المصدر: الإسلام اليوم :
مشاهد من الفوضى الخلاّقة في الصومال

  في الأربعاء 09 ابريل 2008


ربما لم تعش أمة من الأمم في القرن الحادي والعشرين مأساة وفوضى كالتي يعيشها الشعب الصومالي.. موت وجوع وتشرد وضياع، ولا حكومة ولا نظام. غير أن الأسوأ في هذا كله أن لا أمل يلوح في الأفق..كلما تراءَى في النفق بصيص من نور هبت رياح هوجاء لتطفئ الشمعة، ويعود الوضع إلى ظلام أسوأ مما كان.
تبدوا مشاهد الفوضى جلية في كل مظاهر الحياة. بعضها يثير الشفقة والآخر يثير الضحك. وشر البلية ما يضحك.. وسأورد هنا بعضًا من هذه المشاهد:





المشهد الأول.. شعب بلا حكومة

كثير من الشعوب العربية يشكون ظلم الحكومات وقهرها ويتمنوْن أن لو أزيحوا من كراسيهم. لكن هل تخيلتم أن شعبًا يعيش من غير حكومة؛ من غير وزارات ولا جيش ولا قضاء. لا أظن أن أحدًا يصدق أن يحدث هذا في القرن الحادي والعشرين. هذا ما يعيشه الصوماليون سبعة عشرة عامًا. نعم، مرت مسميات رؤساء صُنعوا في الخارج وعملوا سفراء لدى الصومال للبلدان التي صنعتهم، ثم انتهت فترتهم دون أن يحكموا حتى القصور التي سكنوها أثناء زياراتهم القصيرة.
سقطت الحكومة المركزية مطلع عام 1991 بعد أن زرعت الأحقاد بين القبائل وشحنت النفوس بالبغضاء، فانفجر بارود الظلم وقتل الناس بعضهم بعضًا؛ انتقامًا، ونُهبت الأموال، ودُمر كل ما كان يمت بصلة للنظام.
لم يكن يدرك الشعب الصومالي أن النظام الظالم الذي يحمل السلاح ضده ربما يكون أرحم له مما سيأتي بعده، بل تمنى كما تمنى إخوة يوسف "يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين".
ذهبت سكرة الانتقام وأفاق الناس على واقع جديد؛ واقع اللا حكومة واللا أمن واللا نظام.
تغدو في الصباح الباكر لتكسب قوت يومك، وعند خروجك من المنزل تحذر من أن تلبس ما يلفت العصابات المنتشرة في كل مكان. لا تتزين، لا تلبس ملابس أنيقة أو ساعة يد، إلا إذا كان لك حرس خاص. قد تنشب حرب في أي لحظة بين العصابات في الحي الذي غدوت منه، ثم لا تتمكن أن تعود.
المطارات والموانئ سقطت في أيدي أشخاص أغنوا منها غناءً فاحشًا، بعضهم زرعوا الحشيش وتاجروا بكل شيء.. قطعوا الأشجار وأحالوها فحمًا يصدّر للخارج.. باعوا التماثيل وأسلاك الكهرباء.
التعليم والصحة والماء والكهرباء، كانت مثل أي بلد شيوعي في يد الحكومة. مضي زمن قبل أن يتكيف الناس مع الواقع الجديد. وأصبح التعليم والصحة في يد منظمات خيرية، أما الماء والكهرباء فتوفرهما شركات خاصة.
أجمل ما أنتجته الحرب هي شركات الحوالة؛ فبعد أن فر الكثير من الحرب، وتشتتوا في بقاع الأرض، أُنشئت هذه الشركات؛ حتى يسهل تحويل الأموال إلى الصوماليين. من خلال هذه الشركات يمكنك أن ترسل أي مبلغ إلى أي مكان في العالم بنقرة واحدة.
في أسواق مقديشو كل شيء معروض للبيع، شهادات الجامعات من أي كلية، وجواز السفر، دبلوماسي أو عادي، متوفر بأسعار زهيدة، وأنواع الأسلحة من المسدس وحتى الدبابات.



المشهد الثاني.. أحلام الأمس كوابيس اليوم

ذات يوم كان الصوماليون يهتفون للصومال الكبير؛ الذي يضم الأجزاء الخمسة التي ترمز إليها النجمة الخماسية المتربعة وسط العلم الأزرق. وبنَوْا من أجل هذا الحلم جيشًا قويًا، وخاضوا في سبيله معارك. يقول البعض: إن هذا الحلم هو سبب كل المصائب، وحتى الرئيس الكيني السابق موي لم يُخف هذا عندما قال في كلمة له أمام حشد من الطلبة الأمريكيين: "إن الصومال لن تستقر طالما تسعى لاستعادة إقليمي NFD وأوغادينيا".
والآن وبعد ما يقرب من نصف قرن من الاستقلال، تسعى بعض الأقاليم للانفصال عما تبقى من الجسد الصومالي لتتمزق النجمة إلى أجزائها الخمسة.
العاصمة القومية التي كانت تتبنى مشروع الصومال الكبير، سقطت هي الأخرى في يد من كانوا يحتلون إقليم أوغادينيا. وجاء زعماء الاحتلال -ليسوا لاجئين هذه المرة، كما جاءوا في الثمانينيات، عندما كانوا يحاربون حكومة بلادهم- بل على ظهر دبابات وطائرات حرب؛ ليدمروا المدينة التي آوتهم واحتضنتهم، وليقتلوا الأطفال والنساء الذين دفعوا من تكاليف صحتهم وتعليمهم، ليستمتعوا هم في فنادق مقديشو.



المشهد الثالث.. جيل الحرب

المأساة والفوضى دخلت عامها الثامن عشر، ونشأ في ظلها جيل لم يعرف حكومة ولم يشاهد قط رئيسًا يأمر ولا وزيرًا ينهى. كل ما يعرفه هو منظمات خيرية تدعم الصحة والتعليم.
الأطفال في الصومال يحفظون عن ظهر قلب، أنواع الأسلحة، وسعر كل واحد في السوق، وفاعليته. لم يلعبوا يومًا بالعرائس والدمى. وربما لا تستغرب -إذا سمعت صوت رصاص- أن يخبرك طفل في العاشرة من عمره بنوع السلاح ومسافته وهل أصاب أو لا.
الشباب في الصومال يختلفون عن نظرائهم في العالم. لا يهتمون كغيرهم بالتأنق في الملبس وغيره. قناة الجزيرة هي القناة المفضلة لديهم، ترى شاشتها في كل ناد ومقهى؛ ربما لأنها تضع أخبار القتل والتفجير أو بالأحرى الأخبار السياسية الجادة في قمة أولوياتها. والقسم الصومالي في الـ (بي بي سي) محاضرة يومية. في الخامسة مساءً يجتمع الناس حول المذياع ليعرفوا ما جدّ في أحوالهم. ومن فاتته تلك المحاضرة يتعين عليه أن يراجعها مع زملائه.
وسيلة الترفيه الأكثر شيوعًا هي الدردشة على الانترنت. يقضي الشباب في المدن على الأقل ساعة من يومهم في الماسنجر؛ ليجدوا متنفسًا في الدردشة مع أهاليهم وأصحابهم الذين تشتتوا في مشارق الأرض ومغاربها.
الأحياء الجديدة والمخيمات التي تتكون مع كل حرب جديدة ونزوح جديد، تأخذ أسماءها من مدن أخرى منكوبة، تتردد في عناوين الأخبار مثل: فلوجه، قندهار، تورابورا، غزة.



المشهد الرابع ..الطريق إلى الحكم

أن تكون سياسيًا في الصومال أمر بسيط لا يتطلب معرفة ولا خبرة ولا تدرجًا في السُّلم السياسي. فقط قرر ماذا تريد.. ستجد نفسك خلال أسابيع ملء السمع والبصر، وفي المانشيتات العريضة للصحف المحلية وربما العالمية.
يعرف الناس هنا أن بعض الأقطاب البارزين في النزاع الصومالي كانوا بالأمس القريب سائقي سيارات أجرة ونوادل ولماعي أحذية.. عفوًا، ليس هذا امتهانًا للمهنة ولا لأصحابها، لكن العربات التي كانوا يركبونها مازالت تشحن، والمقاهي مازالت تعمل، وقطعة الورنيش ملقاة بإهمال أمام عتبة الباب.
إذا أردت أن تكون سياسيًا ينبغي عليك أن توفر ما يكفي لتزويد خمسين شابًا من المليشيات بالقات مدة شهر، سيأتون هم بمدرعاتهم وربما دباباتهم، ثم تسيطر على حي من المدينة التي تريد أن تفرض على أهلها الضرائب مقابل أن تحميهم من المليشيات الأخرى. ومع أول عملية مصالحة ستكون من المدعوين المهمين.
إذا كنت طموحًا، يتعين عليك أن تمتطي ناقة العشيرة، وتتبنى مصالح قبيلتك، وتتحدث باسمها؛ فمن العوامل المؤثرة في مشوارك السياسي مركز قبيلتك وقوتها.
آخرون رأوْا أن أقرب طريق إلى السلطة هو ركوب دبابة محاربة ما يسمونه "الإرهاب"، فقد أضحت بعد 11سبتمبر الوسيلة الأسرع والأضمن للوصول إلى القمة.



المشهد الخامس.. شوارع مقديشو قمامة محمية

"هل تعلم أن العاصمة الوحيدة في العالم التي ليس فيها شرطي مرور هي مقديشو؟!!"، عندما تسمع مثل هذه المعلومة يتبادر إلى ذهنك أنه من شدة رقي أهلها لم تعد تحتاج إلى شرطي مرور. وقد يظن القارئ أنها استعاضت بنظام رقمي أو اليكتروني عن النظام التقليدي، لكن زيارة واحدة إلى مقديشو أو بالأحرى مغامرة، تكفي لتكشف حقيقة المعلومة.
في مقديشو يمكنك أن تقود أي نوع من المركبات في أي شارع وفي أي اتجاه، دون أن تحتاج إلى رخصة. لا أحد يستطيع إيقافك سوى رغبتك أو المليشيات. إدا حدث حادث لن تستدعي شرطة. يمكنك أن تحل مشكلتك مع الطرف الآخر. قد يكون سهلاً لينًا وينتهي الأمر بتفاهم، مهما كان الحادث. وقد تضطر لأن تشهر سلاحك فتقتل أو تُقتل لحادث بسيط.
على جانبي الشارع، المباني مكتظة بالسكان. لا أحد يمنعك أن تبني في قلب الشارع. بعض الشوارع أصبحت مزبلة من كثرة ما تجمع فيها من قمامة، حتى أقفلت تلقائيًا. حذار! لا يأخذنك حسن النية أن تحاول تنظيف الشارع. ثمة مليشيات تحمي القمامة من الإزالة. يمكنك أن تزيد فيه الأوساخ، لكن لا يجوز لك أن تنظف إلا بعد أن تدفع رُشًى وإتاوات قد تكون باهظة، حسب الشارع وحسب من ينوي القيام بالنظافة...هذه لقطات من المشهد الصومالي الراهن.

اجمالي القراءات 4701
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق