صيحات من البحرين وسوريا وليبيا إلى أبناء الأمة العربية «صمتكم يقتلنا

سعد الدين ابراهيم في السبت 13 اغسطس 2011


يتذكر أبناء جيلى فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، كيف كانت شعوب الأمة العربية تشعر بالتضامن فى معاركها، سواء فى مواجهة الاحتلال الأجنبى، أو الطُغيان الداخلى. من ذلك أن زورقا بحرياً سوريا، بقيادة الضابط جول جمال، قام بعملية انتحارية، أغرقت أحد البوارج البريطانية، أثناء العدوان الثلاثى (البريطانى الفرنسى الإسرائيلى) على مصر فى أكتوبر ١٩٥٦، بعد تأميم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قناة السويس. كما نذكر كيف قام أبناء الشعب السورى بنسف أنابيب النفط، التى كانت تنقله من حقول السعودية والعراق إلى أوروبا، عبر الموانى السورية واللبنانية.

نعم، ويتذكر أبناء جيلى أن أحد أسباب ذلك العدوان الثلاثى على مصر، هو دعم هذه الأخيرة لحركات التحرير، ضد الاستعمار البريطانى (فى العراق والأردن وعدن والخليج)، والفرنسى (فى المغرب والجزائر وتونس)، ولمنظمة التحرير الفلسطينية ضد إسرائيل. نعم، كانت الشعوب العربية تهبُ لنُصرة بعضها البعض، دون تردد، ودون نظر إلى حسابات المكسب والخسارة.

نعم، كانت تلك حقبة المد القومى العربى، الذى عبّرت عنه قصائد الشعر العصماء، التى نظمها شُعراء مصريون «للحُرية الحمراء» فى دمشق، وبابها الذى تطرقه الأيادى المخضّبة بالدماء.. وكيف كانت تصدح المُطربة السورية فايزة أحمد، بأغنية «من الموسكى لسوق الحميدية، أنا عارفة السكة لوحدىّ». أو كيف كان يصدح المُطرب الشعبى المصرى محمد قنديل بكلمات أغنية نهر الوجدان «أنا جالس فوق الأهرام.. وأمامى بساتين الشام..» تلك هى نفس الحقبة التى خلّدت فيها السينما المصرية نضال المرأة العربية فى الجزائر بفيلم «جميلة بوحريد» الذى لعبت فيه الفنانة ماجدة، دور جميلة.

مرت هذه الخواطر فى ذاكرتى، وأنا أشاهد أخبار انتفاضة الشعب السورى ضد استبداد الطاغية بشّار الأسد.. والأخير يقذف أحياء مُدن دِرعا وحماة، وحمص، ودير الزور.. بلا رحمة، وهو الذى لم يُطلق رصاصة واحدة فى اتجاه إسرائيل، التى تحتل جزءاً من أراضيه فى الجولان، منذ ٤٣ سنة.. نعم تأثرت كثيراً بلافتة يرفعها أحد الثائرين فى حماة، موجّهة إلى شعوب الأمة العربية، وتقرأ «تكلموا.. إن صمتكم يقتلنا».

أليس غريباً أن تستجيب تركيا، حكومة وشعباً لانتفاضة الشعب السورى، وتفتح للثائرين منه حدودها، وتستقبل آلاف اللاجئين، وتنصب لهم الخيام، وتؤويهم من خوف، وتطعمهم من جوع، ولا يفعل ذلك أى من البُلدان العربية المُجاورة لسوريا (العراق والأردن ولبنان)؟ أو ليس غريباً أيضاً أن تتحدث كل المنابر الدولية مُستنكرة ما يفعله جلاّد سوريا بشعبه، وتظل الجامعة العربية صامتة، صمت القبور؟

وإذا كانت الحكومات العربية صامتة لأن على رؤوس مُعظمها طُغاة من نفس نوعية بشّار الأسد، فماذا عن الشعوب العربية، ومنظمات المجتمع المدنى العربية؟

ـ فهل تبلّدت المشاعر؟

ـ أم أن كل شعب عربى مشغول بهمومه؟

ـ أو أن هناك قوات ردع عربية مشتركة، لا لردع إسرائيل، ولكن لردع الشعوب العربية؟

وذلك على شاكلة ما رأيناه، صورة وصوتاً، فى البحرين فى شهر مارس ٢٠١١، حينما عبرت القوات النظامية السعودية (التى لم نرها فى أى مواجهة مع إسرائيل) إلى البحرين للقضاء على انتفاضة شعبها، الذى لم يُطالب إلا بإصلاح النظام، وببعض الديمقراطية للشعب البحرينى.

وعلى ذكر البحرين، هل صدّق بعضنا دعاية النظام الملكى الحاكم لأسرة آل خليفة، أن إيران وراء انتفاضة الشعب البحرينى؟ وهل صدّقنا دعاية نفس النظام أن تلك الانتفاضة، هى انتفاضة «طائفية شيعية»، ضد الأقلية السُنيّة الحاكمة سياسياً، والمُهيمنة اقتصادياً؟ إن نسبة الشيعة فى البحرين تصل إلى حوالى ٦٠%، ومع ذلك فهم محرومون من السُلطة والثروة، التى تستأثر بها النُخبة السُنيّة الحاكمة، والتى زادت الطين بلة، بمُحاولة تغيير التركيبة السُكانية، بفتح باب الهجرة للوافدين من باكستان والهند وأفغانستان، وتجنيدهم فى الجيش والشرطة، وإعطائهم الجنسية البحرينية. هذا فى الوقت الذى ترتفع فيه نسبة البطالة بين أبناء البحرين الأصليين، لا لشىء، إلا لأنهم ولدوا لعائلات شيعية، نزح مُعظمها من الإقليم الشرقى للجزيرة العربية. أى أنهم عرب أقحاح، شاءت الصدفة وحدها أن يولدوا شيعة، كما هو حال معظم السُكّان فى جنوب العراق، حيث الجذور التاريخية للمذهب الشيعى، وحيث العتبات المُقدسة فى مُدن الكوفة والنجف وكربلاء، منذ انتصر أهلها لعلى بن أبى طالب، رابع الخُلفاء الراشدين، فى صِراعه مع مُعاوية بن أبى سفيان، فى منتصف القرن الأول الهجرى. ومُعاوية نفسه، هو الذى ابتدع تقسيم المُسلمين، فسمى أتباعه أهل السُنة، وسمى أتباع على «الرافضة» لخلافته، والتشيّع لعلى. وتعمق هذا التقسيم فى عهد ابنه «يزيد»، الذى بخلافته بعد أبيه مُعاوية، أرسيت بدايات النظام الملكى، الذى لم يعرفه المسلمون لا فى عهد الرسول ولا فى صدر الإسلام.

وما يفعله الملك حمد بن خليفة بتعميق الخلاف المذهبى فى البحرين، لتوطيد حُكمه، هو امتداد بائس لنفس ما فعله مُعاوية وابنه يزيد قبل أربعة عشر قرنا. وهو نفس ما يفعله بشّار الأسد، وإن كان الأمر معكوساً فى سوريا. فأسرة حافظ الأسد تنتمى إلى فصيل صغير من أهل الشيعة، وهو «العلويون» الذين لا تتجاوز نسبتهم بين سُكان سوريا ١٤ فى المائة. ولكن أباه، حافظ الأسد، جاء إلى السُلطة من خلال حزب البعث العربى الاشتراكى، وهو حزب بدأ عِِلمانياً قومياً قبل سبعين سنة، يدعو إلى الوحدة العربية والاشتراكية. وبسبب هاتين الصفتين (العلمانية والاشتراكية) اجتذب كثيراً من أبناء الأقليات الدينية والعرقية فى المشرق العربى.

إلا أن بعض أبناء هذه الأقليات، ومنهم الأقلية العلوية فى سوريا، وظّفوا الحزب لتكريس أوضاع أقلياتهم، ومارسوا تفرقة عكسية ضد الأغلبية المُسلمة السُنيّة. أكثر من ذلك، ابتدعوا توريث الحُكم من الأب (حافظ الأسد) إلى ابنه (بشار الأسد). وهو ما أطلقنا عليه مصطلح «الجملوكية»، وهو ما كان حسنى مُبارك، ومُعمر القذافى، وعلى عبد الله صالح يُخططون لتقليده فى مصر وليبيا واليمن، على التوالى، لولا الثورات التى انفجرت فى بُلدانهم فى النصف الأول من ٢٠١١.

ولأن مصر هى الدولة العربية الأكبر، وشعبها، الآن، هو الأكثر حُرية، فإن الثائرين العرب فى البحرين، وسوريا، وليبيا، واليمن يتطلعون إلى الدعم المعنوى لهم من مصر.. إنهم يُدركون أن كل شعب هو الذى يُحرر نفسه. ولكنهم يتطلعون فقط إلى اعتراف مصر بثوراتهم.. كما كانت مصر تفعل فى كل تاريخها الحديث. والاعتراف والتضامن مع نضال الأشقاء فى البحرين، وسوريا، وليبيا، واليمن، هو أضعف الإيمان.

ورمضان كريم

اجمالي القراءات 6669

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 216
اجمالي القراءات : 1,785,048
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt