استخدام دون في الذكر الحكيم:
معاني كلمات القرأن الكريم : دون , من دون

أبو علي محمد علي في الجمعة 03 نوفمبر 2017


بسم الله الرحمن الرحيم

 

كما قلت في مقالات سابقة  (و أعود و أذكر) لا يوجد ترادف في القرأن الكريم و كل كلمة تحمل معنى معين و محدد ,تحديد المعنى الدقيق لكل مفردة في القرأن الكريم سيوصلنا بأذن الله للفهم الأقرب للصواب لكلام رب العالمين .

هذا المقال من سلسلة مقالات أكتبها كمقدمات لقصة ذي القرنين ,و ذلك لشرح المفردات التي أتت في قصته و الا سيكون المقال ضخما للغاية.

كلمة اليوم هي "دون" و التي ذكرت عشرات المرات في كتاب الله عز و جل ,و فهم استخدامها يفسح المجال لازالة الغموض الذي يقع فيه الكثيرون في فهم الكثير من الأيات في القرأن الكريم.

 

1.دون :

ذكرت "دون" لوحدها 7 مرات في القرأن الكريم و تحمل في هاته الحالة معنى :عدا(من الاستثناء)غير(من المغايرة) مع عدم بلوغ نفس المنزلة (أي الأول أقل شأنا من الثاني).

أمثلة :

وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا

الجن 11

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

الطور 47

أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)

الصافات

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)

السجدة

2.ما دون :

ذكرت مرتين في القرأن الكريم و تحديدا في سورة النساء و تحمل معنى "ماعدا" و مع عدم بلوغ المنزلة(الأول أقل منزلة من الثاني) في قوله جل و علا :

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا (48)

 

3.من دون :

عند استخدام حرف الجر "من" قبل "دون" يصبح المقصود من استخدام "من" هو الذي يحدد المعنى للكلمتين سويا .

فحرف الجر "من" يستخدم للبدل مثل قوله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

هنا "من" تحمل معنى "بدل".

و حرف الجر "من يستخدم للتبعيض مثل قوله تعالى :

  وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)

هنا"من" تحمل معنى "بعض".

فبناءا على استخدام حرف الجر"من" يتغير معنى "من دون" و دائما مع وجود فارق المنزلة  فنجد أنفسنا أمام حالتين :

 

الحالة 1:"من دون" بمعنى "بدلا عن" :

في هذا المثال حرف الجر "من" يخدم البدل ,أنظر قوله تعالى :

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81)

أي ما معناه انكم لتأتون الرجال شهوة بدلا عن النساء.

لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ

أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء بدلا عن المؤمنين

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94)

أي ان كانت لكم الدار الأخرة عند الله خالصة بدلا عن الناس فتمنوا الموت ,و المخاطب هنا بنو اسرائيل و قلنا أن الأول أقل منزلة من الثاني فتفهم مباشرة أن بني اسرائيل قالوا :نحن أعلى منزلة من الناس (أو شعب الله المختار مثلما يقولون) و هذا تنفيه الأية و كذلك تنفيه القاعدة الأيمانية : ان أكرمكم عند الله أتقاكم.

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

نفس الشيء هنا , و الكلام هنا عن كافرين لا يعبدون الله تعالى مطلقا بل يعبدون ألهتهم , و سنوضح في الحالة 2 استخدام "من دون" للدلالة عن المشركين.

 

الحالة 2 :"من دون" بمعنى " من الذي أقل منزلة من.." :

في هذا المثال حرف الجر "من" يخدم التبعيض , أنظر مثلا قوله تعالى :

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

أي لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من الذي أقل منزلة من الله , و واقع الحال أن الكل مخلوق و الله وحده الاله الخالق فكل شيء أقل منزلة من الله جل و علا فكيف يتخذ غيره أربابا ؟؟؟؟.

   وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

هنا مثال أخر يبين الفرق بين استخدام البدل و استخدام التبعيض ,فلو كانت "من دون" هنا تخدم البدل لأصبح المعنى :اتخذوني و أمي الهين بدلا عن الله ,و لكن كونها تخدم المنزلة يصبح المعنى :اتخذوني و أمي ألهين من الذي أقل منزلة من الله (الناسوت في المسيحية أو الحالة البشرية للاله ) و الله أعلم.

وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (37)

 سأقول لك أخي القارئ : لو استخدمت معنى "من دون" في اللغة العربية وفق قواعد النحويين ستقع في كارثة كبرى , هنا معنى الأية :و ما كان هذا القرأن أن يفترى من الذي هو أقل منزلة من الله , و أظن أن المقصود : ما كان لمحمد أن يفتري هذا القرأن.

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90)

هنا أيضا "من دون" تخدم المنزلة  و يأتي معنى الأية كالأتي :

حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من الذي هو أقل منزلة منها سترا. و على عكس الفهم الشائع ربنا جل و علا قال : "من دونها" و لم يقل "منها" ,و كلنا يعلم مدى دقة النص القرأني.

 

أرجو أن أكون وفقت في شرحي لمفهوم كلمة "دون" في الكتاب العزيز .

هذا و الله تعالى أعلم.

اجمالي القراءات 2282

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-04-25
مقالات منشورة : 25
اجمالي القراءات : 67,573
تعليقات له : 32
تعليقات عليه : 27
بلد الميلاد : دزاير
بلد الاقامة : دزاير