ق2 / ف2 : رأى جهيمان العتيبى في شيوخ عصره في المملكة :

آحمد صبحي منصور في الجمعة 19 سبتمبر 2014


 

ق2 / ف2 : رأى  جهيمان العتيبى في شيوخ عصره في المملكة :

كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين )

القسم الثانى : القسم الثانى : المعارضة الوهابية فى عهد سعود وفيصل و خالد

الفصل الثانى جهيمان العتيبى واحتلال الحرم المكى (10/11/1979 اول محرم سنة 1400 هـ )

رأي جهيمان العتيبى في شيوخ عصره في المملكة :

برغم عدم موافقة العلماء لاقتحام جهيمان واخوانه الحرم ،فأن الفجوة استحكمت بين اغلبهم وبين السلطات السعودية . ليس فقط بشأن الفتاوي التي لم يوقع عليها كل العلماء  التي لم ترض السلطة السعودية ،ولكن ايضا لرفض اولئك العلماء  اساليب تعامل السلطات مع المتهمين وحكمها بالاعدام علي اغلبهم ،وكان ابن باز ممن وقف الي جانب جهيمان في دعوته قبل حادث الحرم ،وبنفوذه خففت السلطات السعودية وطأة التعذيب والملاحقة التي كان يشنها ال سعود ضد أتباع جهيمان .[10]

الا ان جهيمان في رسائله التي كتبها قبل الحادث يفيض  كراهية للعلماء وبغضا لهم .ويمكن توضيح ذلك علي النحو الاتي :

1-     هجومه علي العلماء وتحذيره منهم والنهي عن طاعتهم :

في هجومه عليهم يسيتشهد بحديث (غير الدجال اخوف علي امتي الائمة المضللون )ويعتبر المسيح الدجال اهون شرا من خصومه الحكام والعلماء ،يقول (فوالله للدجال اهون علينا منهم ،فأن الدجال ظاهر امره ،اما هؤلاء فملتبس امرهم علي كثير من الناس باسباب من يعيش تحت ايديهم من مشايخ المداهنة والمعاش والرواتب والمراتب )[11ٍ].

ومن ناحية اخري يري انه ينطبق عليهم قوله تعالي (واتل عليهم نبأ الذي اتيناه اياتنا فانسلح منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ،ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الي الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث  او ترتكه يلهث : الاعراف 175 :176 ) ،ويقول فلا تنخدع باسماء هؤلاء الذين يلقبون بكبار العلماء وغير ذلك ،وانظر الي اعمالهم بعد سماع القابهم فانك تجدهم قسمين الا ما شاء الله :القسم الاول :قد لحق بالسلاطين ،فتجدهم علي ابوابهم مثل شرطة السلاطين، واذا دخلت عليهم نظر احدهم اليك ليري مظهرك ،فان وجدك من الذين تعجب اجسادهم ويتبخترون في زينتهم القي اليك وجهه ووضع قلمه ولا ينكر عليك فيما رأي فيك من المخالفات . وان رآك رث الهيئة استمر في عمله ،وان اكترث عليه الالحاح تغير وجهه وربما دعا شرطيه لاخراجك وربما سجنك اما القسم الثاني :فقد قنعوا بالشهادة (أي الشهادة العلمية الجامعية ) واقبلوا علي التجارة فتجد مجالسهم ليلا ونهارا عامرة بالبيع والشراء .وبعد فهل يقال لهؤلاء ورثة الانبياء ؟) .وفي نفس الصفحة يقول عنهم (العلماء الذين نافسوا السلاطين والتجارة والذين احدثوا للمجتمع الدمار ولم يرفعهم الله بكتابه وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم لانهم اخلدوا الي الارض واتبعوا اهواءهم )[12]

وتعليقا علي اتهامه بأنه خارجي من جانب بعض العلماء ،يقول (وهذا الصنف الاخير فيه شبه من احبار اليهود الذين يأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله )[13].

وفي موضع اخر يصفهم بانهم دعاة الضلالة المذكورون في حديث خروج الدجال ،ويقول (فأنك تجد هذا الوصف منطبقا علي الناس اليوم ،فكم من الجماعات وكم من الدعاة الذين يدعون الناس ويهدون ولكن بغير هدي النبي صلي الله عليه وسلم ،ويستنون بغير سنته )[14].

وبالتالي يؤكد علي التحذير منهم يقول (فكل من تشبه بأهل النفاق او الكفر او البدع ،وشاق الله ورسوله  صلي الله عليه وسلم  ،وكل من صد عن سبيل الله ،واتخذ من دونه اولياء وكل من سعي في الارض فسادا باي شكل من الاشكال ،وكل من صرف الناس عن الحق ولبّس عليهم دينهم ،وقال علي الله بغير علم يجب علي كل مسلم ان يرد الباطل ويحذر الناس من شره )[15]

ويقول محذرا من طاعتهم بعد ان جعلهم شرا من الدجال (وبعد هذا كله فهل تجب طاعة هؤلاء الائمة المضلين الذين هم اخطر من الدجال ؟)[16] وفي موضع اخر يستشهد بأقوال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في انواع الشرك الاكبر ،ومنها شرك الطاعة فيقول ( قلت :وتفسيرها طاعة العلماء والعباد في المعصية )ويستشهد بشرح الشيخ ابن عبد الوهاب في باب من اطاع العلماء والامراء في تحريم ما احل الله او تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم اربابا من دون الله .ويستشهد ايضا بأقوال ابن تيمية في نفس الموضوع مؤكدا انطباق ذلك علي خصومه من علماء عصره .وان طاعتهم من ضمن انواع الشرك بالله سبحانه وتعالي [17].

2-     استثناؤه الشيخ ابن باز من الهجوم :

لم يصل هجوم جهيمان الي الشيخ ابن باز ،وان كان قد المح الي انتقاده حينا ،ودافع عنه احيانا ،وهو بذلك يعبر عن حيرة الشيخ ابن باز نفسه بين ولائه للفكر التقليدي الوهابي وولائه للنظام السعودي ووظيفتة الرسمية فيه .فالشيخ ابن باز مع افكار جهيمان الوهابية السلفية ،ولكنه لا يوافقه علي تخصيص هجومه بهذا الفكر علي الدولة السعودية .وجهيمان يتأثر  بموقف الشيخ منه علميا او سياسيا ،الا ان جهيمان في كل ما يقول يعتبر الدولة السعودية المسئولة ويفردها بالهجوم في حديثه عن الشيخ ابن باز .

يقول جهيمان عن الحكام السعوديين (وقد رأينا حيثما ننصحهم انهم يحتجون علينا بالشيخ عبد العزيز ابن باز وامثاله ،فنقول:  المعروف عن الشيخ حفظه الله وعافاه مما هو فيه ان انكاره غالبا انما هو جواب عن سؤال اذا سئل ،اما ان يبادر الي انكار المنكر مع انه ركن من اركان الدولة فذاك لوانهم ابقوا مكانته عالما يعلم الناس الخير ،لكن انما هو الان موظف اداري ويخدعونه بـ (ابونا ) و(والدنا )و ( شيخنا )وغير ذلك من اطراءات المنافقين ،وانما يأخدون منه ومن علمه ما وافق اهواءهم ،فاذا خالفهم في الحق لم يتحرجوا في مخالفته ورد الحق ،وهو يعلم ذلك جيدا ،نسأل الله ان يزيدنا واياه بصيرة ،ونحن نعلم انهم انما جعلوا في مثل هذه المنزلة الشيخ ابن باز وامثاله ممن يثق الناس بدينهم وعلمهم ،اختاروهم من غير المبصرين لئلا يروا كثيرا من المنكرات ،واذا لاقوهم تدهنوا بالطيب وقبلوا جباههم وداهنوا معهم ونافقوا حتي يزيلوا ما في انفسهم ان كان قد وصل اليهم شئ من اخبارهم السيئة .ولكن هذا من مداخل الشيطان التي يدخل بها علي من يقتدي الناس به من علماء المسلمين  ليضلوا ويضلوا ).

وهنا يضع جهيمان اكثر المسئولية علي الحكام السعوديين الذين يقول في موضع اخر عنهم (فانهم علي الاقل لا يبالون بنصح ولا ناصح ،فخير من ينكر عليهم اليوم هو الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله ،ولكنه مستمر في الانكار وهم مستمرون في المنكر ،وهكذا فهم يلقون السفينة في الموج لتغرق ، وهو متعلق فيها ينادي بالنجاة، والسفينة لا تزداد الا اضطرابا )

الا ان هذا الاضطراب المشار اليه لا يلبث ان يلحق برأس جهيمان في موضع اخر من رسائله فيلمح بانتقاده بوضوح اكثر ،يقول عنه ( ثم نظرنا في الشيخ عبد العزيز بن باز فوجدنا رجلا عنده علم بالسنة ولكن لا يشنع علي من خالفها ،ويذكر مخالفات الدولة في كثير من المسائل ،ولكن كثيرا ما يعتذر عنها ويدعو لهم أي لال سعود - .. واذا ذكر عند الشيخ من يخالف السنة قال في بعض الاحيان لا بأس ،واكبر ما يجعلنا ننفر منه تعلقه بهذه الدولة السعودية الملبسة ،حتي رأينا اثر ذلك عليه ،عافاه الله مما هو فيه ).

اذن تركز انتقاد جهيمان للشيخ ابن باز في علاقة الشيخ بالدولة وعدم انكاره الصريح عليها ،مع تسليم جهيمان بعلم الشيخ ابن باز بالسنة ومحافظته عليها .ويقول جهيمان انه عرض علي الشيخ ابن باز بعض رسائله ومنها السبع رسائل و(نصيحة الاخوان ) و(رفع الالتباس ) يقول جهيمان عن ابن باز (فما انكر شيئا الا التخصيص علي هذه الدولة السعودية بالذات ونحو ذلك فلم نوافقه عليه لاعتقادنا انه حق يزول به اللبس عن كثير من الناس )[18].

أي ان جهيمان مع شدة هجومه علي العلماء  فانه كان يعترف بعلم الشيخ ابن باز واتفاقه معه في الرأي ،ولكن يتمثل الخلاف بينهما في علاقة الشيخ بالدولة وعدم مسايرته لجهيمان في تخصيص  هجومه السلفي عليها .وبالتالي يتضح ان اسباب كراهية جهيمان لخصومه من العلماء واسباب انتقاده لابن باز تتركز في عاملين يرتبط كل منهما الاخر ،وهو ولاء العلماء للدولة السعودية ،وعدم قيامهم بواجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .وذلك يستلزم المزيد من التفصيل .

3-     ولاء العلماء للدولة السعودية من اسباب كراهية جهيمان لهم :

خروج الاخوان علي المؤسس عبد العزيز هو المحرك الاساسي لجهيمان في معارضته للدولة السعودية ،وقد عرفنا ان جده المباشر قد لقي مصرعه في موقعة السبلة .وفي خصومته للعلماء المعاصرين له لا ينسي موقف العلماء الذين ناصروا عبد العزيز من قبل ضد الاخوان واتهموهم بأنهم خوارج ،خصوصا وان  خصوم جهيمان في عصره اطلقوا عليه وعلي اخوانه نفس اللقب (الخوارج ) .

يقول جهيمان عن الحكام السعوديين (وان خالفتهم قتلوك بشبهه يسكتون بها الارنب ،فيقولون هو خارجي ) ثم حكي موقف الاخوان من عبد العزيز حين ثاروا عليه لرفضه محاربة الشيعة في العراق ،يقول عن عبد العزيز والعلماء وموقفهم من الاخوان (لقبهم هو ومشايخ الجهل الذين معه لقبوهم باسم يكرهه اهل الاسلام وهو الخوارج )[19].

وبالتالي امتدت كراهية جهيمان من الماضي الي الحاضر ،خصوصا وان خصومه من العلماء كانوا يتفانون في خدمة الحكام ،يقول عنهم ( مع اعتقادنا ان بقاءهم اليوم هدم لدين الله عز وجل ولو كانوا يدعون الاسلام ،نسأل الله ان يريحنا منهم اجمعين )  ثم بعد ذلك الحديث عن الحكام ينتقل ليعلن الكراهية لاتباعهم من العلماء فيقول ( اقول هذا مع شدة بغضنا لمن شد علي اعضادهم من اهل العلم خاصة ،ونعتقد انهم سبب الشر للحاكم والمحكوم ،لأنها لا تجتمع  ولا تتفق طائفة حق وطائفة باطل ويسيرون صفا واحدا ولا تعمل احداهما علي ازالة الاخري الا بوجود من يجمع بينهما وذلك بمداهنة من فوقه والتلبيس علي من تحته ،فأن اراد شخص ان ينصح المحكوم قالوا :ما انت بأعلم من الشيخ فلان صاحب المنصب الفلاني ،وان اراد ان ينصح الحاكم قالوا عندنا من هو اعلم منك ،وعلي هذا استقام حكم اكثر الدول ،وامتازت دولتنا بقسط وافر من هذا التلبيس منها ومن علمائها )[20].

ويري جهيمان ان عملهم بالدولة هو الذي حملهم علي التقصير في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ،ويجعل ذلك من مداخل الشيطان التي يضل بها العلماء وقد (تعلقت نفوسهم بالوظائف الحكومية ورأت انها مصدر الرزق الوحيد ،مع انهم لا يعيشون  فيها الا علي حساب الدين بالمداهنة  وعدم انكار المنكر من جلسائهم ورؤسائهم والقوانين والمواد والانظمة التي يسيرون عليها )[21].

ويروي في ذلك شعرا عاميا يقول عن العلماء :

تشبهوا بالكفر في كل الاقطـــار               ويبغوا  رجال الدين مثل الكباشي

قوم تري ترك الوظائف من العار                       ولا ينكر المنكر اذا مر ماشــي

هم يحسبون الدين به قطف الثمار           وملاعبة من تلبس الــغواشي[22]

والواضح ان اهمال فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تتخلل كراهية جهيمان للعلماء بسبب علاقتهم بالدولة ،وهذا يؤكد صعوبة الفصل بين العاملين في عقلية جهيمان ،اذ يكره الدولة لعدم اقامتها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يراه من فجوة بين النص والتطبيق ، وبالتالي يكره العلماء العاملين لدي الدولة في تقاعسهم عن هذا الواجب ..

وفي رسائل جهيمان تفصيلات اكثر توضح ان سبب نقمته علي العلماء تتجلي اساسا في تقاعسهم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .

4-     تقاعس العلماء عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب اساسي في كراهية جهيمان لهم :

وهنا جهيمان (ينكر ) علي خصومه العلماء ضعف او قلة او عدم انكارهم علي ما يستحق الانكار من وجهة نظره وتأثير ذلك الموقف علي سلوكياتهم وعلاقتهم بالسلطة وعلي الناس .

ونتوقف اولا مع (انكار ) جهيمان علي (انكار ) العلماء .

ونراه اولا يقسم رجال الدين الي صنفين يراهما سبب هدم دين الاسلام وصرف الناس عنه ،وهما الصوفية وعلماء السلطان ، ثم يلحق بهما المطاوعة والمرشدين ،ويقول عن المطاوعة (وهؤلاء اتخذوا من اهل المنكر بمنزلة الوالد فهم يخفضون له جناح الذل من المسكنة ،وتجد المنافقين يثنون عليهم ويسمعونهم الثناء ،ويقولون فلان دينه زين لأنه لا ينكر المنكر ،واما المرشدون فيتكلمون في العبادات كالصلاة والصوم والحج ،واما الاصل وهي ملة ابراهيم عليه السلام ومقاطعة اهل الباطل والتبري منهم وانكار المنكر فانهم لا يتطرقون اليه لانه يبين مخازيهم ومخازي من يعيشون تحت ايديهم .وان اخطأ من لا سلطة له شنعوا عليه .واما القضاة ومشايخ المحاكم فلا داعي للتطرق اليهم لأنهم قد لحقوا بالسلاطين )[23]أي انه ينكر علي كل اصناف العلماء .

وبين سطور رسائله ينكر علي العلماء الذين يقولون مالا يفعلون .يقول ان الكثير منهم انشغل بأمر العامة (يقضي جميع اوقاته فيقول هؤلاء فعلوا واحدثوا ،وفي المكان الفلاني فساد ،وفي المجلة الفلانية مقال كذا ،وفي وزراة كذا امر كذا ونهي عن كذا ،ويشتغل بتعداد المنكرات التي تنشرها الحكومة  ،ثم احيانا يقول هؤلاء كفار ،وان كان يعمل عندهم قال هم مسلمون ويريدون الاصلاح ولكن الفساد من المسئولين ويجب علي الحكومة ان تفعل كذا ولابد ان يكون كذا وكذا ووهلم جرا ..من ضياع الاوقات والتلاوم ،مع انه يدري ان القوم عازمون علي ماهم عليه ،وانهم يمكنون باطلهم بالسيف ،ولو كان المخالف لهم اقرب قريب ،ولكنه يشغله الشيطان هكذا .وفي كل الاحوال تجده في احواله مقصرا قصورا كبيرا ،فلا يتعلم دينه العلم الثابت الصحيح  ،وبيته ملئ بالصور لا يطمسها ،ويخالط الناس لا ينكر المنكر اذا رآه  ،والقرآن مقصر فيه لا يتلوه ،وان تلا لا يتدبره ولا يتفقه فيه ، ولو فعل هذا واشتغل به وترك امر العامة لكان خيرا له ) ويقول في موضع اخر عن هذا الصنف من العلماء (وخلاصة حججه هذه كلها علي اختلافها ان يبرر موقفه حيث فعل بلا امر والقول بلا فعل ،يتجلي لك في كثير من الامور من اهمها قول الكثير من الناس نحن نغير المنكر ونحن نتبع السنة ونحن لا نرد الحق ونحن  لا نطيع الحكومة في معصية الله ،وغير ذلك ،فاذا نظرت الي حقيقة اقوالهم وجدتهم يقولون مالايفعلون )[24].

وعقد جهيمان فصلا في بيان ملة ابراهيم ورأى انها تقوم علي اصلين هما اخلاص العبادة لله تعالي  والتبرؤ من الشرك واهله واظهار العداوة لهم ،ثم يلتفت الي علماء عصره فيري منهم من ينكر علي الذين يقدسون القبور الصوفية واهل البدع ،ومنهم من ينشغل بالتعصب المذهبي وتنقية الحديث النبوي مما ادخل فيه ،وطائفة افتتنت بالرد علي الشيوعية واثبات وجود الخالق والسعي الجاد في السيطرة  علي الحكم ،وهناك طوائف اخري لا داعي للخوض فيما هم فيه لأنها تقوم علي الجهل .ويري انهم جميعا ينكرون علي من ليست له سلطة في يده (وانهم سكتوا عن اصحاب السلطات فيما يقومون به من هدم لدين الله ) ويقول انهم يشبهون من يقيم الحد علي الضعيف ولا يقيمه علي القوي (ان اخطأ من لا سلطة  في يده شددوا عليه وعادوه  ،وان اخطأ اصحاب السلطان الذين يعيشون تحت ايديهم ويخافونهم ويرجونهم التمسوا لهم العذر ،فأن لم يجدوا لهم عذرا التمسوا لأنفسهم العذر بالضعف وعدم القدرة علي التغيير )[25].

وكما انكر جهيمان علي نوعية انكار العلماء نراه ينكر علي بعضهم سكوته عن الانكار .

فيقول ان بعضهم عاش تابعا للسلاطين (يبايعونهم  ويسكتون عن باطلهم ،وربما اخذ شيئا من دنياهم وتبوأ بها رباطا او مسجدا  حتي يقال بني علي نفقة الشيخ فلان ) ويري انهم ساروا علي غير سنة النبي فعاد امرهم في اخره (الي التراخي والمداهنة والسكوت عن المنكر حتي خلا المجال للشر واهله ) ويخاطبهم قائلا (هل قمتم بأمر النبي صلي الله عليه وسلم وهو ان تشهدوا علي المحسن بأنه محسن  وعلي المسئ بأنه مسئ ؟)( هل قلت ايها الموظف للرئيس او الامير او الوزير او الملك انت مسئ في هذا العمل المخالف للشرع  ؟وهل نهيتم بنهي النبي صلي الله عليه وسلم من كان يعمل شرطيا او اميرا او جابيا او خازنا عند امير يقرب شرار الناس ويؤخر الصلاة عن مواقيتها ؟ وهل عملتم بما جاء في الحديث عن المجاهدة باليد واللسان والقلب ) الي ان يقول (لكن والله لو فعلوا ما تركهم هؤلاء الامراء ..ليلة واحدة ،وهم تحت ايديهم في احسن المساكن وافخم المراكب )[26].

ويقول عنهم انهم ( سكتوا عن الشرك والبدع وتركوها تعمل امامهم ،ولكنه لا ينكر الا  في خطبة الجمعة ،ومنذ عشرات السنين والشرك كما هو والبدع كما هي امامه ،ولكن الحق ان هذه ليست وظيفته ،انما وظيفته خطبة الجمعة والصلاة فقط ،وذاك من اختصاص الهيئة (أي هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ) والهيئة نائمة او مضروب عليها بمطرقة من حديد افقدتها وعيها ،ولكن طالما ان المعاش ماشي  فهم مستمرون في مسمي الوظيفة الصورية ،واذا جاء اخر الشهر استلموا المكافأة علي المداهنة والتغاضي عن المنكر ،فانا لله وانا اليه راجعون )[27].

 ويلتفت جهيمان الي نوع اخر منهم يعتذر بانه يكتفي بالانكار القلبي يقول ( فهؤلاء تجدهم يقولون ننكر بقلوبنا ،وهذا لا يكفي ) [28].

وفي موضع اخر ينتقد جهيمان ما اعتبره مخازي العلماء في الدراسات العليا والجامعات واعتبر الجهل اهمها ،وحكي بعض الاقاصيص ،واستثني منهم الشيخ ابن باز  والشيخ الشنقيطي  ،وذكر قول احد المتخرجين له (وقال لي احد المتخرجين من دار الحديث والجامعة لما رأي ان لي رغبة في العلم قال لي :يا فلان والله لقد دخلت دار الحديث والجامعة وتخرجت منها ولم استفد من العلم شيئا ،وانما عرفت من طلبة العلم ومدرسيه انهم اناس متعوشة ،يقصد انهم يدرسون من اجل المعاش والشهادة التي يعيشون بها )[29].

ويلاحظ ان جهيمان اخطأ لغويا وهو ينكر عليهم الجهل ،اذ قال (المتخرجين من دار الحديث )والصحيح (تخرج في ) وليس (تخرج من ).

ويعطي جهيمان لمحات الي الاثار المترتبة علي ما سبق علي مستوي العلماء وعلي مستوي العامة ،فالارتزاق اورث جهل المتخرجين في الجامعة الدينية ودار الحديث ،حيث كان الهدف هو مجرد الحصول علي الشهادة العلمية وما وراءها من مكاسب .

وبالتالي فان المنتظر من هؤلاء العلماء ان يتصاغروا امام اصحاب السلطان ، يصف جهيمان المطاوعة يقول( فتري المطوع يسير خافضا رأسه عن مساوئهم (أي الحكام ) ويتظاهر ان خفضه رأسه من الدين والورع وهو في الحقيقة من الذل والمسكنة ) ويقول عن الدعاة ( ولذا تري اهل الذل والمسكنة الذين سلك مسلكهم كثير من الدعاة اليوم ،يريدون الدعوة الي الحق تسير بلا اذي وهذا باطل )ويقول عنهم جميعا (فتجدهم يظهرون الدين في ثوب المذلة والمهانة والاستهزاء والبدع كما تري في وزارة الحج والاوقاف ودار الافتاء وهيئات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ووزارة الاعلام بجميع وسائلها )أي انعكست احوالهم علي ما يقولون من احاديث دينية ،وبالتالي انعكس الوضع علي الناس في رؤيتهم للدين ،يقول جهيمان (وهذا  هو السبب الذي صرف الكثير من الناس الذين يحبون العزة ويكرهون الذل عن الدين لما رأوا رجال الدين في هذه الذلة، والسلطة والقوة في ايدي غيرهم )[30].

ومن ناحية اخري اقتدي بهم الناس  في عدم انكار المنكر ،اذ انتقل اليهم الخوف الذي يعيش فيه العلماء حسبما يري جهيمان ،الذي يلقي بالمسئولية علي الدولة ،يقول عن خوف العلماء من الدولة ( اذا اجبته بهذا وقطعت حجته ظهر لك الخافي منه وهو ضعف الايمان وضعف الخوف من الله عز وجل ،فيقول كلامك صحيح ولكن هذا النظام وايشي نسوي ومانقدر نخالف النظام ،فالي الله المشتكي كيف يخاف من مخالفة النظام ولا يخاف من مخالفة امر الله عز وجل ) الي ان يقول جهيمان عن الناس (والواقع الذي لا ينكر انك اذا سألت الواحد من هؤلاء الناس مادليلك علي هذا الفعل وهل عندك عليه امر من الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم احتج عليك بالحجج المختلفة مثل .كل الناس علي هذا ،او هكذا يفعل الشيخ فلان ،واكبر حجته ان يقول :الشيخ افتاني بهذا .)[31].

وهكذا يعطي جهيمان دون قصد بعض اللمحات التاريخية عن الحياة الاجتماعية لعصره مشفوعة بوجهة نظره وهي وجهات نظر، لا تخلو من تعمق في التحليل والتفسير حيث شغل عقله وحياته بالانكار علي سادة عصره وهم الحكام والعلماء ،وقدرأينا سبب كراهيته للعلماء ،فماذا عن الدولة ؟

اجمالي القراءات 9954

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الجمعة 19 سبتمبر 2014
[75972]

تم تجميع مقالات ( داعش ) فى كتاب يعنوان ( دين داعش الملعون ) وهو منشور الآن فى الموقع .


ونرجو نشره عبر الانترنت لأهميته الراهنة . 

وشكرا لكم مقدما.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4343
اجمالي القراءات : 40,388,170
تعليقات له : 4,624
تعليقات عليه : 13,478
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي