فرق أهل السنة نشأتها واتجاهاتها القديمة والمعاصرة :
تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة الموروثة

محمد صادق في الأربعاء 18 نوفمبر 2009


t;

" فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"

الروم 30-32

لا يخفى على أحد بأنّ الافتراق يؤدّي إلى تمزيق الأمة وتفتيت أوصالها وإضعاف بنيتها والحاق الخسارات الهائلة بها، نتيجة ضياع جهودها في الصراع والمهاترات والشقاق.

وقد ابتلي المجتمع الإسلامي ـ للأسف ـ بهذا الداء، بعد أن التحق رسول الله(عليه السلام) بالرفيق الأعلى، ويشهد التاريخ بأنّ الأمة الاسلامية ما إن رزئت بفقده إلاّ وتغلّبت عليها الأهواء واستيقظت فيها الفتن، حتى عادت الجاهلية في الآفاق.

ومن هذا المنطلق بدأت الفرق المتعددة والجماعات المتضادة والتكتلات المختلفة تنتشر في الدائرة الاسلامية، حتى مهَّد هذا الأمر للسلطات الحاكمة أن تستغل الوضع لمآربها الخاصة ومصالحها الشخصية.

وأوّل ما فعلت هذه السلطات أنّها استقطبت الفرق التي توفّر لها الدعم، ونبذت الاتجاهات التي لا تتماشى مع مصالحها.

ومن هنا احتضنت الحكومات مذهب أهل السنة، لأنها وجدته المذهب الوحيد الذي يوفّر لها ما تريد، فتقبلته بكل ترحاب، ومهَّدت له السبيل للبقاء، لتستمد من وجوده مشروعية استيلائها على دفة الحكم، وليكون هذا المذهب مبرراً لكل ما تقوم به من أفعال تخدم غاياتها السياسية.

كما أنّ هذه السلطات حاولت عبر وسائل إعلامها المُكثفة أن تضفي على هذا المذهب هالة من القداسة، وأن تصوَّره بأنَّه مذهب الجماعة والمذهب الوحيد المتّبع لسنة رسول الله(عليه السلام ) وفي المقابل حاول أتباع المذهب السني ـ تمشية مع الأهداف السياسية الحاكمة ـ أن يبيَّنوا ضعف الاتجاهات المخالفة لهم. وكان من جملة أساليبهم أن يصوِّروا لعامة الناس بأنَّ المذاهب المخالفة لهم مذاهب قائمة على الأهواء والبدع، وأنَّها على الدوام في حالة انشقاق وتمزُّق وتشتت لعدم امتلاكها الأصول الثابتة.

ومن جهة أخرى حاولوا أن يبيِّنوا بأنَّ مذهب أهل السنة بقي مذهباً واحداً نتيجة استمداد وجوده من القرآن.

وتعرّضت الإتجاهات المخالفة لهذه الهجمات، وقد اتبع بعض المؤرخين في تقسيمهم للفرق والمذاهب مقاييس ومعايير يكون مؤدّاها أن هذه الإتجاهات المخالفة قد تفرّقوا إلى فرق عديدة، وأن هذه الفرق كان دأبهم الانشقاق والتفرقة نتيجة اضطرابهم في الأصول العقائدية.

وفي الوقت نفسه تجنّب هؤلاء المؤرخين الحديث عن فرق أهل السنة، رغم كونها تنطبق عليها نفس المقاييس والمعايير التي قسّموا على ضوئها الفرق المخالفة لمذهبهم.

وسوف نحاول فى هذا البحث أن نعرض فرق أهل السنة البارزة، واتجاهاتها القديمة والمعاصرة التي ارتبطت بالواقع والأحداث اليومية، لتتنبه أذهان أهل السنة وتتجنّب الشطط والفتن، وليتعرّف عامة أهل السنة على الحقائق التي حاولت الأقلام المرتزقة إخفاءها عنهم.

على مرّ تاريخ المسلمين، نشأت خلافات ونزاعات وتطاحنات أدت إلى نشوء فرق واتجاهات متعددة بداية من وفاة الرسول (عليه السلام)وحتى اليوم.

والذين سجلوا هذه الحالة في الماضي من الفقهاء والمؤرخين خضعوا لعوامل سياسية ومذهبية حالت بينهم وبين التشخيص الموضوعي لها. سجلوا هذه الحالة من منظور أهل السنة ولم يرصدوها من منظور النصوص.سجلوها من منظور الحكام لا من منظور الواقع. أهل السنة الذين يعتقدون أنهم الطائفة الحقة المنصورة في الدنيا والآخرة. والحكام الذين اعتبروا أنفسهم أئمة المسلمين وحصلوا على مباركة الفقهاء.

من هنا برزت النظرة الأحادية المخاصمة للفرق المخالفة لأهل السنة. ومن هنا أيضاً تم تجنّب المساس بأهل السنة وفرقهم. وجاءت كتب الفرق التي كتبت بأقلام أهل السنة لتعلن الحرب على الفرق المخالفة وتتهمها بالزيغ والضلال.

إلاّ أنه لم يتجه أحد إلى إدخال أهل السنة في دائرة المحاكمة كما أدخلوا هم الفرق الأخرى.

ولم يتجه أحد إلى الشك في معتقداتهم وأفكارهم بفرقهم المختلفة التي تتساوى في معتقداتها وأفكارها مع الفرق الأخرى.

لقد دارت صراعات ونزاعات بين فرق أهل السنة وصلت إلى حد التكفير وإراقة الدماء، وسنتعرض لبعض منها. وسوف نتعرض أيضاً الحالة العقائدية والفكرية لهذه الفرق، تلك الحالة التي تجاوزت حدود النص والعقل، بالإضافة إلى رصد دور الحكام في واقع هذه الفرق وفي مواجهة الفرق المخالفة.

وما نهدف إليه من خلال هذا البحث هو كشف الدور الذي لعبته السياسة والمذهبية في التعتيم على حقيقة الدين وبث الفرقة بين المسلمين وفرض الروايات الزائفة التي ركَّزت العقائد والمفاهيم الفاسدة، وأضفت عليها القداسة بحيث طغت على العقائد الصحيحة والمفاهيم الفاعلة التي تسهم في نهوض الأمة ودفعها إلى الأمام، كماركزت الخلافات والصراعات وبررتها وأعطت السلاح لأهل الفرق ليستبيحوا به بعضهم البعض.

أصل الفرقة والخلاف

كانت فكرة الخلافة بذرة الخلاف الأولى في واقع المسلمين، ولولا تدخُّل الحُكَّام لاستقامت الأُمور ونُبذ الخلاف. لقد لبس الحكام ثوبا الخلافة وبارك الفقهاء هذه الجناية في حق الإسلام والمسلمين.

ومنذ ذلك الحين زُرعت شجرة الخلاف، وأثمرت فرقاً وجماعات متناحرة عوقت مسيرة الأمة وأدّت إلى تخلّف المسلمين. والحكام الطغاة والفقهاء كانا أساس الفرقة والخلاف. الحكام الطغاة بنفوذهم وسلطانهم والفقهاء برواياتهم وفتاويهم. من هنا وجب إلقاء الضوء على صور الخلاف والتناحر التي برزت بعد وفاة الرسول وأثمرت في النهاية هذه الفرق التى نحن بصدد الحديث عنها هنا.

وجب معرفة الدوافع التي أدت إلى بروز فرق أهل السنة وبروز الفرق المخالفة لها المتصادمة معها.

فإن واقع المدينة في حياة النبي (عليه السلام) كان يكتظ بالمنافقين المتربصين بالإسلام والمسلمين.

ولم يكن تيار المنافقين تياراً سرياً، وإنما كان علنياً مفضوحاً بنصوص القرآن التي كانت تتنزل وعلى لسان الرسول(عليه السلام) أيضاً. وليس من السهل على العقل أن يُسَلِّم بأن عناصر المنافقين ورموزهم كانت مجهولة ولم يشر إليها الرسول الكريم بالتحديد وهو يعلم مدى خطورتها على مستقبل الإسلام ووحدة المسلمين.

إذا سلمنا بهذا وجب علينا أن نعلم أن المنافقين كانوا يخططون فى حياة الرسول(عليه السلام) للخروج عن نهج الإسلام وضرب الفكرة التى تقوم عليها وحدة المسلمين وهى الخلافة، وقد حاولوا ضربها في شخص الرسول (عليه السلام) ويظهر ذلك من محاولات الاغتيال التي دُبِّرت له، ومحاولات الدعاية التى كانت تهدف إلى تشوية الإسلام وشخص الرسول(عليه السلام).

انظر كتب السيرة وسيرة ابن هشام. وانظر سورة التوبة وتفسيرها في كتب التفسير وقد أطلق عليها بعض الفقهاء اسم الفاضحة لأنها تفضح الواقع المدني وتعري المنافقين.

 

وإذا كان هذا هو الحال في زمن الرسول (عليه السلام) والوحي يتنزل، فكيف سوف يكون الحال بعد رحيله وانقطاع الوحي؟ لا شك أن دور المنافقين سوف يبرز وبقوة على ساحة الواقع. وهذا هو ما حدث بمجرد أن لفظ الرسول (عليه السلام) أنفاسه، أن ضربت الخلافة حصن المسلمين وحل محلها الحكام الذين احتاجوا إلى الفقهاء من الصحابة ومن التابعين، فبرزت طبقة الفقهاء بجوار الحكام التي تكونت منها فيما بعد فرقة أهل السنة والتي عملت منذ بروزها على التعتيم والتموية على عصر الرسول(عليه السلام) وعصر الصحابة وإضفاء القدسية على العصرين لستر دور المنافقين.

ولقد تبنّى أهل السنة هذا الموقف من أجل الحفاظ على وجودهم ومستقبلهم، فهم إن تخلوا عن عقيدة التعتيم تحت ستار عدالة جميع الصحابة لكشفوا حقيقة المنافقين، وبالتالي تسقط مشروعية الحكام الذين اغتصبوا الخلافة من مستحقيها وانحرفوا عن نهج الرسول (عليه السلام) بعد وفاته.

وتسقط أيضاً مشروعية الحكام الذين جاءوا من بعدهم من بني أمية وبني العباس وغيرهم ممن استمدوا شرعيتهم من حكام المرحلة الأولى وإذا ما سقطت مشروعية الحكام فسوف تسقط من ورائها مشروعية أهل السنة ويفقدون الأمن والحماية التي كانوا يحظون بها في ظل هؤلاء الحكام، وبالتالي يفقدون القدرة على البقاء والاستمرار. وهذه هي أزمة أهل السنة التى تسبّبت فى تعدد فرقها وبروز تيارات مخالفة لها، أي بروز الفرق في واقع المسلمين.

إنّ أهل السنة تبنَّوا أطروحة عاجزة عن مواكبة الواقع، والتغيرات تعتمد على التأويل والتبرير، فمن ثم لم تستطع هذه الأطروحة أن تحقق الاستقرار الفكري والعقائدي للمسلمين فى مواجهة الخلافات والصدامات التي وقعت بعد الرسول بين الصحابة وبعضهم وبين الحكام والمسلمين على وجه العموم.

 

الخلافات والصدامات

الخلافات والصدامات التي وقعت على مستوى الصحابة والتي واجهها أهل السنة بتأويلات وتبريرات كانت السبب المباشر في تصدع الصف الإسلامي وتعدد اتجاهات المسلمين.منها:

1- تنازع في مرضه (عليه السلام) فيما رواه البخاري لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه، قال أئتوني بدواة وقرطاس اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي. فقال عمر: إن رسول الله غلبه الوجع حسبنا كتاب الله وكثر اللغط. فقال النبي (عليه السلام) قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع. قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله(عليه السلام).

انظر: البخاري كتاب العلم. باب كتابة العلم. وشرحه في فتح الباري ج1/208 وج8

2- في مرضه(عليه السلام) أنه قال: جهِّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلَّف عنها، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره.

وقال قوم: اشتد مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته.

انظر البخاري كتاب المغازي وشرحه في فتح البارى ج8/ 152. وانظر طبقات ابن سعد ج2/191. وانظر سيرة ابن هشام وكتب التاريخ فترة وفاة الرسول.

3- فى موته(عليه السلام). قال عمر: من قال إن محمداً مات قتلته بسيفي هذا.

وقال أبو بكر: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.

انظر ابن سعد وابن هشام وكتب التاريخ.

4- في موضوع دفنه (عليه السلام): أراد أهل مكة من المهاجرين ردّه إلى مكة. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه في المدينة. وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنها موضع دفن الأنبياء.

 انظر كتب التاريخ فترة وفاة الرسول.

5- في الخلافة. وأعظم خلاف بين الأمة موضوع الخلافة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الخلافة في كل زمان، وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها. انظر أحداث سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول في كتب التاريخ

6 في أمر فدك والتوارث عن النبى (عليه السلام) ودعوى فاطمة وراثة تارة وتمليكاً أخرى.

انظر البخاري كتاب الخمس. وكتاب الفرائض. ومستدرك البخاري، ومسلم ج3/153.

7- فى قتال مانعي الزكاة فقال قوم لا نقاتلهم قتال الكفرة. وقال قوم بل نقاتلهم.

انظر الخلاف بين أبي بكر وعمر حول قتال مانعي الزكاة في كتب التاريخ عام تولى أبو بكر الخلافة

8- في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها على بيعة عثمان.

وهذه الخلافات وغيرها إنما تصُب جميعها في محيط الخلافة، وقد بُنيت على أساسها مواقف ومعتقدات كان لها دورها الفعَّال فيما بعد في نشأة الفرق الإسلامية.

 

وكان لابد من تجديد الموقف الشرعي الواضح من هذه الخلافات على أساس النصوص الصريحة، إلا أن إختفاء هذا الموقف واكب اختفاء الخلافة، فمن ثم برز مكانه الموقف التأويلي الذي عبّر عن الخط السائد والذي عجز عن تكوين رؤية مقنعة تعبر عن حقيقة الإسلام لا عن مصالح ونفوذ الطبقة الحاكمة.

لقد كانت أول الفرق بروزاً فى واقع المسلمين فرقة القبليين بزعامة عمر بن الخطاب، وهذه الفرقة هي التي أوصلت أبا بكر إلى الحكم وقد احتوت على المهاجرين وبعض القبائل. ثم برزت في مواجهتها فرقة الأنصار التى تكونت من الأوس والخزرج.

ولما استقر الأمر للقبليين ساد النهج القبلي حتى عصر عثمان الذي برزت على يدية فرقة الأمويين التى كانت بزعامة معاوية بن أبى سفيان وقد أخذت دفعتها الأولى على يد عمر بن الخطاب حين قام بتعيين معاوية حاكماً للشام فمنحه القوة والسلطة التى أهلته لتكوين فرقته، وقد استقطب هذه الفرقة الكثير من

المهاجرين على رأسهم عمرو بن العاص وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة بالإضافة إلى أهل الشام.

انظر الإصابة في تمييز الصحابة ترجمة معاوية رقم 8068.

كما برزت في مواجهته فرقة الخوارج التي ضمت الكثير من الأعراب والقبليين الذين يتميزون بضيق الأفق وقلة الفهم والسطحية.

إستتب الأمر لمعاوية أعلن المِلْكية لأول مرة في تاريخ المسلمين وبدأ فى اختراع الروايات بمعونة أبى هريرة وغيره واستخدامها كغطاء شرعي، ومن هنا وضع حجر الأساس لفرقة أهل السنة وانتهى دور الفرق القبلية عدا فرقة الخوارج. وأصبح هناك ثلاثة فرق رئيسية على الساحة الإسلامية:

الأولى نواة أهل السنة، فرقة الشيعة، والثالثة فرقة الخوارج. ثم برزت فرقة المرجئة بعد ذلك كفرقة محايدة تجاه الصراع الدائر بين الفرق الثلاث السابقة.

فرقة معاوية التي لا تعترف بالشيعة والخوارج، وفرقة الشيعة التي لا تعترف بمعاوية والخوارج، وفرقة الخوارج التي تُكفِّر الفرقتين. وقد احتوت المرجئة عدداً من الصحابة والتابعين الذين وقفوا على الحياد تجاه الصراع الدائر على الساحة.

وجاء بعد ذلك الحسن البصري ليبرز بفرقته التي تميل إلى الزهد والعزلة عن الواقع والبعد عن متاهات السياسة.

وانشق على البصرى واصل بن عطاء واصطدم به حول الموقف من صاحب الكبيرة والإشارة بالكبيرة كان يقصد بها الحكام الذين ارتكبوا الكبائر في حق الإسلام والمسلمين دون أن يظهر الموقف الشرعي المطلوب تجاههم، فأثار البصرى هذه المسألة من باب إيقاظ العقل المسلم من سباته الطويل منذ معاوية وحتى عصره وقام بعد ذلك بتأسيس فرقة المعتزلة. وكان قد برزت فى ذلك الوقت فرقة الأحناف بالعراق وفرقة المالكية بمدينة الرسول(عليه السلام). وكَرَدْ فعل لفرقة المعتزلة برزت فرقة أهل الحديث التي صبت جهودها فى مجال الرواية وتحجيم دور العقل وكانت نواة فرقة الحنابلة فيما بعد.

ثم برزت بعد ذلك فرقة الشافعية في العراق ثم فى مصر والحنابلة في العراق والسفيانية في العراق والأوزاعية في الشام.

وفي مواجهة هذه الفرق السنية برزت فرقة الجبرية وفرقة القدرية، ثم فرقة الأشاعرة السنية التي حاولت التوفيق بين النقل والعقل، ولحقت بها فرقة الماتردية التى برزت في بلاد ما وراء النهر.

وقامت حكومات في بلاد المشرق تبنّت الفرقة الحنفية فى الفقة والفرقة الماتردية في الاعتقاد.

وقامت حكومات أخرى في الشام ومصر تبنت الفرقة الشافعية في الفقة والفرقة الأشعرية في الاعتقاد.

وقامت حكومات ثالثة في بلاد المغرب والأندلس، فتبنت الفرقة المالكية في الفقة والأشعرية في الاعتقاد.

وهكذا أسهمت السياسة فى سيادة الفرق السنية وانتشارها على حساب الفرق الأخرى.

وهذه الفِرَق مجملة هي التي ظلت ترتع في واقع المسلمين حتى بروز فرقة ابن تيمية في القرن الثامن الهجري والتي ضُرِبت في حينها ثم عادت للبروز من جديد في إطار الفرقة الوهابية التي تولد منها العديد من الفرق السنية المعاصرة مثل:

فرق الإخوان، وفرقة أنصار السنة، وفرقة السلفيين، وفرقة الجهاد، وفرقة الشريعة المحمدية،  وفرقة أهل الحديث بالإضافة إلى فرق سنية أخرى خارج دائرة الوهابية مثل الفرق الصوفية وفرقة حزب التحرير وفرقة التكفير وفرقة القطبيين وفرقة الجمعية الشرعية وفرقة الأزاهرة في مصر وفرقة النورسية في تركيا والجماعة الإسلامية في باكستان ومصر.

وكما كان أهل السنة في الماضي هم سبب الخلاف والتعددية، أصبحوا اليوم أيضاً من أسباب الفرقة والخلاف فى واقع المسلمين بل أن الحالة انعكست عليهم فأصابهم بالفرقة والشتات بصورة لم تحدث لهم من قبل. ولم تحقق لهم حالة الأمن والاستقرار والانتشار التي عاشوها في حماية الحكام الوحدة المنشودة والتماسك الفكري والعقائدي

 

ومما سبق يمكن القول أن السبب المباشر في حدوث الفُرقة والخلاف في واقع المسلمين يكمن فى الانحراف عن فكرة الخلافة، ذلك الانحراف الذي بدأ على يد فرقة القبليين التى سلمت الأمور لفرقة الأمويين التي استثمرت الرواية لتتسلم الدفة منها فرقة العباسيين وتبرز فى ظلها فرق أهل السنة التي اعتمدت على الروايات الموروثة من العصر الأموي والتي برزت في العصر العباسي لتؤسس معتقد انحصار الخلافة في الحكام.

نكتفى بهذا القدر ولنا لقاء آخر إن شـاء اللـه وإن كان فى العمر بقية..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اجمالي القراءات 16014

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (8)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الخميس 19 نوفمبر 2009
[43675]

صدقت أستاذنا فهذا تصحيح مفيد

نفهم مما سبق أن ارتباط بعض الفرق بالسياسة أو الحكام كانت بداية شرارة الاختلاف والفرقة ،فالمبدأ السياسي يلتزم بقاعدة فرق تسد وأهل السنة والجماعة كانت تنظر لكل الفرق من عليي فهي كانت ولاتزال هي المحظية لأغلب الحكام .. موافقة لميولهم وأهوائهم تفصَل وتدبر الفتاوى الازمة كي بحافظوا على ملكهم وعروشهم ، أي : "شيلني وأشيلك" لكن ما لفت انتباهي ما كانت تصف به الخوارج من وصف لازال يستخدم حتى الآن في منتدياتها فتطلق عليهم الرافضة فهل هذا من وقت رفضهم التحكيم بين علي ومعاوية ؟ أيضا المعتزلة لم يحظوا بأي قبول عند أهل السنة فنعتوهم بأقبح الألفاظ لكن أعجبتني قصيدة صغيرة لأبي الحسن البصري يبرر فيها عدم ذهابه للجهاد تقول :


لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنهن من الصغار


أحاذر أن يربن الفقر بعدي وأن يشربن رنقا بعد صاف


وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف


ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كاف

 


2   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   الخميس 19 نوفمبر 2009
[43677]

الأخت العزيزة الأستاذة عائشة حسين

أختنا الكريمة الأستاذة عائشة سلام اللــه عليك


أشكرك من كل قلبى على هذه المداخلة وفعلا صدقت فى كل ما قلتيه وهناك ما هو أكبر من ذلك فبإذن اللــه لنا تكملة فى هذا الموضوع لأهميته بالذات للمسلمين الذين يتبعون غير القرءآن الكريم ولعل وعسى أن يستفيدوا ويعملوا عقولهم بدلا من السير وراء هذا وذاك ويعودوا إلى كلام رب العالمين، وفعلا هذه القصيدة التى ذكرتيها سيادتكم تضرب على الوتر الحساس.


أستاذة عائشة أكرمك اللــه وجزاك كل الخير وتقبلى منى كل تقدير وإحترام.


أخوكم محمد صادق


3   تعليق بواسطة   ابراهيم دادي     في   الخميس 19 نوفمبر 2009
[43679]

أخي الحبيب الأستاذ محمد صادق، تحية من عند الله تعالى عليك،

أخي الحبيب الأستاذ محمد صادق، تحية من عند الله تعالى عليك، وشكرا على ما جادت به قريحتك وخطت أناملك المباركة، وأزيد ملاحظة كانت تراودني منذ بلوغي سن الحلم، حيث قرأت في الصفوف الأولى عن سقيفة بني ساعدة التي كانت بداية تفرقة المسلمين، ( فتعجبت) لأن الذين تفرقوا كانوا ممن اصطحبوا رسول الله عليه السلام، ورغم أنه عليه السلام قد بلّغ لهم ما أنزل إليه من ربه، وأكمل بذلك دين الله تعالى، لكن كثرة الخبيث والمنافقين أبوا إلا أن يفرقوا المسلمين إلى شيَّع ومذاهب ما أنزل الله بها من سلطان، فأصبح كل حزب بما لديهم فرحين.

شكرا لك أخي الحبيب الأستاذ محمد صادق مرة أخرى على هذا المقال الصادق.


4   تعليق بواسطة   أيمن عباس     في   الجمعة 20 نوفمبر 2009
[43701]

ما أشبه اليوم بالبارحة

كان الحسن البصري يهدف إلى تنشيط العقل بعد طول ثبات ، ما أشبه اليوم بالبارحة !!! هو يعلي من قيمة العقل فكان الاتجاه المعاكس الذي ولد كي يقاوم هذه الاتجاه العقلي ـ أنصار الحديث ـ ضاربا عرض الحائط بالعقل ومعليا من الرواية أو الحديث وكان ذلك بداية فرقة الحنابلة وقدكان انتشارها في بداية الأمر في العراق ، ولكن انشقاق واصل بن عطاء على الحسن البصري حول مسألة الكبيرة ليس فقط لذاتها  لكن ربطها بالحكام وهو ما أثار غضب واصل !! كان يقصد إثارة العقل لا خروج واصل بن عطاء ، لكنه يا سيدي  الواقع المعاش الذي نعاني منه حتى الآن وهو ما يتسم بضيق الأفق واعتزاز كل واحد برأيه وعدم وضع العقل في موقعه المناسب الذي جاء القرآن ليعلي من قيمته ويدعونا إلى ضرورة استخدامه . فما أشبه اليوم بالبارحة


5   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   السبت 21 نوفمبر 2009
[43718]

الأخ محمد صادق

أشكرك على مقالتك القيمة ,حيث لخصت لنا تاريخ الاختلاف والخلاف بين فرق المسلميين .لكن في الحقيقة أرى أن ما حصل كان لابد أن يحصل....لإن طبيعة البشر على ما يبدوا هو ميلهم الى تحقيق مصالحهم من خلال استغلال مواقعهم السياسية والقيادية  أو أستعلال الدين لهذه الغاية,وهذا  ماقرأنا عنه في سيرورة التاريخ البشري ,وخاصة تاريخ الديانات السماوية .بانتهاء مهمة الوحي وانتقال النبي أو الرسول الى الرفيق الأعلى ...يبدأ الفهم البشري بالتفاعل مع حركة الحياة المستمرة ,ويبدأ قانون المصلحة الشخصية والفئوية بالعمل ....والنتيجة  طوائف ومذاهب ,وشيع ...الخ.


أعطني مثالً واحداً من التاريخ يخالف هذا القانون.ودائماً أمام هذا الكم من التفرق والتشرذم ,تبرز قوى واعية تحاول بفهمها المستند الى المرجعية العلوية , مع تصديق النص مع حركة الواقع ,الى أعادة الأمور الى وضعها الطبيعي .وهؤلاء هم في الحقيقة دائماً قلة....لكنهم قادرون على التأثير والتغير.


وستبقى الأمور هكذا حتى نهاية  الحياة على هذه الأرض.وبعد ذلك لكل صيحفة أعماله


6   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   السبت 21 نوفمبر 2009
[43735]

أخى الحبيب الأستاذ إبراهيم دادى

أخى الحبيب الأستاذ إبراهيم دادى سلام اللــه عليك، أشكرك شكرا جزيلا على هذه المداخلة والكلمات الطيبة وفعلا الإختلاف هو من أهم اسباب التأخر والفرقة ولقد إستغلت النفوس الضعيفة المغرضة هذه الفرقة والمشاحنات فقد تدهورت الأمة الإسلامية وتخلفت ولكن لا ألوم اى أحد إلا المسلمين أنفسهم الذين فرطوا فى معتقداتهم وأهملوا رسالة السماء إلى الأرض وإتبعوا ما لا يضرهم ولا ينفعهم.


أخى الحبيب نحن فى جهاد مستمر واللــه المستعان،


لك منى كل تقدير وإحترام


7   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   السبت 21 نوفمبر 2009
[43736]

الأخ الخبيب الأستاذ أيمن عباس

أخى الحبيب الأستاذ أيمن جزاك  اللــه كل خير على هذه المداخلة وفعلا صدقت أخى العزيز ما أشبه اليوم بالبارحة وأدعو اللــه السميع العليم أن يسدد خطانا ويصلح أحولنا ويهدى كل من يريد الهداية وإتباع الحق السماوى. أخى الحبيب لا نلوم إلا أنفسنا فقد قصرنا وأهملنا وإتبعناغير كلام اللــه فكانت الطامة الكبرى ..الفرقة والإنحلال والبعد عن رسالة السماء.


أشكرك شكرا جزيلا ووفقك اللــه لما يحبه ويرضاه،


تقبل منى الف تحية وكل التقدير


8   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   السبت 21 نوفمبر 2009
[43737]

أخى العزيز الأستاذ زهير قوطرش

أخى الحبيب زهير أشكرك على هذه المداخلة التى أفاضت بهذه المعلومات المهمة جدا فى نظرى وأشكرك على تفضلك بهذا.


أخى الحبيب اوافقك على كل ما ذهبت إليه، وأود أن اشير إلى نقطة قد ذكرتها وهى


 "ودائماً أمام هذا الكم من التفرق والتشرذم ,تبرز قوى واعية تحاول بفهمها المستند الى المرجعية العلوية , مع تصديق النص مع حركة الواقع ,الى أعادة الأمور الى وضعها الطبيعي .وهؤلاء هم في الحقيقة دائماً قلة....لكنهم قادرون على التأثير والتغير."


هذه هى القلة الذى لابد أن يكون التركيز عليها والبذل الجهد الكافى لإنجاحها وإذا كانت هذه القلة صادقة مع اللــه سبحانه فوعده بالتمكين حق وكما قال العلى القدير:


" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ .... " ولكن بشرط وهو:


يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " الروم (55)


هذا هو وعد اللــه ووعد اللــه حق وعلى هذه القلة أن تستمر وتجاهد وأيضا لاننسى تذكرة اللــه لنا " لا تقنطوا من رحمة اللــه " فاللـــه قادر على أن يغير التاريخ ولكن لا بد من أن نُغير أنفسنا أولا.


أخى الحبيب بارك اللــه فيك وتقبل منى كل تقدير وإحترام


أخوك محمد صادق


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-10-30
مقالات منشورة : 396
اجمالي القراءات : 5,154,363
تعليقات له : 682
تعليقات عليه : 1,369
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada