله أو مدخراته، ومن وصل إلى المدينة دون موارد؟ من الذي ترك في مكة زوجة وأولاداً؟ من كان أعزب؟ من وفق إلى وظيفة أو كان يقوم بنشاط يعود عليه بدخل، ومن ظل بلا عمل يكسب منه قوت يومه؟ من تزوج وكوَّن أسرة في المدينة، ومن فضل الانتظار حتى تسمح له الظروف باستقدام أسرته التي تركها في مكة؟ هل كان بين المهاجرين من صدرت منهم تصرفات غير لائقة، وماذا كانت طبيعة هذه التصرفات؟ هل نصب أعداء الإسلام فخاخاً للمسلمين لإفسادهم، وهل وقع بعض الصحابة فيها؟ إن القرآن الكريم يتحدث في هذا الصدد عن:  "… الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا …" ﴿19﴾ [النور]، فمن هم؟ هل كان في المدينة وسائل أخرى حاول الكفار واليهود عن طريقها تكفير المسلمين أو ردهم عن تعاليم ديانتهم؟ هل رضخ بعض المسلمين لإغراءاتهم؟ لا أحد يعرف. ومما لا شك فيه أن حركة للهجرة الجماعية بهذا الاتساع، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الهجرة الأصلية أعقبتها هجرات أخرى، استجابة لما كان يدعو إليه القرآن الكريم، قد نشأ عنها الكثير من المواقف المفجعة: الموت في الحالات القصوى، ولكن كذلك المرض واليأس والإحباط. وقد استطاع كثير ممن نكبوا بهذه الأحداث التغلب عليها بفضل إيمانهم، وعطف الرسول صلى الله عليه وسلم وحدب إخوانهم المهاجرين ومساعدة مسلمي المدينة. ولكن نص ابن إسحاق ليس فيه إشارة إلى هذه الأحداث التي حفلت بها ولا شك هذه السنة من الفترة المدنية التي كانت، بالنسبة لهم، سلسلة من التجارب المريرة.

والنص، كما رأينا، صامتٌ كذلك فيما يتعلق بالضجة التي أحدثتها الهجرة في المدينة، وفي مكة، وفي شبه الجزيرة العربية. وفي الإمكان المضي إلى مالا نهاية في طرح الأسئلة التي تركت بلا إجابة في هذا الشأن.

ولكن هناك تساؤلاً أساسياً يطرح نفسه فوق كل هذه الأسئلة هو: إذا كان القليل الذي ذكره المؤلف هو كل ما عنده عن أحداث بهذه الأهمية، كانت تدور في مسقط رأسه، البلدة التي ولد فيها هو وأبوه، والتي عاش فيها جده، والتي أتيحت له فيها الفرصة للقاء أبناء وأحفاد الشهود العيان لمجريات الأمور في المدينة، فهل يمكن تصديقه حين يروي أحداثاً أخرى لم يكن لديه بشأنها شهادات مباشرة؟

أما الحدث الأعظم لهذه الفترة، المتمثل في نـزول عدد كبير من الآيات القرآنية الكريمة وما أحدثته من أثر على مختلف قطاعات السكان في المدينة بل وفي مكة والجزيرة العربية، فإن المؤلف لا يعتبره حدثاً، ماعدا مجموعات الآيات التي تتعلق باليهود والمنافقين وزيارة وفد من نصارى نجران للرسول صلى الله عليه وسلم.

وأخيراً فللمرء أن يتساءل: ماذا تم في أمر بيعة الحرب التي قدمها مؤلف السيرة على أنها السبب في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومسلمي مكة؟ إن العبارات النارية التي تحدث بها بعض من اشتركوا في الاجتماع الذي انتهى بعقد هذه البيعة كانت توحي بأن وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سيترتب عليه: أن يهيمن موضوع حمايته على أخبار هذه المدينة، وأن يكون أول ما يهتم به الرسول هو التشاور مع رؤساء جميع القبائل التي كانت ممثلة في الاجتماع حول التدابير التي يقتضي اتخاذها لحمايته صلى الله عليه وسلم من عدوان محتمل وقريب من جانب قريش، وأن تُجرى استعدادات عسكرية لهذا الغرض وأن تقطع العلاقات التقليدية التي كانت قائمة بين القبائل المدنية وبين يهود المدينة. ولكن الحاصل:

1- أن ما يرويه النص عن هذه السنة ليس فيه أي ذكر للبيعة ولا أي إشارة لمادة من موادها.         

2- أن النص لا يصور المشاعر ولا الصدى المفروض أن يثيرها عقد مثل هذه البيعة عند مختلف قطاعات أهل المدينة.

3- أن اجتماعاً لم يعقد في المدينة بين الرسول وحجاج المدينة الذين عقدوا معه البيعة، ولا بينه وبين رؤساء عشائرهم أو قبيلتي الأوس والخزرج، ولا بينه وبين مسلمي المدينة في جملتهم.

4- أن خمساً فقط من العشائر العشرين التي كانت ممثلة في الاجتماع الذي انتهى بعقد البيعة، هي التي عرضت أن تستضيف الرسول صلى الله عليه وسلم وأن تمنعه، عند وصوله إلى المدينة، وقد فعلت ذلك فرادى، لا مجتمعة كما تقضي روح البيعة.

5- أنه من بين "الموَقِّعين" على البيعة البالغ عددهم 73، الذين وضعت أسماؤهم في "لوحة الشرف" التي أوردها النص والتي ذكرت فيها، بالنسبة لكل منهم، نبذة توضح الغزوات التي اشترك فيها وكفاحه لنصرة دينه، ستة فقط جاء ذكرهم في حديث السنة الأولى: فقد نـزل عندهم نفرٌ من المهاجرين.

6- أنه لم يحدث أي تدهور في العلاقات بين المدينة ومكة، كرد فعل للبيعة العسكرية الموجهة ضد هذه المدينة الأخيرة.

7- أنه لم يتخذ أي إجراء لتعزيز القدرة العسكرية لمسلمي المدينة الذين وجَّه أحد المتكلمين في اجتماع البيعة نظر ممثليهم إلى حقيقة أن البيعة تُرتب على عاتقهم التزاماً "بحرب الأحمر والأسود من الناس".

8- أن قطع "الحبال" مع اليهود الذي أعلنه أحد المتكلمين في الاجتماع كنتيجة تلقائية لعقد البيعة، لم يحدث، بل إننا، على النقيض من ذلك، نرى الرسول صلى الله عليه وسلم، في تقديم الاقتباسات القرآنية المتعلقة باليهود، ونرى أبا بكر، يذهبان إلى معبدهم، كما نرى اليهود يتحدثون إلى المسلمين أكثر من مرة. ونرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أحال إليه اليهود قضية زنا بين يهودي ويهودية محصنين، يفصل في القضية وينفذ الحكم.

9- أن النص لا يوضح كيف يمكن التوفيق بين قطع الحبال المذكور، المترتب على عقد البيعة، وبين وجود اليهود كطرف في صحيفة المدينة التي سيجيء الحديث عنها في الجزء الثاني من هذه الرسالة.

إن الجو العام في المدينة، خلال الفترة موضوع هذه الدراسة، لم يكن إذاً جو حرب ولا جو استعداد للحرب. وبعد إيواء المهاجرين الذي لم يثر، فيما يقول ابن إسحاق، أي مشكلة، عادت الحياة في المدينة إلى سيرها العادي. ولم يمت أحد من المسلمين من حمى المدينة.

أما السمة الأخرى التي اتسم بها حديث الفترة، فهي ما يشوبها من تحيز لأهل المدينة. إن مسلمي المدينة، لا المهاجرين، هم الذين كانوا في انتظار الرسول عند وصوله إلى قباء؛ ونـزل الرسول على واحد من أهل المدينة في هذه البلدة؛ ودخل الرسول المدينة على مطية أعارها له واحد من أهل المدينة، والذي عرض عليه الضيافة والمنعة نفر من أهل المدينة، والذي استضافه في بيته ودفع ثمن شراء الأرض لبناء المسجد واحد من أهل المدينة، والذين استضافوا المهاجرين قوم من أهل المدينة، والزيارة التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لشريف من أشراف المدينة … الخ. أما مَن قاموا بالدور الرئيسي في الهجرة، أي المهاجرون، فلم تخصص أي مساحة للتحدث عن أحوالهم. كذلك فإن النص يصمت صمتاً مطبقاً عن فضلهم الذي شهد به القرآن الكريم وعن مشكلاتهم والتضحيات التي بذلوها.  

اجمالي القراءات 12012

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   محمد سامي     في   الجمعة 15 ابريل 2011
[57269]

البناء الساقط

 هذه المقالات العلمية الرصينة للدكتور محمود علي مراد .. تعكس أن هذه الكتب تحمل في داخلها الحجة على كذبها .. وانها لا تصمد أمام المناقشة العقلية والعلمية .


وهذا ما يفعله الدكتور الفاضل .. والدكتور الفاضل بسبب أنه متعمق  ومتشرب لسيرة النبي عليه السلام من داخل القرآن فإنني اعتقد ان هذا البحث يعد عملاً متكاملاً .. أرجو أن يجازي الله مؤلفه عليه .. 


2   تعليق بواسطة   ايناس عثمان     في   الجمعة 15 ابريل 2011
[57275]

وهذه السيرة في الميزان

السيرة في ميزان المناقشات  العقلية  ، فمثلا بيعتا العقبة الأولى والثانية  ، وغيرها من الأحداث التي هزت قلوبنا صغارا وكبارا ، بدأ النظر لها الآن بعين أخرى عين العقل لا بعين العاطفة عين الدلائل المنطقية لا بعين العصبي والتعصب الذي ورثناه عن تراثنا ، جهد مشكور وبارك الله في العمل الجيد وأثاب الله تعالى  صاحبه عليه خير الثواب .


3   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   السبت 16 ابريل 2011
[57282]

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

كنت سمعت عن تعبير  المؤاخاة التي أنشأها الرسول عليه السلام بين المهاجرين والأنصار وكانت محط استغراب من البعض وخاصة أن الأصل هو الأخوة بين المسلمين جميعا لا بين أفراد معينين دون غيرهم    


ولكن الدكتور محمود على مراد قد بين في هذه الفقرة السبب الذي يكمن  وراء المؤاخاة المغلوطة بصورتها التي جاءت في السيرة وكيف أنها تخدم أهداف ومصالح الخليفة العباسي وقتها ، مع أنها بهذه الصورة لا تتناسب مع الأهداف الإسلامية وما فعله ووطده  الرسول عليه السلام للمؤاخاة بين المسلمين عامة


"وفي رأينا أن هذه المؤاخاة الخاصة شيءٌ ابتدعه المؤلف ليقرر أن أفراد أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي علي وحمزة وزيد بن حارثة، كانوا يشكلون كياناً قائماً بذاته، مستقلاً عن الجماعة المشكلة من باقي المسلمين. وهذا الفصل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، من جهة، وبين سائر المسلمين، من جهة أخرى، فصل أريد به خدمة مصالح الخليفة العباسي. وفي سيرة ابن إسحاق مثلان سابقان عليه: ( أ ) خلال الفترة المكية الأولى، حيث يقدم النص الرسول صلى الله عليه وسلم وعلياً، من جهة، والمسلمين من جهة أخرى، وهم يخرجون للصلاة كمجموعتين منفصلتين(23)؛ (ب) في بيعة الحرب التي حضرها، من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم، عمه العباس، مع استبعاد كل أصحابه ممن لا ينتمون إلى قبيلته.(24)"


4   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الخميس 21 ابريل 2011
[57384]

يهود المدينة ومشركي مكة

تذكر لنا كتب السيرة السبب في غزو خيبرة ، وهو أن يهود خيبر كانوا يعيشون في المدينة ، السبب في وحصار المسلمين لهم ،لأنهم ألبوا عليهم الأحزاب ومشركي مكة ، يعني أن هناك لقاءات تمت بالفعل بين يهود خيبر و مشركي مكة ، أليس كذلك ؟! . لماذا لم يتم تسجيل هذه الأحداث ولم تفرد لها الصفحات الطوال ؟ وتم صرف النظر عنها وتنحيتها جانبا ؟ مع إنها أحداث بالغة الخطورة ، ومن الأهمية بمكان !!!!


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-03-19
مقالات منشورة : 27
اجمالي القراءات : 335,731
تعليقات له : 2
تعليقات عليه : 26
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt