معجزة اختيار اللفظ في القرآن:مدخل لعلم قرآنى جديد:( الجزء الثامن )

آحمد صبحي منصور في الإثنين 23 سبتمبر 2013


 

الحادى والعشرون :

( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) القلم ) ، ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) الاعراف )

1 ـ حال المسلمين مثل الغريق الذى يكتشف قاع البحر ، ولكن لا يستفيد باكتشافه هذا ولا يفيد أحدا ، لذا يظل المسلمون يغرقون فى نفس البحر عبثا . يتقاتلون بسبب الخلاف بين ( على ) وأبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، يجددون ويكررون مآسى مواقع الجمل وصفين والنهروان وكربلاء بغباء منقطع النظير لامثيل له فى تاريخ العالم . هذا مع أن القرآن معهم فلم يزدادوا به إلا خسارا لأنهم إتخذوه مهجورا وقدسوا غيره. لهذا فهم يتم إستدارجهم لنفس الغرق فى نفس البحر . ومن عجب أن القرآن الذى أتخذوه مهجورا قد نبّأ بذلك مقدما فى كثير من آياته ، ومنها آيات تتحدث عن عذاب دنيوى سيحيق بمن يعصى ، ولكن نتوقف مع تهديد هام يوجّهه رب العزة لمن يكذّب بالقرآن ، وقد صيغ باسلوب رائع من الاعجاز فى إختيار اللفظ ، وجاء مرتين فى القرآن الكريم : هو قوله جل وعلا :( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) .

المزيد مثل هذا المقال :

2 ـ يقول جل وعلا فى نهاية سورة القلم ، وهى من أوائل ما نزل من القرآن الكريم : ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) القلم ) . ويقول جل وعلا أيضا فى أواخر سورة الأعراف ، وهى أطول السور المكية : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الاعراف ). يجمع بينهما هو التهديد بالاستدراج ( من حيث لا يعلمون ) لمن يكذّب بحديث القرآن ، ووصف القرآن فى الموضعين بالحديث .

3 ـ بدأت سورة ( القلم ) ببداية ذات دلالة ، حيث يقسم رب العزة بالقلم وما نسطره بالقلم :( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) ونحن نسطّر بالقلم الخير والشر ، الحقّ والباطل ، التصديق والافتراء والتكذيب . ثم كان المقسوم عليه خاصا بمحمد عليه السلام ، وهو : إنه عليه السلام ـ خلافا لاتهام المشركين له ـ  ليس مجنونا حين أنزل الله عليه نعمة القرآن :( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2))، وهنا وصف للقرآن بالنعمة ،وقد تكرر وصف القرآن بالنعمة فى القرآن فى مواضع شتى: ( الطور 29 الضحى 11 المائدة 3 لقمان 20 ـ العنكبوت 67 ـ  البقرة 231 النحل  82 ـ  83 ابراهيم  28 ـ ).وأنّ له عليه السلام أجرا غير ممنون ( وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)) ، وأنه عليه السلام على ( دين عظيم ):( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) و جاء مصطلح ( الخُلُق ) مرتين فقط فى القرآن ، ليس بمعنى ( الأخلاق ) ولكن بمعنى الدين . والدين نوعان : دين سماوى هو الاسلام العظيم الذى كان عليه خاتم المرسلين : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) ، ودين أرضى مثل دين قوم عاد الذين قالوا للنبى هود عليه السلام عن دينهم :( إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ (137) الشعراء ). ثم يقسم رب العزة على أن رسوله الكريم سيبصر وسيرى من هو المفتون المخدوع : هو أم أعداؤه المكذّبون للقرآن: ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ (6))، وأنه جل وعلا هو الأعلم بالضالين والمهتدين :( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)). ثم ينهاه عن أن يطيع المكذّبين بالقرآن وعن مداهنتهم ومصيرهم :( القلم 8 : 16 )، ويشبّه حالهم بفتية أنعم الله جل وعلا عليهم بحديقة فبخلوا بثمارها ، فحاق بهم عذاب دنيوى لن يعفيهم من عذاب الاخرة :(القلم 17: 33 )، ثم وجّه رب العزة الخطاب للمكذّبين يسألهم ويحذّرهم ويخبر بعذابهم يوم القيامة :(القلم 34 : 43 ).   ثم جاء التهديد عامّا لكل من يكذّب بحديث الله فى القرآن الكريم :( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) . وبعده عودة للحديث عن موقفهم من القرآن وأمر للنبى بالصبر : (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)) .هذا هو السياق الخاص بهذا التهديد الذى جاء فى سورة القلم .

4 ـ أما فى سورة الأعراف فالسياق مختلف ولكن فى نفس الإطار عن القرآن الكريم وموقف الناس منه ، فهو يبدأ بتقرير أن الله جلّ وعلا قد فصّل آيات القرآن لعل الناس يرجعون للحق : ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) ) ولكن المُشكلة فى ( علماء وفقهاء الضلال ) ، الذين يتجاهلون البيان الحق فى القرآن ، ولكنهم يعرضون عنه فيصيرون أتباعا للشيطان ووحيه، فيتركهم رب العزة للشيطان ، ويضرب لهم مثلا بالكلب ، وقد ساء مثلا لكل من يكذب بأيات القرآن الكريم : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)) . ثم يتحدّث رب العزة عن المهتدين والضالين ، ويصف الضالين بالأنعام التى لا تفقه : ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)). ثم يأتى التهديد العام للمكذّبين بالقرآن :( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)). وبعده يقول جل وعلا عمّن إختارالضلال :( مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186). ويؤكّد مقدما جل وعلا أن النبى محمدا لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأنه ليس إلّا نذيرا وبشيرا ، وهذا التأكيد المبكّر يرد مقدما على فقهاء الشيطان الذين إخترعوا أحاديث تنسب للنبى محمد علم الغيب وعلم الساعة وعلاماتها ، وتنسب له الشفاعة والتصرّف فى ملك الله جل وعلا ، وهذا كله تكذيب للقرآن وقوله جل وعلا  :( يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)الاعراف )

5 ـ ويلاحظ فى سياق التهديد الذى جاء فى السورتين أنه موجه للمكذبين بحديث الله جل وعلا فى القرآن : ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) القلم ) ، ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) الاعراف ) .وأنه خطاب مباشر من رب العزة للبشر بدون إستعمال كلمة ( قل ) ، أى يوجّه رب العزة التهديد منه مباشرة للناس وبلا واسطة . ولكن السياق فى سورة ( القلم ) بدأ بالمحلية فى الحديث عن تكذيب القرشيين فى مكة فى بداية الدعوة ، وبدأ بقوله جل وعلا للنبى وهو يواجه إتهامات مشركى مكة : ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) القلم ) ، أما السياق فى سورة الأعراف التى نزلت فيما بعد فقد جاء بالعمومية والعالمية للبشر جميعا ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) ، مع بيان لأنواع البشر  بين الضلال والهداية ، وتركيز على علماء السّوء الذين يتزعّمون الإضلال ، ووصفهم بالتحقير ، ثم التأكيد مقدما على ان خاتم المرسلين لا يعلم الغيب ولا يشفع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا فى مُلك الله جل وعلا ، وهو ردُّ مقدما على فقهاء الشيطان وعلماء الأديان الأرضية الذين أنجبتهم العصور التالية يكررون التكذيب القرشى ولكن بصورة منهجية وأكثر إحترافا .

6 ـ الأهم فى سياق سورة الأعراف هو تحديد التكذيب بالقرآن بأنه ( الإيمان بحديث آخر ) مع القرآن أو غير القرآن . ورب العزة هنا يعظهم فى صورة رائعة فى إختيار اللفظ ، يقول جل وعلا : ( أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)) فهى دعوة للنظر والتفكر ، فليس هناك سوى خالق واحد هو الله جل وعلا ، وبالتالى فلا مجال للإيمان بحديث سوى حديثه جل وعلا فى القرآن الكريم ، وعليهم أن يسارعوا بالايمان قبل أن يأتيهم الأجل وهم على إيمانهم بحيث آخر غير القرآن . ومع ذلك عاشت وماتت أجيال من المسلمين وهم يؤمنون بأحاديث البخارى وغير البخارى ، ولا يزالون . هذا مع أنه جل وعلا كرّر هذا فى سورتين مكيّتين : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) المرسلات 50 ) ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) الجاثية ).

7 ـ ولكن ما معنى الاستدراج هنا ؟ معناه يفسره رب العزة بإيجاز وإعجاز بأنه من حيث لا يعلمون . وأنه طبقا لتدبير الاهى هو أن الله جل وعلا ( يُملى لهم ) أى يمهلهم حتى يقعوا فى العذاب الذى هو لهم بالمرصاد : ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) القلم ) ، ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) الاعراف ). كيف يتم الاستدراج من حيث لا يعلم الانسان ؟ إنه باستخدام الانسان العاصى ضد نفسه . فرعون موسى بطغيانه وفجوره وعصيانه هو الذى قام بتربية موسى ليكون موسى هو السبب فى تدمير فرعون وقومه وجنده (  فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص ) . أن من قوانين رب العزة أن المكر السىء لا يحيق إلا بأهله ، وهذه الحقيقة حذّر بها رب العزة قريشا من قبل ، وهم باستكبارهم يمكرون بالنبى فى مكة : (  اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) فاطر ) أى هى من السّنن الالهية أن المكر السىء لا يحيق ألا بأهله . وقريش بمكرها وإضطهادها للنبى والمؤمنين ساعدت النبى والمؤمنين فى تأسيس دولة ما لبث أن هزمت قريش نفسها . وإضطر زعماء قريش للإيمان بالاسلام ليحافظوا على جاههم ، وبعد موت النبى وطبقا لمكرهم الذى وصفه رب العزة بأنه مكر تزول منه الجبال ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ابراهيم ) فقد أدخلوا العرب والأعراب فى فتوحات دولية أسّسوا بها إمبراطورية عربية إنتهكت إسم الاسلام وشرع الله جل وعلا فى القرآن ، وهذا المكر حاق بهم فإقتتلوا فى حروب أهلية طاحنة أو ما يعرف بالفتنة الكبرى التى لا زلنا نعيشها حتى الآن .  وهذا التكذيب القرشى للقرآن الكريم قبل وبعد الهجرة نبّا الله جل وعلا به مسبقا ، ونبأ أيضا محذّرا من عاقبته حيث الحروب الأهلية والانقسامات ، مع التأكيد مقدما بأنهم سيشهدون هذا ( بعد حين ) ، يقول جل وعلا فى سورة الأنعام المكية : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)) .

الاستدراج هو أن الله جل وعلا ( يمهل ) الظالم حتى يوقعه فى شرّ أعماله : (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17) الطارق ) . وفى كل قرية أو مجتمع يوجد أكابر مجرميها الذين يمكرون فيها ليحتكروا السلطة والثروة  ، وفى الحقيقة يتم إستدراجهم للهلاك من خلال حبهم للثروة والسلطة لتكون النتيجة أنهم ما يمكرون إلا بأنفسهم وهم لا يعلمون : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) الأنعام )، وهم يستكبرون عن إتّباع الحق ، لذا ينتهى بهم الأمر الى صغار وعذاب شديد جزاء مكرهم :( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) ( الانعام )، فالاستدراج يأتى عادة من خلال ما يحبه الانسان ويهواه ويغوى بسببه . الانسان يحب المال حبا جمّا : ( وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20) الفجر ) . وفى سبيل المال يتنافسون ويتصارعون ويتقاتلون ، ويفقدون حياتهم فى سبيل مال لا بد أن يتركهم أو أن يتركوه ، إمّا أن يتركهم بالخسارة أو أن يتركوه بالموت ، وهذا إستدراج يقع فيه أغلب البشر ، ومن أجل هذا المال يقعون فى النكذيب بالقرآن عمليا وسلوكيا ، فيخسرون الدنيا والآخرة .

إن عذاب الدنيا يأتى نتيجة هذا الاستدراج حتى فى حياتنا العادية . تجد الضحية يعرف الحقّ القرآنى ولكن يرفضه حرصا على مكانته أو ثروته أو خوفا من الأذى وتجنبا للمشاكل ، وتكون النتيجة أنه يتعرض للمشاكل من مصادر أخرى ،أهمها حبّه لماله وأولاده الذين من أجلهم كفر بالحق القرآنى . ومنافقو المدينة أعرضوا عن القرآن حرصا على مكانتهم وأموالهم ، وكانت النتيجة أن الله جل وعلا عذّبهم بأموالهم وأبنائهم فى هذه الدنيا ، ثم ينتظرهم العذاب الأكبر فى الآخرة، يقول جل وعلا ينهى النبى عن الاعجاب بأموالهم وأولادهم : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) ، ( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) التوبة ) . وعذاب الدنيا يأتى تنبيها وعظة فى الدنيا قبل العذاب الأكبر يوم القيامة : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) السجدة ) ولأن الأمر مرتبط  بالاعراض عن كتاب الله جل وعلا فإن الله جل وعلا يقول فى الآية التالية عن إنتقامه من المجرمين ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22) السجدة ) .

إن الله جل وعلا قالها فى سورتين مكيتين محذرا ومهددا لكل من يؤمن بحديث آخر غير حديث الله جل وعلا فى القرآن ، قال إنه سيستدرجهم من حيث لا يعلمون . وتحقق هذا ويتحقّق هذا فى تاريخ المسلمين وحاضرهم ولا هم يتوبون ولا هم يتذكرون ولا هم يعقلون ولا هم يعلمون . وقد قال جل وعلا عن منافقى المدينة ( ومنافقى كل مدينة ) : (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) التوبة  )

ودائما : صدق الله العظيم .

اجمالي القراءات 9801

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4136
اجمالي القراءات : 36,830,394
تعليقات له : 4,461
تعليقات عليه : 13,159
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي