خاتمة ج 1 من كتاب(البحث في مصادر التاريخ الديني: دراسة عملية):
عدة حقائق عن التاريخ الديني ( 1 من 2 )

آحمد صبحي منصور في الخميس 07 نوفمبر 2019


عدة حقائق عن التاريخ الديني ( 1 من 2 )

خاتمة ج 1 من كتاب(البحث في مصادر التاريخ الديني: دراسة عملية)

 فى ختام هذا الكتاب نود أن نقرر عدة حقائق نتمنى أن توضع في الاعتبار لدى باحثي التاريخ الديني :

أولاً :أن القرآن الكريم هو وحده الحكم الذي نلجأ إليه في أمور العقائد الدينية :

1 ـ يتحدث ربنا  جل وعلا عن قضية عقيدية وهى اتخاذ الأولياء فيقول : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الشورى9) ثم يعقب بقوله تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) الشورى10).

2 ـ وقد أنزل ربنا تعالى التوراة والإنجيل ، وأوكل بحفظهما العلماء من أهل الكتاب ، فكان أن حرفوا فيها بشركهم وكفرهم. وأنزل الله تعالى القرآن الكريم وصانه عن الزيف والتحريف البشرى ، وضمن حفظه ، وجعله مهيمناً على التوراة والإنجيل :(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ )..المائدة48) فالقرآن هو الحكم في التاريخ الديني لأهل الكتاب ، وهو الفيصل الذي يُرجع إليه فيما ورد في التوراة والإنجيل .

3 ـ وقد انتشر الإسلام بين أحفاد أهل الكتاب في الشام والعراق ومصر وسائر أنحاء العالم , ودخل في الإسلام أصحاب الأهواء ، وقد حاولوا التزييف في القرآن وتعاليم الإسلام بمثل ما حاول أسلافهم في التوراة والإنجيل ، ولم يستطيعوا النيل من النص القرآني المحفوظ بقدرة الله تعالى ، فحاولوا جهدهم في التفسير فظهر ما يعرف بالإسرائيليات في التفسير , ثم ظهر جهدهم فى الأحاديث .

4 ـ والرسول عليه السلام كان متبعا للوحي (.. ِإنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ).(  الأنعام50 ،يونس15،الأحقاف9) وإيماننا بالرسول عليه السلام وحبنا له يوجبان علينا أن نؤمن بصدقه في إتباع الوحي ، وأنه لا يمكن أن يقول ما يخالف كلام الله جل وعلا ، وهو أول الناس حرصاً على طاعة الله وتصديق وحيه , ومعناه أن ما نسب للرسول من كلام يخالف القرآن الكريم إنما  هو زيف مختلق يعبر عن عقائد واضعيه والمحتجين به ولا يمكن أن يعبر عن الرسول عليه السلام. 

ثانياً :إن القرآن الكريم هو المصدر الأساس للتاريخ الديني:

1 ـ ليس فقط لأنه أصح المصادر وأصدقها وأنزهها عن التحريف ، ولكن لأنه أيضاً قد حوى وقائع مفصلة عن الحياة الدينية منذ عهد آدم إلى البعثة النبوية ، وتضمّن أحكاماً عامة على البشر يستفاد منها استمرارية العقائد الشركية إلى قيام الساعة بنفس المضمونات السابقة للمشركين الذين تحدث القرآن عنهم .

2 ـ  ثم إن القرآن الكريم لم يقتصر على وصف الحياة الدينية واتخاذ الآلهة والأولياء والأصنام والأنصاب وإنما وصف تأثير الشرك العقيدي في الفساد الخلقي ، فقصّ انحرافات قوم لوط في الشذوذ الجنسي ، وقوم مدين في بخس الكيل والميزان ، وفرعون موسى في قتل الأبناء واستحياء النساء ، وأشار الى وأد العرب للبنات ، وغير ذلك من مفاسد ارتبطت بالفساد العقيدي ، حيث كان نُصح الرسل ينصب على إصلاح العقيدة والأخلاق معاً . أي أن القرآن الكريم غطى الحياة الدينية والحياة الخلقية معاً باعتبار أن التقوى تشمل العقيدة الصحيحة والسلوك الصحيح معاً , وما ينتشر في عالمنا المعاصر من عقائد منحرفة وسلوكيات منحرفة دليل على صدق النظرة القرآنية في ارتباط العقيدة بالأخلاق إن خيراً وإن شراً .

ثالثاً : إن العقل المنزه عن الهوى هو الأساس الذي يعتمد عليه في البحث في مصادر التاريخ الديني .

1 ـ ونؤكد على أهمية العقل المنزه عن الهوى في بحث الأمور الدينية لأن العقائد بالذات مرتبطة بعاطفة الإنسان وميوله الوجدانية . والعاطفة والوجدان هما الهوى , ولا يتحكم الهوى إلا في الإنسان المشرك .

2 ـ والمفروض أن يكون الإنسان بعقله وعاطفته مع الحق والخير الذي ارتضاه الله لخلقه وأنزل في ذلك قرآناً كريماً نزّهه عن التحريف والتزييف ، وضمن حفظه من عبث العابثين ثم دعا خلقه لتدبر القرآن . والتدبر عملية عقلية يقف فيها الإنسان العاقل تلميذاً أمام القرآن يأخذ منه بعقل واع الأحكام والأقوال ويطبقها على كل الناس ، فيقيم ما أقامه القرآن ويهدم ما هدمه القرآن , ولا يهتم إذا كان ذلك المستحق للهدم مقدساً عند الناس تعارف الناس على تقديسه قروناً ، فكلام الله هو الأقدس، وهو الذي يعلو ولا يعلى عليه، وهو وحده الذى يجب الإحتكام اليه فى الاصلاح  .

3 ـ وبقدر ما أعلى القرآن من العقل المستنير وعوّل عليه بقدر ما احتقر المشركين الذين تسلطت عليهم أهواؤهم فأصبحوا بها لا يعقلون ولا يفقهون ولا يعلمون , حتى أن القرآن يجعلهم كالحيوانات بل أسوأ , لأن الحيوان حُرم من العقل ، أما أولئك فقد أعطاهم الله عقلاً فعطلوه , يقول تعالى( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً  ؟، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ).. الفرقان43، 44 ) وفعلاً .. فإن الحيوان لو عقل لرفض أن يسجد لما يصنعه بيديه من أحجار ، أمّا المشرك الذي تحكم فيه هواه وسيطر عليه فنراه يقيم الأضرحة على جثث بالية أو ربما على لا شيء، ثم يدور حول تلك الأضرحة متبركاً متوسلاً ، يقبّل المقصورة ، وهى من زجاج وخشب ورمل وحصى وأحجار , وإذا نصحه أحد بالحق ثار وأرعد واربد , مع أنه لو تحرر من هواه واستعمل عقله الذي عطّله لتبين أنه يتبرك بمواد بناء صنعها بيده وأن الزجاج والخشب والأحجار في المقصورة لا تختلف عن الزجاج والخشب والأحجار في أي بناء آخر من مساكن أو مصانع أو مزارع ، وإن كان تحت القبة شيخ ميت فالميت قد تحول إلى تراب ، وإذا كان لا يصدق فعليه أن يتأكد بنفسه من إلهه الذي يتبرك بالمقصورة المقامة فوقه،  ثم يسأل عقله ماذا لو أخرجت جثة الولي الذي يتبرك به هل يستطيع أن يتبرك بها ؟ بل هل يستطيع أن يدنو منها ؟!!. إن عظام الولي المدفون إذا خرجت للعراء لولى المشركون أمامها الأدبار قرفاً وخوفاً .

4 ـ نقول أن الهوى يطمس العقل ويعطله تماماً ويجعل الإنسان أضل من الحيوان سبيلاً . بل ربما يكون المشرك على علم ، ويستخدم علمه في الإضلال ، وبما أوتى من فصاحة وبيان يحرف الكلم عن مواضعه ، ويستشهد بالأحاديث الموضوعة المكذوبة . وهذا الصنف من العلماء تجده عالماً في غير العقيدة فإذا تحدث عن عقيدته التي سيطر عليه هواه فيها تراه وقد تحول إلى عامي جاهل يقول التخريف ويدافع عنه بحرارة تذيب الأكباد , مثل هذا الصنف من العلماء استحق من القرآن المزيد من الاحتقار، يقول فيه ربنا جل وعلا : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ) الجاثية23 )، ويقول تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ)الأعراف 175: 177 ).

5 ـ من هنا يبدو دور العقل المستنير الذي احتكم إليه القرآن الكريم في بيان زيف الآلهة المعبودة وكيف أنها لا تضر ولا تنفع , بل إنها مخلوقة بيد من يعبدها.  أقرأ مثلاً قول إبراهيم عليه السلام لقومه (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ؟ ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )الصافات 95 ، 96) وتفكر بعقلك المجرد عن الهوى كيف أننا نقيم بأيدينا القبور ونعلق عليها الستائر والمقاصير ثم ندور عليها تقبيلاً وتقديساً . ولقد مررت بنفسي على ضريح في الدراسة كان يقام داخل مسجد على جثة الشيخ صالح الجعفري السوداني ، ورأيت العمال وهو يعملون في حجرة المدفن وقد علوا بأقدامهم وأحذيتهم بناء المقصورة ، وقد علقوا المسجلات عليها وصوتها يعلو بالأغاني الخليعة ، وهم يتندرون كالشأن بهم حين يعملون في أي مكان . وضحكت سخرية من حالنا وأنا أعرف ماذا سيحدث بعد إتمام بناء الضريح , وفعلاً بعد شهور مررت على الضريح فوجدت الجموع تتبرك بما كانت أقدام الصناع تدوسه منذ شهور ، ورأيت بعض العلماء والقُرّاء جالسين أمام الضريح في خشوع يقرءون ويتأوهون . ووقفت أتأمل المنظر حسرة على الناس وما فعلوه بأنفسهم ومن فرط استغراقي كاد أن يصدمني ( حمار ) يجر عربة ، ونظرت للحمار ونظرت للطائفين حول الضريح، وأحسست إلى أي مدى كيف ظلمنا الحمير وهى أفضل من كثيرين .

رابعاً :إن الحقيقة العلمية في التاريخ الديني تنتمي للعقيدة الاسلامية ولا تنتمي للتاريخ .

1 ـ فالحقيقة التاريخية نسبية ، تحتمل القولين وأكثر ، وليس هناك من معيار سابق تقاس به الحقيقة التاريخية إلا بما يفيد الترجيح ويصل بالظن إلى ما يقترب من التأكيد ، ولا يمكن أن تكون هناك حقيقة تاريخية يقينية غير قابلة للشك والاحتمال . من هنا تتعدد الروايات التاريخية في الحادثة الواحدة ويكمن جهد الباحث في الترجيح بينها وإظهار أكثرها حظاً من الصدق .

2 ـ أما في التاريخ الديني فالأمر مختلف , فإذا كان التاريخ العادي في أغلبه حوادث ووقائع فإن التاريخ الديني في أساسه أقوال ،  والحوادث في التاريخ العادي تحتمل شتى الظروف ، أما الأقوال فإن ثبتت نسبتها لصاحبها حكمت له أو عليه ، وهى بين أمرين لا ثالث بينهما : إما أن تكون صحيحة مائة فى المائة ( قرآنا ) وإما أن تكون باطلة مائة فى المائة فى نسبتها الى الله جل وعلا أو رسوله .

3 ـ والتاريخ العادي يفتقر إلى ميزان محكم دقيق متفق عليه يمكن التحاكم إليه , فالحاكم الفلاني  شن حرباً فإلى أي حد كان مصيباً أو كان مخطئاً ؟ تتعدد الآراء وتختلف تبعاً للمصالح المتعارضة بين الوطن والحاكم , أو بين المفروض والواقع أو بين الأحلام المرجوة والإمكانات الموجودة ،أو بين النية الحقيقية في إعلان الحرب والأهداف المعلنة ، فلا يوجد ميزان دقيق يمكن أن نحاسب على أساسه أبطال التاريخ السياسي والاجتماعي وليس أمامنا إلا الترجيح ونسبية الحقائق والأحكام . أما التاريخ الديني فشأنه مختلف ، إذ أن القرآن الكريم – كلام الله تعالى المعجز – هو الذي نحتكم إليه في أمور العقيدة ، وهو كتاب واضح مبين لا عوج فيه ولا اختلاف ، وقد فصّل القول في عقائد المشركين بما ينطبق على المشركين إلى قيام الساعة. فى بحث أحوال المشركين وتاريخهم بعد نزول القرآن فلا يحتاج منا الأمر إلا خطوتين : الأولى التحقق من نسبة الأقوال والأفعال التاريخية لأصحابها , والثانية عرضها على القرآن الكريم ، وهو الميزان ، لنأخذ منه الحكم .

4 ـ وهو هنا حكم يقيني لا يلحقه الشك أو الاحتمال بأي صورة من الصور . فأقوال فلان ثابتة عليه في مؤلفاته ورويت عنه بالتواتر وهى لا تختلف عن أقوال رفاقه , ثم أن الحكم القرآني على هذه الأقوال موجود في كلام الله الصادق المصدق . وهنا لا مجال للتأويل وأنصاف الحلول ، فالعقيدة  الاسلامية ( لا إله إلا الله ) لا توسط فيها فإما إيمان وإما كفر (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ) يونس32 ؟ ) .

5 ـ وعلى سبيل المثال لنتخلص من أهوائنا وما وجدنا عليه آباءنا من تقديس للأولياء الصوفية ، ولنرجع إلى فصل المناقب في هذا الكتاب ، وما ورد فيه من أقاويل لإبراهيم الدسوقي يجعل فيها نفسه متصرفاً في ملك الله مخلوقاً من نور الله الإلهي , وقد وردت هذه الأقاويل في كتابه ( الجوهرة ) ونقلت عنه في مؤلفات أخرى لاحقة ترجمت له , ثم إن هذه الأقوال لا تختلف عن أقوال الصوفية الآخرين . إذن فهي ثابتة في نسبتها إليه . ثم أعرض هذه الأقوال على القرآن لتجد حكماً مناسباً لصاحبها ، وسيكون الحكم الذي تصل إليه حقيقة مطلقة ، لأن الحيثيات هنا لا مجال فيها للنسبية أو الاحتمالات فيها .

6 ـ ولكن الهوى الدينى عدو مبين لهذا . الذى يقدس الصوفية أو غيرهم ينكر الحق الواضح ، فالحقيقة التاريخية الدينية التى يتوصل اليها الباحث الموضوعى إما أن يصدق بها المرء بعقله وقلبه وإما أن ينكرها بهواه الذي يسيطر عليه ويجعله يعطل عقله وعلمه . وذلك بدليل أننا نفزع من إصدار حكم بالكفر على ولي صوفي مشهور مثل إبراهيم الدسوقي، لأننا ألفنا وتعوّدنا وعشنا على أنه ولي صالح يستحيل عليه الخطأ . وإذا تخلصنا مما تعودنا عليه فذلك شيء عسير ، والأكثر عسراً أن نتخلص من أهوائنا ، وهى تعطل فينا ملكة العقل والعلم والفهم وتجعلنا ننكر الحق الواضح ، ونعتذر عن الدسوقي بشتى المعاذير ، ونؤول كلامه أو ننكر نسبته إليه ، والمهم أن نحافظ على صورته في قلوبنا وأهوائنا كما تعودنا .

7 ـ ولقد قلت في فصل المناقب أن ذوق عصرنا يأبى هضم ما جاء في المناقب التي كتبت في العصرين المملوكي والعثماني،  حيث كان الولي مقدساً تمام التقديس وله الحرية في أن يقول ما يقول ، وكلما كان أكثر جرأة على الله في شطحاته كلما تعاظم تقديسه عند الناس . أما عصرنا فقد تراجع تقديس الأولياء وبدأت صحوة وأصبح بها  للعقل مكانة فاضطر الصوفية للاعتدال . وقد حاول بعض الصوفية في عصرنا أن يردد كلام الشعراني والدسوقي في عبادة المريد لشيخه مثلما فعل الشيخ خطاب والسبكية فواجهوا هجوماً مريراً وسخرية مقذعة فكان أن تراجعوا سريعاً .

8 ـ وإذا كان عصرنا يأبى على الصوفية فيه أن يشطحوا في كفرهم بمثل ما كان أسلافهم يقولون في العصرين المملوكي والعثماني فإن عصرنا في نفس الوقت لا يزال يحتفظ بالذكريات الطيبة لصوفية العصر المملوكي بناءاً على ما ترسب في عقيدته عنهم من تقديس أستمر عدة قرون . ولهذا يرفض المساس بهم  , وحتى إذا اقتنع بعض الناس بفساد عقيدة أولئك الصوفية فإنه يرى أنها قضية لا تستحق المناقشة , والمهم عنده حال المسلمين اليوم .

9 ــ ونحن نخالف هذا الرأى، فإصلاح العقيدة الدينية للمسلمين وتطهيرها من تقديس غير الله هو البداية الصحيحة لكل إصلاح ، وأي إصلاح يهمل إصلاح العقيدة فلا طائل من ورائه ، ولن يكون أكثر من عملية تجميل لمريض ميئوس من علاجه. ولا يبدأ إصلاح العقيدة إلا بإظهار التعارض بين عقائد المسلمين و( لا إله إلا الله ) ، ومن وسائل الاصلاح توضيح حقيقة الأولياء المقدسين عند الناس وتلك مهمة التاريخ الديني.

10 ـ فالتاريخ الديني   ــ إذا وجد رجالاً مخلصين  ــ كفيل بإصلاح العقيدة الدينية ، فمصادره موثقة وهى كتاب الله تعالى الصادق المصدق ، وكلام الصوفية وغيرهم ، والذى يتردد في كل تراثهم ، سواء كلام الشيعة المثبوت في مصادرهم ، أو الأحاديث المنسوبة بهتانا للرسول عليه السلام . ولا يستطيع أحد أن ينكر نسبته إلى أصحابه ، فالكتب منشورة بأسماء أصحابها ، والقرآن معنا ، والإحتكام اليه فريضة ، وإن كانت منسية . والأهمية القصوى فى العقل المستنير الذي يأتي بالحقيقة العلمية التاريخية المطلقة التي لا مجال فيها للتوسط أو الاحتمال . وبتلك الحقيقة الثابتة تنقشع ظلمات الخرافة وتهتز مألوفات العادة وما وجدنا عليه آباءنا والذى حسبناه ديناً  ، وإذا هو ضلالات وخزعبلات آن لنا أن نتخلص منها إذا أردنا العزة والتقدم .

اجمالي القراءات 736

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4159
اجمالي القراءات : 37,121,576
تعليقات له : 4,471
تعليقات عليه : 13,184
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي