رحلتي من الإخوان إلى العلمانية (8)

سامح عسكر Ýí 2016-01-17


في التسعينات من القرن الماضي اغتيل المفكر المصري العلماني .."فرج فودة"..وقتها مر اغتياله عليّ كحدث عابر حيث لم أكمل عامي الخامس عشر بعد، وفي هذا السن أزعم أن الإدراك الإنساني غير مكتمل ولديه قصور في الوعي والنمو، بينما كنت أسمع عن قادة الإرهاب-وقتها-كعمر عبدالرحمن على أنه.."شخص مجاهد"..يحارب أعداء الله، وبعدها بفترة وجيزة تم اعتقال عمر عبدالرحمن في أمريكا فتعززت لدي صورة ناصعة لعُمَر اكتملت بثناء المجتمع الإخواني عليه وعلى جهوده في خدمة الدعوة.

كان الإخوان ينظرون لعمر عبدالرحمن على أنه شخص مجاهد لكن ضل الطريق، فالجماعة حينها لم تتبن العنف على أجندتها، وبرنامجها كان يهتم أكثر بالتفاوض أو الضغط على الحكومة مقابل رفع الحظر السياسي..

كانت مرحلة خطيرة حيث هذا السن هو سن المراهقة يكون فيه الشخص في أضعف حالاته، ويمكن لأي طرف التأثير عليه خصوصاً بالشعارات، لكن على المستوى الفردي لم أكن أميل للعنف وأكره الدعوة بالصوت العالي وأميل أكثر للهدوء والسلام الروحي والسكينة، لذلك مع قناعتي أن عمر عبدالرحمن مجاهد إلا أنه ضل الطريق.. وهي رؤية كانت شائعة في الإخوان انطبقت بعد ذلك على زعماء القاعدة كأسامة بن لادن والظواهري..

في مرحلة ما اطلعت على وثائق تفيد أن فرج فودة لم يكن وحده المستهدف، بل كان معه في القائمة نجيب محفوظ وسعيد عشماوي وفؤاد زكريا، وجلهم أكابر الفكر التنويري والعلماني في مصر، علاوة على فنانين وصحفيين كبار كعادل إمام ومكرم محمد احمد، إضافة لقيادات الداخلية، وبالطبع عندما يكون كل هؤلاء ضمن قائمة الاغتيال فيعني وجود شحنة نفسية وعقلية داخل مجتمع الإخوان- والتيار الإسلامي بالعموم -لكراهيتهم وإن رفض الإخوان مبدأ عمر عبدالرحمن في استهدافهم..

لكن مع كل ذلك فسمعة الإرهابيين-وقتها-لم تكن على ما يرام، والغضبة الشعبية على قتل فرج فودة كانت كبيرة، حتى مع جهل الأغلبية المصرية بمنهج فرج لكنهم غضبوا على قتله والسبب في حشد الإعلام للجماهير، حتى أن جنازته كانت حاشدة ، ونال تعاطف كل القوى السياسية والثقافية والعمالية مما ساعد في حصار الإخوان والتيار الإسلامي بالعموم.

كان اغتيال فودة حدث فارق في تاريخ الجماعات بمصر، ونقلة نوعية حشدت الأنصار لكلا الجانبين، واستبانت كل القوى وظهرت على حقيقتها، فمحمد الغزالي الداعية الوسطى ظهر شريرا محرضا على القتل، وعمر عبدالرحمن المجاهد تحول إلى شيطان-عدا ما يعتقده الإسلاميون-وبما أن المحيط الشعبي كان رافضاً للاغتيال فشاع في الإخوان أن ما حدث خطيئة كبرى لا تغتفر، لكن ظلوا على معتقدهم أن الرجل في الأصل مجاهد لكنه أخطأ..وكل ابن آدم خطاء.

ملخص العروج لهذه القصة هو أن الانتقال من مرحلة فكرية لأخرى ليس سهلاً على الإطلاق، فالمحيط الاجتماعي والفكري له دور يقارب نسبة ال100% في صناعة الإدراك ووضع معايير تشكيله، وإن لم يكن الشخص يتمتع بسلام روحي وصفاء داخلي وصدق مع النفس سيجنح فورا إلى العنف سواء لفظيا أو بدنيا، لذلك أعترف أنني كنت مؤهل للتورط في العنف منذ الصغر..كان ينقصني فقط إشارة من القيادات ببدء التنفيذ، لذلك عندما صعد مرسي إلى الحكم حذرت أن بقاء الإخوان كحكام هو مصيبة في حد ذاته، وكذلك خلعهم سيكون مصيبة أخرى، وأن مصر ستعاني في كلا الأمرين، لكن التضحية بخلع الإخوان سيكون أهون لضياع مفاتيح الثورة والسلطة من أيديهم، وهي المفاتيح التي من خلالها سيصنعون شعب متطرف وغاية في التشدد والانحراف.

كل ذلك تسبب فيه اعتقاد واحد وهو.."احتكار الإسلام"..وبالتالي أصبح الموقف من النص والتاريخ الإسلامي برمته مرهون بعقلية واحدة تفكر وتقرر، لذلك عندما قرأت في كتابات مفكري التنوير -والنظر من خارج الصندوق -وقفت على إدراكهم هذه المشكلة، وفهمت أن الاعتقاد الديني متعدد بتعدد البشر وصورهم العقلية والخيالية، وبالتالي فاحتكار الحديث باسم الدين هو في حد ذاته جريمة لن يعالجها فكريا سوى الفصل بين الدين والدولة، وسياسيا بالديمقراطية واجتماعيا بحقوق الإنسان.

فالسياسة تقبل الصواب والخطأ وعلى هذا المحور يتم اعتماد السياسات والتحالفات الدولية ، أما الدين فهو لا يقبل ذلك لأن منطقه الحلال والحرام ومناقشة الدين بهذا المنطق يصل حتماً لطريق مسدود ويؤدي بصاحبه إلى الكفر في النهاية.

ليس بالسهولة الاعتقاد بهذا الكلام بعد عقدين مع الإخوان، والانتقال يتطلب أولا إنكار ذات واعتراف بالقصور والحاجة، وقد فعلت ذلك واعترفت أنني قاصر معلوماتيا وأفكاري محدودة، ولأن الانتقال من الضد للضد يلزمه مرحلة انتقال-للصدق- كانت هذه المرحلة مع الدكتور سليم العوا الذي كان مخزونا من العلم لم أتعود عليه في مجتمع الإخوان وناقداً للتراث وباحثا أكاديميا رائعا، رغم أنه في الأخير إخواني، أو هو منظّر للإسلام السياسي، لكن لديه نزعة تسامح وموضوعية حين التعرض للأديان أو لمفاهيم العصر كالليبرالية والديمقراطية، لذلك وفي ختام عرضي لتجربة الانتقال أتوجه بالشكر لهذا الرجل فهو وإن اختلفت معه في أشياء إلا أنني أدين له بالفضل الكبير في تثقيفي وتنويري وسط مجتمع متشدد وناقم على البشرية برمتها..

وقد عرضت تجربتي بالتفصيل مع الدكتور في دراسة سابقة لكيفية انسلاخي عن الفكر السلفي، فالرجل محامي كبير وتبدو أن نزعة الخطابة والمناقشة العقلية أثرت عليه في رؤيتة للتراث، وفي كل مرة ينظر للأحداث والروايات يستخدم مناهج وأساليب المحامين في النظر أو النقد والتبرير، ويمكنني تأريخ هذه المرحلة أنها أخذت من العام 2003 إلى العام 2007 حيث كات أربع سنوات أعدت فيها تأهيل نفسي وتكوين منظومة عقلية تعتمد على المراجعات، ومن ثم بدأت مرحلة النقد على استحياء حتى قامت ثورة يناير بدأت في النقد المباشر..

لكن غير مسئول عن موقف الدكتور من الإخوان والتي ختمها بتأييد الجماعة والرئيس الأسبق مرسي، ورفضه لثورة يونيو 2013، كلها كانت حسابات شخصية منه اعتمدت على ولائه للجماعة وحُلمه القديم الذي تمثل في الإصلاح عبر بوابة الإسلاميين، وفي تقديري أن هذا الخطـأ منه لغلبة الهوية عليه واستسلامه للطوباوية والخيال، وقد أتفوق هنا حيث اطلعت على أكثر الأفكار والفلسفات المادية والروحية التي مكنتني من التمييز بين الواقع والخيال، بين السياسة والدين، بين القديم والحديث..وأخيراً تمكنت من تمييز التراث كحقبة تاريخية وليس تشريعا دينيا، وهذا لُبّ المبدأ العلماني أن لا قداسة لبشر أيا كان..

أخيراً وفي ختام هذا العرض أقر أن العلمانية هي مقابل الأصولية ، والأخيرة تعني النظر للمجتمع الحديث بعين الأصول سواء للمذهب أو للدين أو للتيار، فالأصولية هنا ليست مجرد لفظ ديني بل .."لفظ معياري"..يُصنّف كل الأفكار والمرجعيات حسب الأصل، فالأصولي السني يرى العالَم الآن بعين أبو بكر وعمر أو معاوية ويزيد أو الأئمة الأربعة والبخاري وابن تيمية، والأصولي الشيعي يرى العالَم أيضا بنفس الطريقة ولكن بعين آل البيت والأئمة الإثنى عشر ومرجعيات قم والنجف، وهذا يعني أن العلمانية تقضي على هذه الأصول بالكلية وتضعها في سياق تاريخي بحثي لصالح المجتمع والناس..

لذلك أفهم لماذا يرفض الأصوليون جميعهم العلمانية..

في إيران يرفضونها وفي السعودية والأزهر وكل جماعات الإسلام السياسي يرون العلمانية أقرب إلى الكفر أو هي الكفر نفسه، والسبب أنهم أصوليون يرون مجتمعاتهم جاهلية بحاجة إلى الحكم الرشيد والمذهب الصحيح والدعوة الفاضلة..

قديما كنت أصنف الأصولية إلى جزئين، الأول: سلبي وأصحابه من الإرهابيين والمتشددين ودعاة الكراهية والعنصرية، الثاني: إيجابي وأصحابه الإخوان ودعاة المدنية والانفتاح التي يمكن بالمرجعية الإسلامية إنتاج حضارة تماثل حضارة أوروبا أو تفوقهم رفعة، لكن ظهر أن كل ذلك وهم وأنني خُدِعت، وأن الإخوان لا فرق بينهم وبين التنظيمات المتشددة والداعية للعنصرية والكراهية، وأن العديد من دعاة المدنية يتخفون في رداء تنويري وهم في الحقيقة أقرب للأصولية ..رأيناهم يتحالفون مع الجماعات الإرهابية ضد أوطانهم ويثيرون الكراهية والبغضاء ويحشدون القطيع للحرب الدينية ..رغم أنهم في الأخير يقدمون أنفسهم كتيار مدني.

هنا كان الفرق بين الصدق والنفاق..بين العلم والجهل..بين الكلام والفعل..بين الزهد والطمع..لذلك أقول أن التنوير في بلاد العرب لا يلزمه بدلة أنيقة ولا كرافتة شيك ولا سيارة آخر موديل..ولا حتى قراءة كتاب ولا التحدث بلسان (الفرنجة)..كل هذه شكليات لا تعبر عن مضمون حقيقي..بل التنوير يلزمه الشجاعة قبل كل شئ، والصدق مع النفس ..والاطلاع الجيد..والتعامل مع البشر على أساسي.."العدل وحقوق الإنسان"..ومع الطبيعة على أساسي.."العمل والبناء"..هنا الشريعة تعني العدل والأستاذية تعني القدوة في تطبيق تلك العدالة، والدين يعني قيمة تحض صاحبها على الخير..دون ذلك فهو دين مزيف وشريعة كاذبة..وجماعة تحمل في جيناتها كل بذور النفاق والجهل..

اجمالي القراءات 7451

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 788
اجمالي القراءات : 7,742,248
تعليقات له : 102
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt