الثورة البحرانية الحضارية

سامح عسكر في الإثنين 22 سبتمبر 2014


في عز انشغال العرب بالحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن وما نتج عن المد الثوري في مصر وتونس تبقى .."الثورة الشعبية البحرانية"..مجهولة لا يتسابق الإعلام في تغطيتها ، أو يدافع السياسيون عن الثوار ومطالبهم، مما يُوحي بازدواجية أصابت الضمير العربي بالشلل، ووضعت الإنسان العربي في مواجهة بينه وبين نفسه، بعضهم لم يتعب في إيجاد المبرر الكافي لموقفه، وشرع فوراً في الطعن في هذه الثورة طعناً غير نزيه، طعناً ذي دوافع وميول طائفية مذهبية، مصالح دينية تقتضي بقاء الظلم في البحرين.

برغم هذا الرفض العربي وهذا الموقف السياسي ضد الثورة ومطالبها إلا أنني لم أجد الحجة المقنعة لبقاء هذا الموقف وتصلبه طيلة 4 أعوام هي عمر الأزمة ، وانطلاقاً لما أحدثته هذه الثورة من هزة نفسية وانحراف أخلاقي عانى منه الكثيرين نشأ بالضرورة فضلاً وقيمة صنعها ثوار البحرين في الشارع، فهم أفضل شعوب العرب الثائرين التزاماً وحباً لوطنهم، لم يرفعوا أي مطالب دينية تُعلي من شأن جماعة أو حزب أو طائفة، حتى مطلب إسقاط النظام البحريني لم يرفعوه واكتفوا بالمطالبة .."بملكية دستورية"..تكفل للثوار العيش الكريم وتبادل السلطة شعبياً بشكل ديمقراطي.

وعليه فقد ارتأيت أن لا أجحد معروفاً صنعه هؤلاء الأبطال المخلصين لوطنهم وقضيتهم، وكما كتبت عنهم منذ أربع سنوات ودافعت عن قضيتهم وسلوكهم الملتزم أكتب الآن بعد أن وضح الفارق الأخلاقي والحضاري بين ثورة البحرين وسائر ثورات العرب.

أولاً: لقد سلك ثوار البحرين سلوكاً وسطياً منذ البداية، وعلموا أن الإصلاح في وطنهم يبدأ من المَثَل القائل.."إذا أمرت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع، وإذا أردت أن تُطاع فسل ما يُستطاع"..لم يذهبوا بأحلامهم وخيالهم بعيداً عن واقعهم، وعلموا أن معايير التعامل معهم ومع مطالبهم تتوقف على طبيعتهم الدينية وليست مطالبهم، فالمنطقة تمر بحالة شحن طائفي لم تسبق لها مثيل منذ مئات السنين، وعليه فأي حركة منهم محسوبة.

لم يرفعوا مطلب.."إسقاط النظام"..كسائر الثورات المعاصرة لهم، واكتفوا بمطلباً يصلح للحوار بشأنه وهو.."ملكية دستورية"..ويعني أن البحرين دولة ملكية ليس بها دستور أو عقد اجتماعي وسياسي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ونظراً لشعورهم بالظلم في العهود السابقة طالبوا بأن يكون لدولتهم دستور يحتكمون جميعاً إليه ويؤتي كل ذي حقٍ حقه.

ثانياً: حين رفضت السلطة مطالبهم حافظوا على سلميتهم ولجأوا إلى التصعيد الشعبي السلمي ونجحوا في المحافظة عليه طيلة أربعة أعوام، وهذا إنجاز يدل على تحضر هؤلاء القوم وقدرتهم على التحكم في المشهد وفي أنفسهم.

ثالثا: النساء كما الرجال في الشارع في مقدمة الصفوف، وينقسمون في التظاهر حسب الجنس بطريقة حضارية، ولم تُسجل ضد ثورة البحرين أي حوادث أخلاقية سواء تحرش أو اغتصاب أو سرقة أو أي أعمال عنف...وهذا إنجاز إضافي يُحسب لهم.

رابعا: حافظوا على الزخم الثوري لهم بطريقة رائعة، فالأعداد والحشود كما هي منذ أربعة سنوات وإلى الآن، وهذه إشارة على عمق إيمانهم بقضيتهم وصبرهم اللانهائي في تحصيل مطالبهم، لم ينحرفوا ولم ينقسموا كما انحرف وانقسم ثوار العرب في الأقطار الأخرى.

خامساً: لم يرفعوا أي مطلب ديني ، وحصروا كل مطالبهم في الملكية الدستورية والضغط الشعبي لتحصيل هذا المطلب، حتى الشعارات الثورية من ذوي الخلفية الدينية الشيعية كشعار..""هيهات منا الذلة"..كان عن دافع سياسي ومقدمات ونتائج ومطالب كلها سياسية.

سادساً: لقد تعرضت الثورة البحرانية إلى أضخم عملية تزوير وتحريض ديني لم تشهدها ثورة شعبية بهذا المستوى، أن يخرج أغلبية الشعب في ثورة سلمية لتحصيل مطالب مقبولة ثم تنتفض قوى الظلام والإرهاب ضدها مستخدمين كافة أسلحتهم الإعلامية والسياسية والدينية، وقد شهدت بنفسي كم هائل من التزوير الإعلامي في حق ثورة البحرين، وخلعت فضائيات الجزيرة والعربية برقع الحياء وانضموا إلى الحملات الداعية لقمع شيعة البحرين تحت ذريعة الخطر الشيعي والإيراني، وهو خطر أصبح فزاعة وسلاح لم يعد فقط موجهاً سياسياً بل تم توجيهه بطريقة وضيعة ضد كل مفكر وناقد للتراث الذي أوصلنا إلى هذه الطريقة المنحطة في التفكير.

لقد أكثر المحرضون من الكلام حتى نقصت عقولهم ولم ينتبهوا أن القضية البحرانية برمتها تحت السيطرة وأن كل مطالب الثوار تنحصر فيما هو مقبول ومشروع، وأن القمع والإرهاب الديني لم يكن يوماً بديلاً عن التعايش بين أبناء شعب البحرين، ولماذا يصرون بعنجهية عن رفض مطالب الثوار وقمعها بطريقة وضيعة لا تخلُ من العنصرية والتفرقة بين أبناء الشعب.

صحيح أن المكوّن الشيعي هو يشكل الغالبية العظمى من الثوار ولكن السؤال قائم ، لماذا دعمتم ثورة سوريا وانتفضتم لها بحجة الحقوق والحريات وهي كانت ثورة دينية مسلحة منذ يومها الأول، وهل تنكرون واقع سوريا الآن؟..فاعقدوا الفارق بين سوريا والبحرين لتروا ما جنته أنفسكم بحق الشعوب وبحق الحريات والحقوق..!

ولماذا أيضاً دعمتم انتفاضة داعش في العراق وأسميتموها زوراً.."ثورة السنة العراقيين"..حتى بعد أن توسعت داعش وأصبحت بؤرة قتل وجريمة وفوضى لم تخلجوا من أنفسكم وأخذتكم العزة بالإثم، فلتتعلموا من ثوار البحرين الحضاريين الذين لم يرفعوا سكينة أو مشرط في وجه السلطة، أو كفّروا الحكومة وأعلنوا ردة كل من يخالفهم ، بل حصروا كل وسائلهم في كل ما هو مقبول ومشروع وممكن.

سابعاً: لم تقف حجم الجريمة العربية إلى حد تواطؤ واستهتار الساسة العرب ، لكن وصل الأمر إلى تواطؤ أكبر منظمة سياسية وهي.."الجامعة العربية"..على شعب البحرين، والغريب أن الجامعة التي انتفضت ضد ثوار البحرين السلميين دعمت ثوار سوريا وليبيا الحربيين بحجة الحريات وحقوق الإنسان، ، وقد رأينا ما وصل إليه الحال في سوريا وليبيا من حقوق إنسان تقطع رقبته وتُحزّ أعضاءه ويُكفّر ويُلعن ليل نهار..!!

هذا فيديو للدكتور محمد حسانين هيكل من منتصف عام 2011 وكيف يرى مظلومية ثورة البحرين ونزاهتها وخطأ كل من وقف ضدها بحجة المذهب والطائفة...

https://www.youtube.com/watch?v=v4qB5oYlcs8&list=UUiOr0o2Smsy_lLp5MvwYS0Q


وعرض رأي الدكتور هو من قبيل النظر للشدائد بعين المترقب الذي ينتظر التغيير، فلا الشدائد تدوم ولا ما يتوهمه الساسة العرب من مؤامرة ستدوم، وأن العرب أخطأوا في استثمار اللحظة والقعود عن دعم كل تغيير سلمي وهادف بينما دعموا الفوضى والخراب والإرهاب في بلدانهم كأنهم العُميان..!

الغريب أن هذا الرأي للدكتور هيكل خرج من على شاشة قناة الجزيرة في تحدٍ لتيار القناة وقتها الداعم لرأي السلطة البحرانية والمدافع عن رؤيتها، والطاعن في الثوار واتهامهم بالخيانة والتبعية لإيران والإحجام عن عرض رأيهم والدفاع عن أنفسهم، حتى يشك البعض أن قطر كانت تدعم ثورة البحرين مثلما دعمت ثورات الإخوان في مصر وسوريا وليبيا، وهذا غير صحيح، فدولة قطر هي القطب المالي والإعلامي الأبرز للتحريض المذهبي والتطرف السني في المنطقة، وعليه كان عرض هذا الرأي استثناءً لا ينفي القاعدة.

ثامناً: لم يكن الغرب ولا أمريكا متحمسين للثورة البحرانية منذ البداية، فلم يشكلوا أي ضغط على السلطة البحرانية، واكتفوا ببيانات يُفهم منها الحياد، وكذلك تركيا حيث وقف الجميع موقف المتخاذل عن دعم مطالب التغيير في تلك الدويلة ، وعلى النقيض رأينا الغرب وأمريكا وتركيا وهم ينتفضون في سوريا وكيف وصل بهم الحال إلى المجاهرة بدعم المعارضة عسكريا أملاً في إحداث أي فوضى تمكنهم من حصار روسيا وحلفائها في المنطقة، فضلاً عن تفكيك جبهة المقاومة الشرق أوسطية ضد إسرائيل وداعميها.

تاسعاً: إيران ليست بريئة من تلك الازدواجية فهي دولة لها مصالحها وترى أن دعم ثوار البحرين هو واجب ديني وسياسي، ولكن ليس لثوار البحرين ذنب في دعم إيران لهم، وغالباً ما أحدث هذا الموقف الإيراني الذي أصفه.."بالطفولي"..ذلك التأخير المتعمد والقهر والظلم التي تعرضت له الثورة، فلم يكن دعم إيران نزيهاً بحال، والتاريخ أثبت أن دعم إيران للثورات ذو معايير تفاضيلة دينية وليس بمعايير سياسية ، وأبرز مثال على ذلك هو دعمهم لجماعة الإخوان في مصر سواء قبل ثورة يونيو أو بعدها.

الخطاب الإعلامي الإيراني كان داعماً للإخوان ومرشحها محمد مرسي ضد أحمد شفيق، كذلك في زيارات نجاد المتكررة لمصر ولقاءه بمرسي أوجد حالة توافق وجداني بين السلطة في إيران وتنظيم الإخوان، وبعد الثورة على محمد مرسي انتفضت إيران على لسان المتحدثة الرسمية لتنتقذ طريقة تعامل السلطة مع اعتصام رابعة العدوية، وتدخلت في الشأن المصري مبررةً لجرائم الإخوان بطريقة لا تختلف عن طريقة أمريكا في دعم الإرهاب.

عاشراً: يقول المَثَل الصيني .."إذا لم تستطع الابتسام فلا تفتح دكاناً"..والابتسام دلالة شعور بالرضا والثقة، والدكان كناية عن حُسن ترويج البضاعة ، فما الذي يمنع من ابتسامنا لثوار البحرين ورضائنا عنهم ما دمنا نثق في بضاعتنا ولكي نبيع لهم أفضل ما لدينا ، والمعنى أن شعوب السنة لديها بضاعة مميزة لترويجها وكسب ولاء شيعة العرب ضد إيران..وإفشال أي مخطط لتقسيم المنطقة مذهبياً ، إلا إذا كانت شعوب السنة وساستها فاقدين للثقة...وهذا ما أعتقده، فالعرب يمرون بأسوأ حالة انحطاط حضاري في تاريخهم حتى طال ذلك الانحطاط أدق التفاصيل وأصبحوا معها مجرد مستهلكين لقيم الحضارة المعاصرة مع شعور دائم بالعجز.

اجمالي القراءات 4490

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,721,619
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt