ج1 ب2 ف 3 : الصوفية أولياء الشيطان

آحمد صبحي منصور في الأربعاء 28 يناير 2015


   كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

                         الصوفية أولياء الشيطان :

 أولا : المقصود بالعبادة والتقديس  هو الله جلا وعلا وهو الولي ولا ولي سواه                        

1-   رأينا كيف انزلق الصوفية بعد تزكية أنفسهم إلى تأليه ذواتهم واعتبارها شركاء لله  في ملكه وحكمه ، مع أنه تعالى لا يشرك في حكمه أحداً ولا واسطة بينه وبين عباده .والواقع أن الولي المقصود بالعبادة والتقديس لا يكون سوى الله تعالى .فقد وصف تعالى نفسه بصفة الولي المقدس المعبود في معرض الاحتجاج على المشركين الذين اتخذوا لأنفسهم أولياء غير الله .. يقول تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الشورى 9 ) .. وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الله هو الولي الحقيقي ، فهو الذي يحيي الأموات ومنهم أولئك المقبورون الذين يعتقد المشركون في ألوهيتهم ، مع أنهم لا يقدرون على شئ ، والله هو القدير على كل شئ سبحانه وتعالى عما يشركون . ويقول تعالى ( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ؟ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ :الأنعام14 ). فالرسول عليه السلام أمره ربه أن يقول للمشركين أيمكن أن يتخذ ولياً سوى الله تعالى ، وهو الذي خلق السماوات والأرض وهو الذي يطعم الخلق ولا يطعمه الخلق . . وفي ذلك تعريض بأولياء الشرك التي لا تقدر على أن تخلق بل هي مخلوقة ، بل وتعيش عالة على رزق يأتيها ممن يعبدونها .

2-ومن سمات الإسلام أن يكتفي المسلم بالله ولياً (وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيراً :النساء 45)، ذلك أن الولاية الحقيقية لله تعالى وحده  (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ :الكهف44) ..فقد وصف تعالى نفسه بالولي ( وهو الولي الحميد .. الشورى 28 ) فلا ولي للعالمين غيره (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ: السجدة 4)..  (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا  يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً: الكهف 26 )..

4-ولأن الصوفية لم يؤمنوا بالله تعالى ولياً فإنهم بالغوا في تقديس أوليائهم وتأليههم على حساب الله تعالى ، ولم يكتفوا بذلك بل ألمحوا إلى تفضيل هذه الأولياء على الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، ولا ريب أن الشيطان هو  الذي أوقعهم في هذا الشطط ، فهو الولي للمشركين ، سواء كانوا معتدلين أم متطرفين .

ثانيا : الشيطان ولى الصوفية

   1-   بدأنا مبحث الولي بتفصيل عن الولي في القرآن الكريم وانتهينا منه إلى أنه مجموعة صفات من الإيمان والصلاح والتقوى ، صفات عامة ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، وطالما كان الإنسان  حيا فهو في صراع مستمر مع الشيطان ، فتتغير تلك الصفات الحسنة فيه بالزيادة والنقص ، وفي نهاية حياته تكون المحصلة النهائية ، وبها يعرف مكانته أهو ولي لله تعالى مصيره للجنة أم ولي للشيطان مصيره للجحيم . ثم عشنا مع ولي التصوف الذي يزكي نفسه وتزكيه طائفته وتصل به إلى مرتبة الألوهية وتزيد . وإذا كان أولئك الصوفية خرجوا على حدود الالتزام الإسلامي حين قاموا بتزكية أنفسهم فإنهم قد تطرفوا حين ألهوا أولياءهم من دون الله ، وبذلك تنطبق عليهم سمات ولي  الشيطان التي أوردها الله تعالى في القرآن الكريم ..

   2- وقضية تقسيم الولاية بين الله والشيطان قضية عقيدة لا تحتمل التوسط عند الله ، فأما أن يكون المرء عند موته مؤمناً أو مشركاً ، أى إما أن يكون من حزب الله أو من حزب الشيطان، ولا مجال للتوسط . ({اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ :البقرة 257}). فالمؤمنون لا يتخذون لهم ولياً إلا الله ، فالله يخرجهم من ظلمات الشرك والاضطهاد إلى نور الإسلام ، أما أولئك الذين يتخذون لأنفسهم أولياء من دون الله فالشيطان وليهم يخرجهم من نور الفطرة السليمة إلى ظلمات الشرك والجحيم .. وليس بين الفرقتين طائفة ثالثة ..

3-وأصابع الشيطان وراء كل مظهر شركي وقع فيه أولئك الصوفية .يشمل ذلك  بداية خروجهم على الالتزام الإسلامي حين زكوا أنفسهم وتمنوا على الله تعالى الأماني . فالشيطان هو الذي وسوس لهم بذلك حسبما يذكر الله تعالى عن دور الشيطان . فقد أعلن إبليس منذ البداية خطته للإيقاع ببني آدم (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ) النساء 119)..التمني على الله من وساوس الشيطان ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ..النساء120 ) .. وقد فعل ذلك بالمنافقين (..وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).الحديد14 )  والغرور( بفتح الغين ) هو الشيطان ،  سمى بذلك لأنه يغرر بالإنسان ويزين له تزكية النفس على الله تعالى .

ثالثا : مزاعم الصوفية فى أن ابليس يزكيهم  

1 ــ ونلمح تزكية الشيطان للصوفية في ادعاءات الصوفية أنفسهم .. فإبليس قد يزكي أفراداً من الصوفية .

يزعم  قيس بن الحجاج ( قال لي شيطاني : دخلت فيك وأنا مثل الجزور وأنا الآن مثل العصفور ) [1].

 فهنا تزكية مباشرة ومدح واضح واعتراف صريح من الشيطان لابن الحجاج بأنه عجز عن إفساده ، ومطلوب منا أن نصفق لابن الحجاج الذي أرهق شيطانه بتقواه وبدّله من بعد السمنة نحولاً .

وقد تكون التزكية الشيطانية للصوفي ملتوية وغير مباشرة – وهي أبعد أثراً كما يروي الغزالي من أنه ( كانت لمحمد بن واسع استعاذة من الشيطان ، فقابله إبليس يوماً فقال له :هل تعرفني يا ابن واسع ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا إبليس فقال : وما تريد ؟ فقال له : أريد ألا تعلم أحداً هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك ..)[2] . فلابن واسع تعويذة رهيبة – لا نعرفها مع شدة الأسف – وهذه التعويذة المجهولة فعلت فعل السحر بإبليس فعقد صلحا مع ابن واسع ينص على أن يتعهد ابن واسع بعدم تعليمها لأحد حتى لا تضيع  جهود إبليس هباء ،وذلك في نظير ألا يتعرض إبليس لابن واسع بسوء ، فيضمن ابن واسع لنفسه العصمة من إبليس ،  ويتفرغ إبليس لمهمته في إفساد  البشر جميعا سوى ابن واسع . ولا ريب أن تلك الاستعاذة المجهولة أبعد أثرا مما أورده القرآن الكريم في المعوذتين ومن قوله تعالى لرسوله {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ،وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ المؤمنون 98:97}.. فالتزكية لابن واسع هنا وإن كانت ضمنية إلا أنها متطرفة ، فقد رفعته فوق مستوى البشر بل والرسل .

 2 ــ وقد تكون التزكية لطائفة الصوفية بأسرها على لسان إبليس يرويها أعيان الصوفية كالجنيد القائل ( رأيت إبليس في المنام عرياناً فقلت ألا تستحي من الناس ؟ فقال إبليس : وهؤلاء ناس ؟ الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أحرقوا كبدي .. قال الجنيد فلما انتهيت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم يتفكرون ، فلما رأوني قالوا : لا يغرنك حديث الخبيث .. )[3] . أى إن صوفية مسجد ذلك المسجد أحرقوا كبد ابليس وجعلوه يسير عريانا ، فيشفق عليه الجنيد من الفضيحة ومن شدة البرد، ويعترف ابليس له بالسبب ، وأن صوفية هذا المسجد هم السبب ، فيذهب اليهم الجنيد فيقولون له ألّا يصدق ابليس الخبيث.!

     ويكرر المسوحي هذه الاسطورة فيقول :( رأيت إبليس يمشي عرياناً فقلت ألا تستحي ؟ فقال يا الله هؤلاء ناس .. لو كانوا من الناس ما كنت العب بهم طرفي النهار كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي . وأشار بيده إلى أصحابنا الصوفية )[4].

رابعا : الصوفية أولياء الشيطان :

    1- ويفهم من النصين السابقين الود القائم بين الجنيد والمسوحي من ناحية وإبليس من ناحية أخرى .. حتى أنهما يعتبان عليه المشي عرياناً في السوق خشية الإنكار عليه من الناس الآخرين ، وذلك الود يشي بالولاء بين إبليس  والصوفية ، وهذا يناقض الاسلام ، ذلك أن المسلم مطالب باتخاذ إبليس عدواً أبدياً  ( وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ :فاطر 5، 6).. وذلك الرد الذي تظهره كلمات الصوفية المعتدلين كالجنيد والغزالي يعبر عنه بوضوح القرآن الكريم بالموالاة بين إبليس وحزبه ، وقد أبرز القرآن الكريم نواحي شتى للموالاة بين الجانبين .

    2- فالصوفية يقيمون الأضرحة على قبورهم ، ويتقرب الناس لهذه الأضرحة بالتقديس والتبرك والنذور ، والأضرحة هي الأنصاب المذكورة في القرآن الكريم والتي كان يتقرب إليها الجاهليون بالذبائح والنذور ويحاولون من خلالها معرفة الغيب الإلهي. وذلك كله من عمل الشيطان ،يقول تعالى :(.. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ :المائدة 9) . والعقل البشري العادي يرفض فكرة عبادة الأحجار سواء كانت أصناماً أم قبوراً وأنصاباً . ولا فارق بين حجارة عادية وحجارة مقامة على قبر مقدس ، إلا أن الشيطان يزين لأتباعه تقديس هذه الأحجار والتبرك بها رعاية للصوفي المدفون تحتها ، حتى أن ذلك الصوفي المقبور ـــ والذي أضحى جيفة يتقزز الإنسان من لمسها ويفزع من مجرد رؤيتها ـــ ذلك الصوفي المقبور لا شأن لجسده المتحلل بأي من هذا التقديس . فقد بلى وتحلل وأصبح رماداً . فالمعبود في الحقيقة هو الشيطان ، الذي زين للناس  مخالفة عقولهم ودينهم ، يقول تعالى عن المشركين السابقين وعقائدهم وأفعالهم : ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.. :الأنعام 43).. (تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: النحل63)..( وَعَاداً وَثَمُودَ ،وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ: العنكبوت:38) .. 

3 ــ وقد قال تعالى للبشر(يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ.. الأعراف 27).  وأدنى عبادة للشيطان هي امتثال أمره والإعراض عن أوامر الله .وتكتمل عبادة الشيطان بالشرك واتخاذ الأولياء من الإنس والجن . لذا يقول تعالى بأسلوب القصر ( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً، لَّعَنَهُ اللّهُ.. النساء 117، 118). فالمعبودون من دون الله إما ملائكة عبدت رغم أنفها ، وإما شياطين غرروا بالناس وجعلوهم يعبدون الأحجار والأولياء وجثث الموتى المتحللة ، وهي لا تعدو أن تكون وسائط يعبدون الشيطان من خلالها . وهكذا كان النهي الإلهي صريحاً للبشر بألا يعبدوا الشيطان من خلالها . وهكذا كان النهي الإلهي صريحا للبشر بألا يعبدوا الشيطان ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) يس 60: 62).أى فإما أن تعبد الله وحده وإما أن تكون عابداً للشيطان دون أن تدري ، وكان إبراهيم صريحاً مع أبيه حين قال له  ( يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً .. مريم44) ..

4 ــ  هذا .. ولقد قال الغزالي ( .. فإما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات )[5] ومن يقرأ هذه العبارة يعتقد أن المقصود بمعرفة ذاته وصفاته هو الله تعالى ، فذلك كثيراً ما يتردد في كتب الصوفية عن الله تعالى وأن الأولياء هم وحدهم العارفون به وبأسراره وبعلمه اللدني .ولكن الغزالي يقصد بتلك العبارة إبليس .ويرى أن العارفين المُكاشفين العالمين بالغيب هم الذين يعرفون ذاته وحقيقته وصفاته . فهنا نوع من المشاكلة يشي بتقديس إبليس . ومع أن الكذب واضح في تلك الجملة – فإبليس بذاته وصفاته سمعيات لا يعلمها إلا الله تعالى – فإن تعمد الكذب والإقدام عليه يفضح نفسية الصوفية في الاهتمام بإبليس ورعاية شأنه .

5-ويفتري الصوفية على الله كذباً فيدعون الوحي عن طريق ملك الإلهام أو بلا واسطة بالعلم اللدني والصوفية هم أصحاب الهاتف والمنام ومخاطبة الحق جل وعلا . وهذا الإفك المفترى على الله من سمات الشرك الأساسية ، ومرجعها للشيطان . فإذا كان الله تعالى هو الذي يوحى  إلى أنبيائه وهم صفوة خلقه فإن الشيطان يوحي إلى أعوانه بزخرف القول . يقول تعالى عن أعداء الأنبياء (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ .. الأنعام112، 113)..     فقد بلغت الموالاة بين رءوس الشرك من الإنس والجن مبلغ المساواة ، وعبر عنها القرآن بقوله (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) فقد أصبح رءوس الشرك شياطين يوحون للشياطين ويوحي إليهم الشياطين . وقد قال تعالى عن القرآن الكريم  ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) الشعراء210، 211}.. وقال عن أفك المشركين وادعاءاتهم ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ..الشعراء 221: 223} ..

1-  هذا .. ولقد عرض الغزالي صراحة لمكاشفة إبليس أو وحيه للصوفية .وقد ارتفع بإبليس إلى منزلة الملائكة يقول ( إن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا تدرك حقيقة صورتها إلا بالمشاهدة بأنوار النبوة ..) [6]. ويقول عن إبليس ( والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة  من أرباب القلوب (يعني الصوفية ) بمثال صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بإذنه فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته ، كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين ، وإنما المكاشف في اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال بالحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام )[7]. أي أن تجلي إبليس في  اليقظة لا يكون إلا لمن انتهى إلى أكبر رتبة بينهم وغيره لا يحظى برؤيته إلا مناماً . وهكذا يتضح أن الصوفية يقولون في إبليس ورؤيته نفس ما يقولونه عن الله تعالى وعلمه اللدني . فالغزالي يعقب على مقالته السابقة بقوله ( فإن القلب لابد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل به عالم الملك والشهادة ، لأن أحدهما متصل بالآخر ، وقد بينا أن القلب له وجهان : وجه إلى عالم الغيب وهو مدخل الإلهام والوحي ووجه إلى عالم الشهادة ..) وهكذا إلى أن يقول ( وهذه أسرار عجيبة من أسرار عجائب القلب ، والمقصود أن تصدق بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم وتارة بطريق الحقيقة والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى ..)[8]. ولذا كان الصوفية يعرفون ذاته وصفاته وحقيقته معرفتهم بالله وذاته .. وتناسى الغزالي أن رؤية إبليس يقظة ومشافهة بالشخص مستحيلة فقد قال تعالى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.. الأعراف27).. إلا أن عدم رؤيته يقظة لا تمنع موالاته فالشيطان خلف نفس ابن آدم ويحركه بالوسوسة والتلبيس والتغرير وبشتى الحيل حتى يملك عليه أقطاره ويستحوذ عليه  (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ .. المجادلة19)..

2-  وحينئذ يكونون أولياء الشيطان معبرين عنه ، يتلقون وحيه الشيطانى وينسبونه لله تعالى إفتراءاً عليه ، وإذا تطرفت العلاقة بين الشيطان وأوليائه قام أولياء الشيطان بنشر وحى الشيطان علانية ينسبونه علانية إلى الشيطان دون تحرج ، كما ورد في الكتابات الصوفية . وقد رأينا طرفاً من ذلك ، فالوحى الشيطانى للصوفية يأتى مباشرا مٌعلنا عنه كما يأتى ضمنيا . وهذا الوحي الشيطاني الضمنى هو المصدر الأساسي لدين التصوف وكل ادعاءاته ، وهو أيضا المصدر الأساس والوحيد لكل الأديان الأرضية .

    8- وبعض كبار الصوفية المشرعين في الدين الصوفي أعلن صراحة نسبة كلامه وآرائه إلى وحي إبليس ، ولم ينس أن يصبغ ذلك حيناً ببطولة وهمية له كقول أبي سعيد الخراز ( رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه فلم يفزع منها فهتف بي هاتف : إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون في القلب )[9] . والقلب عند الصوفية كل الأسرار والأنوار الإلهية . وقد ارتدى إبليس في وحي آخر عمامة التصوف يقرر لهم ما يجوز كما حكى الجنيد من أنه رأي إبليس في النوم ( فقلت له هل تظفر من أصحابنا بشيء قال : نعم ، في وقتين : وقت السماع ووقت النظر فإني أدخل عليهم به) [10] . وعجيب أن يفشي إبليس أسرار مهنته للجنيد ويفضح طريقته في إغواء الصوفية ، ولكن يزول العجب إذا علمنا أن مقصد الجنيد أو إبليس هو التشريع  للصوفية في السماع وفي النظر . وتلك أمور صوفية خالصة لا شأن للإسلام بها إذ هي خارجة عن منهاجه وتستلزم نوعاً من التوجيه ولن يأتي التوجه والوحي إلا من إبليس .      وبعض الوحي الشيطاني الصوفي يحمل في داخله دعوة ضمنية للانحراف والانخراط فيه بدافع اليأس من مجاهدة الشيطان وذلك كقول خيثمة بن عبد الرحمن ( إن الشيطان يقول : ما غلبني ابن آدم فلن يغلبني على ثلاث : أن آمره فيأخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه ومنعه من حقه )[11]. ويقول الغزالي ( وقيل إن الشيطان يقول : كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه )[12].

    9- ولقد أبرز الله تعالى الصورة الحقيقية لإبليس كعدو أبدي لابن آدم ووصفه بما يستحق من صفات ذميمة كالكفر والحسد والكبر والإضلال وغيرها .. وكأنما عز على  الصوفية أن تشوه صورة إبليس إلى هذا الحد ، فحاولوا القيام بعملية تجميل لوجه إبليس ، وأظهروه بمظهر النبي المصلح ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، يقول الغزالي ( روى صفوان بن سليم أن الشيطان تمثل بعبد الله بن حنظله فقال له : يا ابن حنظله أحفظ عني شيئاً أعلمك به : يا ابن حنظله لا تسال أحداً غير الله سؤال رغبة ، وانظر كيف تكون إذا غضبت فإني أملكك إذا غضبت )[13]. وبعض هذه النصائح المزعومة كانت تفضح وسائل إبليس في الإغواء رغبة في إتمام عملية التجميل والتحسين وأنه يحذر بني آدم من خطورته وإن لم يفعلوا بوصاياه الجميلة فهو مضطر لإغوائهم كأن يقول لبعض الأولياء – وقد سأله كيف تغلب ابن آدم – ( آخذه عند الغضب  وعند الهوى )[14]. أو كقوله في النص السابق ( .. وأنظر كيف تكون إذا غضب فإني أملكك إذا أغضبت )..

  10- ونحن إما أن نصدق هذه الصورة الجميلة التي رسمها الصوفية لإبليس لعنه الله وإما أن نؤمن بما أورده القرآن الكريم عن إبليس اللعين الرجيم الذي بلغ حقده على آدم وحواء وهما في محنتهما حين  أخرجهما من  الجنة أن كان يتشفى فيهما فينزع عنهما لباس الجنة ليريهما عوراتهما . يقول جل وعلا يحذرنا :( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ .. الأعراف27).إن الله سبحانه وتعالى يقول لنا ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير ..ِ فاطر6).. والتأمل في هذه الآية الكريمة فيه الرد على الأقاويل الصوفية السابقة. وفيه الإشارة للعلاقة ببين الشيطان وأتباعه . ومراجعة المنامات الصوفية وما يزعمونه عن الهاتف والعلم اللدني والأحاديث المزيفة كلها تدخل في باب الوحي الشيطاني في التشريع وفي الغيوب .



[1]
- إحياء جـ 3/26.

[2] - إحياء جـ3/23

[3] -  إحياء جـ4/433

[4] - إحياء جـ/4 / 432

[5]- إحياء جـ3/25.6

[6] - إحياء جـ3/34: 35 .

[7] - إحياء جـ3/34: 35.

[8] - إحياء جـ3/34: 35.

[9] - إحياء جـ4/432.

[10] -إحياء جـ2/266

[11] -إحياء جـ3/ 29.

[12] -إحياء جـ3/29.

[13] -إحياء جـ3/28

[14] - إحياء جـ3/28

اجمالي القراءات 5446

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   مراد الخولى     في   الجمعة 05 يونيو 2015
[78440]

لقد أضحكتنى كثيرا دكتور أحمد هههه


لم أكن أعرف حلاوة الصوفيين هذه ههههههه!! لقد رأوا إبليس عريانا فى المنام. أقول لا تحزنوا ستروه عين اليقين عريانا وهو يشارككم الغذاء اللذيذ المسمى بشجرة الزقوم هههههههه. 



2   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   السبت 06 يونيو 2015
[78441]

شكرا اخى مراد الخولى


من يقرأ تاريخ الصوفية يكون غالبا بين موقفين : إذا كان يقدسهم فهو يبتلع ما يقرأ ويهيم به وجدا ( من الوجد أى الحب والهيام )  . إن كان عاقلا راشدا فهو يندهش ويتعجب ويضحك . الفيديوهات التى تصور حفلات الذكر الصوفى أو الرقص الصوفى أكبر دليل على ذلك .

هم عار على الانسانية ولكنهم مسالمون . 

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3472
اجمالي القراءات : 27,757,981
تعليقات له : 3,974
تعليقات عليه : 12,070
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي