برنامج باسم يوسف متقدمون أم منحطون(4-1)

سامح عسكر في الأربعاء 30 اكتوبر 2013


في رؤية سابقة أشرنا إلى أن الفنان المصري الساخر باسم يوسف هو ممثل لروح المصريين الساخرة، وهذا حق، وأنكرنا على من يضعه في مواجهة مع الفريق السيسي لأنه لم يصرح بالإساءة للفريق ، ولأن الرجل له باع في تنوير العقل المصري وإضفاء نوع من المرح في قبول الأشياء سواء بحلوها أو مرها، وتلك طبيعة الساخر، أنه يعمل في اتجاه واحد، يسخر من المتناقضات بعد كشفها، ولكن انطلاقاً من نسبية الرأي فالعمل قد تشوبه بعض الأخطاء، وتتضاعف نتائجه بأهمية الضحية، فلو كان شخصاً عاديا أو ذا منصب حكومي لبقيت آثاره في حدود الرأي والرأي الآخر، ولو كان شخصاً اعتبارياً كمؤسسة أمنية أو قضائية سنتوقف.

والسبب أن تلك الشخوص الاعتبارية لا تعمل بعقول فردية، بل تعمل ضمن لوائح ونُظُم يصعب من خلالها إلقاء المسئولية على فرد بعينه، خلاف ما يحدث في مؤسسات الإعلام أو الرئاسة أو البرلمان، فزعيم الأغلبية في البرلمان قادر على تمرير رأيه دون النظر لمواقف الأقلية، كذلك فمؤسسة الإعلام هي مؤسسة خاصة تتبع عدداً من رجال الأعمال الذين يملكون إعادة تشكيل الوعي المصري حسب ما يناسبهم أو يُملى عليهم، والرئاسة تُدار كذلك بأسلوب هرمي من أعلى نظراً لطبيعتها الفردية، نرى من ذلك أن جميع المؤسسات السيادية عالية يجوز القول عليها أنها مؤسسات فردية تِبعاً للعقل الفردي القائد.

ولكن حين التعرض لمؤسسات الدولة الأمنية لا يمكن إغفال وظيفتها في حماية أمن البلاد وصيانة دماء وأموال وكرامة شعبها، وهذا الصنف من التحدي يخلق طبيعة جماعية ..ويطلب عقولاً مطلعة وتعاون في إطار وظيفي تحكمه المبادئ والقوانين...لذا فمن الصعب أن تُدار تلك المؤسسات بعقول فردية، وهي القائمة على نَظَر السمع والطاعة، وإن كان القائد هو صاحب الرأي التنفيذي ضمن منظومتها العملية، وهي المؤسسات التي تقوم بتحليل الأحداث السياسية وربطها بمهام وظيفتها الموكولة، فلابد لها أن تفهم الواقع السياسي التي تعمل من خلاله وتضع الخطوط العريضة التي تكشف المتغيرات والثوابت المؤثرة في الواقع السياسي، هذا ليتسنى لهم تبني بعض الأساليب العملية للحفاظ على دولتهم وتحقيق مقتضى وظيفتهم..

أكبر دليل على أن المؤسسات الأمنية تعمل بأسلوب وعقل جماعي وظيفي هو تلك الانقلابات التي تحدث ضمن نسيجها العام، فمع كل انقلاب تتغير خطوطها العريضة ، ولو كانت تعمل بعقول فردية لظهرت موجات رد فعل داخل نسيجها العام ترد فيها على ما حدث سواء من انقلاب أو تغير في القيادة، فالساسة غالباً لا يلجأون لتغيير قادة تلك المؤسسات، ذلك أن استقرارها يعني استقرار الدولة وحمايتها من الأعداء، فالخط الجماعي-لتلك المؤسسات- يعجز عن التكيف مع أي تغيير بسرعة، وتتطلب كل قيادة مهلة من الزمن لإعادة تشكيل الوحدات وتوزيع الأدوار وخطط التدريب والتسليح والمواجهة وما إلى ذلك من أشياء حصرية لتلك المؤسسات.

وهذا يعني أن ثبات القيادة يساعد على تنظيم أكثر ومرونة في العمل الجماعي الأمني، وفي تقديري أن الخلل الذي أصاب المنظومة الأمنية المصرية بعد ثورة يناير كان لهذا الاضطراب الشديد في القيادة العامة للجيش والشرطة، ولست مع من يدعي بأن اقتحام السجون كان هو السبب في انهيار الشرطة، ولكن أرى أن الكيان الشُرَطي هو كيان حربي لا مركزي، يمكن أن يعمل في أجواء وزمان ومكان ليسوا أصليين، بمعنى أنه يجوز نقل مراكز الشرطة لأحياء أو بيوت خلاف الجيش الذي يتطلب دوره مساحة واسعة وأماكن ثابتة تتبع لقيادة عسكرية واحدة، ولكن هذا الشرط غير متحقق في جهاز الشرطة، إذ يصح اقتحام الشرطة لعدة أماكن بقيادات فرعية دون الرجوع للقيادة الرئيسية، وهذا يعني أن الأسلوب الشرطي دائماً ما يعمل في أجواء مختلفة عن الجيش.

أما الجيش فوظيفته هي حماية الأمن القومي للبلاد، سواء كان الخطر من الخارج أو من الداخل، فلو كان الخارج واضحاً فالداخل ليس كذلك، إذ سيمس ذلك العملية السياسية والخلافات بين الأحزاب والتيارات، وعليه كان من الضروري للمجتمع الديمقراطي هو تقنين وتحديد مهام الجيش وعمله في إطار الدولة، بقيَ الخلاف من سيفعل ذلك هل الحكومة أم النخبة أم الشعب، ولأن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب فلا يمكن استبعاد الجماهير من وضع وظائف ومهام الجيش وخطوطه العريضة في القانون، لذلك وفي تقديري أنه لو خرجت الجماهير تطالب الجيش بالتدخل أو لإدارة البلاد كان هذا من صميم العمل الديمقراطي، وهذا يختلف في مجتمعات الغرب عن الشرق.

ففي المجتمعات الغربية لا يوجد للجيش فيها دور سياسي في وعي الجماهير سوى حراسة أمن البلاد من عدو الخارج، أما في أمريكا اللاتينية فالوضع يختلف ذلك أن الجماهير لا تمارس الديمقراطية كما يمارسها الأوربيون ، فمكانة ووضع الجيش في الحياة السياسية رئيسي، بل يمكن القول أن 10 دول لاتينية على الأقل يحكمها العسكريون بصفة دائمة أو مؤقتة، وإذا كان ذلك علامة على الانحطاط السياسي فقد كان له مؤشراً إيجابياً في وحدة هذه البلاد ومنع تفككها، فالخلافات بين الأحزاب قد تعجز الديمقراطية عن حلها، وقتها سيظهر الجيش بصفته حارس الأمن القومي ويتدخل، وهذا ما حدث في مصر، فبعد أن عجزت الديمقراطية عن حل المشاكل وأصبحت الأخطار محدقة من كل جانب كان على الجيش أن يتدخل منعاً لنذور الأسوأ.

ونحن هنا لن نناقش دور الجيش في العملية السياسية المصرية من جانب الحُكم، فبعد أربعة أشهر على رحيل الرئيس السابق مرسي لم يظهر-حتى الآن- للجيش أي دور في تشكيل الحكومة أو لجان الدستور، بل سنناقش وضع الجيش في سياق قيم الحرية رداً على من يتهم مصر بالاستبداد في هذا التوقيت، ولن يصحب ذلك نفياً للاستبداد بالمُطلق ولكن سنراجع هذه الصورة التي ظهرت في برنامج باسم يوسف مؤخراً، وأراد من خلالها نقد السلطات الحاكمة وإيهام المشاهد بأن مصر تئن تحت وطئة الحُكم العسكري وأن ما حدث في 30 يونيو لم يكن ثورة شعبية تصحيحية بل انقلاب عسكري غير مشروع..هكذا ظهر من نقده الذي جاء في توقيت أقل ما يُقال عنه أنه خاطئ ويُعطي المبررات لخصوم الدولة بالإمعان في عمليات الإرهاب والقتل على جميع المستويات..فضلاً عن المعلومات المضللة التي رافقت وأنشأت هذه الصورة.

اجمالي القراءات 5861

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 5,547,345
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 411
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt