مصر فى القرآن الكريم :الفصل الثانى : ثالثا : :
: من ملامح الحضارة المصرية القديمة فى القرآن الكريم :

آحمد صبحي منصور في الجمعة 13 نوفمبر 2009


l;لدين المصري القديم. ونمت الأخلاق الاجتماعية ودارت الحياة الاجتماعية حول محور الدين ، وبالدين كان أعظم المعمار المصري القديم معابد وبيوتا للآخرة ..
ومن الطبيعي بعد هذا أن تكون علوم المصريين القدماء فرعا من دينهم المتوارث.
ومعني التوارث لصيق بمصر أقدم حضارة وأكثرها استمرارية
،لذلك فمن المنتظر أن يرفضوا دعوة موسي لأنها تخالف ما توارثوه عن الأسلاف . {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ }(القصص 36)

* ومن الدين كان نبوغ المصريين القدماء في السحر ، ومن نبوغهم في السحر كانت نظرتهم إلي معجزات موسي ، وكان اعتقادهم في إمكانية أن يفوزوا عليه إذا جاءوا بكل السحرة العلماء من كل المدائن المصرية .
" َقالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ َ"(الأعراف 111 ـ )
وقد عقد ( أرمان) في كتابه ( ديانة مصر القديمة ) فصلا كاملا عن السحر وارتباطه بالدين ومهارة السحرة ولكننا لا نجد أبلغ من الآيات القرآنية القليلة التي تحدثت عن سحرة فرعون , يقول تعالي عنهم:"
قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ " ( الأعراف 116 )
إذن كان عمل السحرة مجرد التأثير البصري علي أعين المشاهدين ، وبقوة الإيحاء النفسي وما في أنفس المصريين من استعداد للتصديق رأوا ما يريده السحرة لهم أن يروه ، رأوا الحبال والعصي قد تحولت إلي ثعابين ، بينما هي في الحقيقة لا تزال حبالا وعصيا ملقاة علي الأرض بلا حياة .
يقول القرآن بإيجاز وأعجاز عنهم ."
{ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ } "ليشير من طرف خفي إلي أن مهارة السحرة في السيطرة علي مراكز الحس عند المصريين تستند إلي عقيدة دينية يحتل فيها السحر مكانة هامة ، وأن هذه المكانة الهامة تحجب العقل عن رؤية الأشياء علي حقيقتها ، وتجعل المشعوذين المهرة " علماء".
وهناك أكثر من ذلك في القرآن ، يقول تعالي :
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى{65} قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى{66} فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى{67} قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى{68} وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى"( طه 65 ـ )
وعبارات القرآن أقوي من أي تعليق .

* ويقول تعالي عن فرعون وآله : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً "( النمل 14 )
ومعني ذلك أنهم عرفوا حدود السحر وأن ما جاء به موسي أكبر من السحر العادي إذن فهو صادق . وذلك ما كتموه في قلوبهم حرصا منهم علي أن يكونوا عالين في الأرض.
* ومن الممكن أن نأخذ مؤمن آل فرعون مقياسا لمستوي العلم الحقيقي عند المصريين القدماء . فمن خلال حواره مع قومه تظهر لنا معرفته بالتاريخ القديم للأمم البائدة منذ عصر نوح فهو يقول لقومه: " يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ " ويقول : {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً.." ومن حقنا أن نستنتج أنه كانت لديهم حوليات تاريخية سجلت تاريخ الأمم السابقة وتاريخ الأسرات الحاكمة في مصر ، وأنهم حتى عصر موسي كانوا لا يزالون في شك في دعوة يوسف وجدال حوله .
ثم نرى هذا الرجل بارعا في الجدل المنطقي العقلي الهاديء فيناقش اقتراح فرعون بقتل موسي قائلا : "أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ" أى يستخدم إيمانهم بالله جل وعلا حجة عليهم ، ثم يستعمل المنطق فى إقناعهم ، ويعود ويستخدم إيمانهم بالله وخوفهم منه وحرصهم علي استمرار ملكهم فيقول : " يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنا"؟ ْ ثم نراه يعكس فى حواره إيمان المصريين باليوم الآخر ، ولكن هذا الرجل المؤمن يؤمن باليوم الاخر إيمانا حقيقيا ، فيقول مشفقا على قومه (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ). وعلي قدر مهارته في الجدل العقلي الهاديء كانت كراهيته لطريقة الجدال بالتي هي أسوأ فيقول : "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ" ، ( غافر 31 ، 34 ، 28 ، 29 ، 32 ـ ، 35 )

إن من حق كل مصري وكل مؤمن أن يفخر بموقف السحرة وبذلك الرجل المؤمن الراقي ثقافته وعلمه وحواره ...
* * *
2 ـ العمارة في مصر القديمة:
لسنا في مجال الاستعراض للعمارة المصرية القديمة التي لا تزال آثارها تبهر العالم ، وما كتب عنها من مجلدات لم يكتب علي غيرها من عمائر . ولكن نكتفي بما ورد في القرآن من إشارات في هذا المجال.
·        وللقرآن الكريم وسائله الخاصة في التعبير عن رقي العمارة الفرعونية.
فكلمة (مدائن) لم تأت في القرآن إلا وصفا للمدن المصرية فقط : {
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ " ( الأعراف 111 )"{ قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ " ( الشعراء 36 ) " فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ " ( الشعراء 53 )
* وعلي كثرة ماهو مكتوب علي العمارة الفرعونية فإن الاهتمام انصب علي المعابد والآثار الدينية الباقية ، ولكن القرآن يعطينا معلومة هامة عن رقي العمارة في المدن المصرية إلي درجة أنها لم تعد مجرد( مدن) بل ( مدائن) وأن هذه ( المدائن) كانت منتشرة علي طول العمران المصري آهلة بالسكان وبالسحرة وبالجنود.
* وكلمة
(المدينة) جاءت في القرآن أربع عشرة مرة ، جاءت أربع مرات عن يثرب المدينة ، وجاءت خمس مرات عن مدن متفرقة ، وجاءت خمس مرات عن المدن المصرية في عصري يوسف وموسي .
وإذا أضيف ذلك إلي كلمة (مدائن) المصرية لأصبح لدينا شاهد من القرآن علي رقي العمارة والمدنية في مصر القديمة.

* و(الصرح) يعني البناء الشاهق ، ووجود تلك النوعية من ناطحات السحاب أمر غير متوقع في العصور القديمة ، ولذلك وردت كلمة ( صرح) في القرآن أربع مرات فقط ؛ مرتان منهما عن سليمان ، وقد كانت الجن تخدمه يعملون له مالا يستطيع البشر الإتيان به ، وجاءت كلمة مرتين عن ذلك البناء الشاهق الذي أمر الفرعون وزيره هامان ببنائه كي يناطح السحاب ويستطيع أن يري رب موسي : " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ، أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى "(غافر 36 ـ )  " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى " ( القصص 38 )
وبغض النظر عن كفر فرعون فإننا نستفيد من الآيتين أن العمارة المصرية القديمة بلغت شأوا بعيدا
فى التقدم ، ولولا أن فرعون كان يعرف مقدرته في إنشاء مثل ذلك البرج العالي ما طلب ذلك من هامان علي رؤوس الأشهاد.
وربما كانت مقدرته علي ذلك هي التي دعته إلي التطرف في ذلك القول الكافر.
ويكفي أن تلك المقدرة علي إنشاء الصرح لم تأت في القرآن إلا لسليمان الذي كانت الجن يعملون له ما يشاء ومنها ذلك الصرح الزجاجي الممرد من قوارير والذي أدهش ملكة سبأ
.( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( النمل 44 )
أما عن الصرح الذي طلب فرعون إنشاءه فقد كان من الأحجار الحمراء. "
َفأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً "
أي كانت صناعة الأحجار معروفة في مصر منذ آلاف السنين ..

*
وكلمة ( الأوتاد) جاءت في القرآن ثلاث مرات ، مرة واحدة فى  وصف جبال الأرض التي تمنع القشرة الأرضية من أن تميد بمن عليها. " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادا وَالْجِبَالَ أَوْتَادا "(النبأ 6 : 7 )
وفي المرتين الأخريين جاءت الكلمة وصفا لفرعون موسي : "
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ " ( ص 12 ) " وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ " ( الفجر 10 )
فالقرآن يصف بعض المنشآت الفرعونية بأنها أوتاد مثل الجبال .
·        وعناصر المكان أثرت علي امرأة فرعون المؤمنة وتركت بصماتها علي دعائها لله فهي تقول : " رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " ( التحريم 11 )
الحصول علي بيت في الجنة ـ بلا فرعون
فيه ـ أول ما بدأت به دعاءها .
ويبدو أن فرعون موسي كان مهتما بالعمارة قدر اهتمامه بتخويف الناس حتى زوجته ..

·        ولكن أين آثاره الباقية ؟
·         الإجابة في القرآن أيضا. يقول تعالي في نهاية ذلك الفرعون:
"
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ " ( الأعراف 137 )
وكل عمائر فرعون وقومه وجنده وآله أصبحت خرابا بعده وانطبق عليها قوله تعالي عن ثمود :"
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " ( النمل 51 : 52 )
لم يتعظ فرعون وقومه بنصيحة مؤمن آل فرعون حين قال لهم :
"
يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ " .دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .بينما ترك وادي النيل سليما بما فيه" من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين" ( الدخان 25 ـ )
* * *
الحياة الاقتصادية:
في القرآن إشارات متفرقة ولكن غنية ، عن تفصيلات الحياة الاقتصادية في مصر القديمة. 
1 ـ فالزراعة في مصر قديمة قدم الاستيطان الإنساني علي هذا الكوكب. وتتأثر هذه الزراعة ـ
ولا تزال ـ بكمية المياه المتاحة من الفيضان
، وحين رأي الملك الهكسوسي رؤياه جاء تعبير يوسف عنها أنه : " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ،ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " ( يوسف 47 ـ )
وأنتهي الأمر بأن أسند الملك ليوسف شئون الأشراف على الزراعة والتموين في مصر
"
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ " ( يوسف 55 )
والمفهوم من الآيات أن تقام مخازن ضخمة تستوعب إيراد مصر من القمح والشعير والأرز خلال سبع سنوات يتم فيها تخزين السنابل لكي تحفظ الحبوب داخلها من احتمالات التسوس والفساد. ويستلزم ذلك إشرافا كاملا دقيقا علي جمع المحاصيل من كل مكان وعلي نقلها إلي صوامع  التخزين ، وقد كانت تلك الصوامع مثل أقماع السكر كما يذكر مؤرخو الحضارة المصرية القديمة.
ويستلزم ذلك ـ أيضا ـ عمالة ضخمة وإدارة متكاملة في التجميع والتخزين ثم في أمور البيع والتسويق ، ثم في تقدير الوارد والمنصرف والاحتياجات الفعلية والاحتياطي والإنتاج المستهدف والاستهلاك اليومي والشهري والسنوي ، والمنتظر أن يتم تسجيل ذلك كله في حسابات وخطط وبرامج طيلة زمن يقدر بأربعة عشر عاما.
ويتم بذلك عبور هذه السنوات الخطيرة حين يضطر المصريون إلي الاقتصاد من سنوات الرخاء السبع الأولي ، ثم يأتي عام بعد سنوات المجاعة يهل فيه الخير ويأكلون ويعصرون المشروبات "
ثمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " ( يوسف 48 )
* * *
2 ـ وإشارات أخري عن التجارة وردت في قصة يوسف، فالبيع والشراء كان بالنقد بالدراهم وكان بتبادل البضاعة ببضاعة أخري .
* ويوسف نفسه حين القي في الجب وعثرت عليه القافلة باعوه بدراهم معدودة ، وكان الذي اشتراه رجلا من مصر " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ "( يوسف 20 ) وواضح أنه لم تكن هناك تسعيرة بدليل أن صبيا في مثل جمال يوسف بيع بثمن بخس لأن القافلة كانت فيه من الزاهدين أي ترغب في التخلص منه بأي طريقة.
* وحين كان يأتي أخوة يوسف كانوا يحضرون معهم بضائع يبادلونها بالحبوب.
* وكلمة بضاعة لم ترد في القرآن إلا في سورة يوسف ، ومنها نفهم أن البضائع كانت تباع وتشتري بالنقد وذلك في حالة يوسف السابقة حين كان بضاعة في نظر الذي عثر عليه في الجب . " وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " (يوسف 19 )
ثم كانت البضائع ثمنا للحبوب بطريق التبادل .
وحتى يجعل يوسف أخوته يعودون أوعز إلي عماله
برد بضاعتهم اليهم مع الحبوب التى اشتروها ،أى أعطاهم الحبوب مجانا  ( يوسف 62 )وفيما بعد : " وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ".( يوسف 65 )
ونفهم أن الحبوب كانت تكال بالكيل ، وكانت أدوات الكيل هي السقاية والصواع ، وأن المعروف أن المشتري يستسمج في أن يوفي له البائع الكيل.
"
َلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ".( يوسف 88 )
وحين خطط يوسف لاحتجاز أخيه الشقيق عول علي اتهامه بالسرقة .
"
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ، قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ؟ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ" ( يوسف 70 ـ )
ويبدو أن وحدة البيع والشراء في عهد يوسف كانت حمولة البعير، وأنها كانت النصاب المسموح به لكل فرد يقدم للتزود من الحبوب ، أي أن نظام البيع بالبطاقة التموينية بد
أ به يوسف في ذلك الزمن السحيق. ودليلنا أن أخوة يوسف ترجوا أباهم أن يسمح لهم بأن يبعث معهم بأخيهم ـ شقيق يوسف ـ حتى يزدادوا بوجوده كيل بعير:"قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ" ( يوسف 65 )
* * *
وقد تكرر مجيء إخوة يوسف طلبا للمؤونة مما يدل علي أن المجاعة لم تؤثر علي مصر وقتها قط وإنما أثرت علي الأقطار المجاورة التي تعيش علي التبادل التجاري مع مصر
.
* وعلي الحدود الشرقية لمصر أقيمت قري فيها الفنادق لراحة التجار والمشترين .
وكانت تلك القرى المصرية تحت الإشراف المباشر ليوسف وقد قال لأخوته يستميلهم
"
ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ"( يوسف 59 )
أي أنه استمالهم بالكيل الوافي وأنزلهم في منزل مريح.
وحين اتهمهم بالسرقة ـ وأثبت التهمة علي أخيه الشقيق قال أخوهم الأكبر لأخوته .
"
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " ( يوسف 81 )
فالقوافل كانت تتوقف عند القرى التي علي الحدود وهناك يقيمون فيها ويحدث التعارف وتنتشر الأخبار ، ولذلك طلب أبناء يعقوب منه أن يذهب بنفسه إلي تلك القرية المصرية التي كانوا ينزلون فيها ويستوثق من أهلها أن أبناءه صادقون فيما يخبرونه به عن اتهام أخيهم بالسرقة.
* * *
* ومع الضجيج الذي أحدثه فرعون موسي فإننا نستطيع أن نتلمس في الآيات بعض الإشارات عن الحياة الاقتصادية في عصر الرعامسة ، وأهمها بالطبع ذلك الرخاء الاقتصادي الذي تركه خلفه فرعون وجنده ، وقد وصفه القرآن أروع وصف فقال:
" فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ "( الشعراء 57 ـ )  " كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " (الدخان 25 ـ   )
فالقرآن يصف الحقول المصرية وقتها بأنها كانت جنات، ويصف وفرة المياه بأنها عيون أي كان الري بلا مجهود حيث يغطي النيل الحقول فتكون مثل عيون الأرض . والمحصول كان كنوزا والوضع كان مقاما كريما . وبدلا من أن يقوم فرعون بشكر  النعمة افتري وتجبر وقد أذاقه الله بعض المحن حتى يرجع ، ولكنه كان لا يرعوي ولا يتوب، يقول تعالي "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"( الأعراف 130 )
والشاهد في الآية قوله تعالي : " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ "
ونفهم منه أن فرعون وآله كانوا يملكون الأرض والثروة ويتحكمون في المحصول ، فإذا حدث نقص فيه تناقصت ثروتهم ... أما الفلاح المصري وقتها فقد كان ملكيته لأدوات الإنتاج لا تزيد كثيرا عما تملكه ماشية الحقل .
* * *
3 ـ وفي الوقت الذي كان فيه الفلاح يجلد بالسياط إذا أخفي قدرا من المحصول لطعامه ، فإن الفرعون وآله كانوا يتجملون بالحلي في أبهي زينتها ويصحبونها معهم إلي قبورهم.
ويذكر مؤرخ عصر الرعامسة أن رمسيس الثالث كان له ضابط خاص لحمل الإمدادات من الشراب والطعام في إناء كبير من الذهب سعته ثلاثة لترات
.
لذلك لا تعجب من فرعون موسي وهو يتندر عليه قائلا :
"فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ " ( الزخرف 53 )
لأن فرعون يعتبر التحلي بالذهب من دلائل علو المكانة ، ويشاركه في الرأي قومه بالطبع، ولذلك فإن فرعون وقومه حين كانوا يطاردون بني إسرائيل كانوا يرتدون أبهي وأثمن مالديهم من حلي وجواهر
، كأنهم ذاهبون الى نزهة أو حفل استقبال.!.
والقي الموج بجثثهم إلي الشاطيء وعليها ما عليها من ذهب
، وصارت من نصيب بني إسرائيل ، وسول لهم السامري أن يجمعوا ذلك الذهب الفرعوني ليصيغوا منه عجلا ذهبيا يسترجعون به عبادة العجل الأبيسي، يقول تعالي : " {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " ( الأعراف 148 )
واعتذر بنو إسرائيل لموسي قائلين: " قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيّ " ( طه 87 )
* * *
وإذا كان الفرعون يتزين بالحلي فلابد أن يتفنن الصناع في إتقانها والآثار الذهبية خير شاهد علي ذلك .
* * *
أن المجتمع المصري ـ الذي يبدو ساكنا ـ قد طيع بني إسرائيل بطابعه الديني الاجتماعي الاقتصادي، وحين تركوه حملوه في قلوبهم ليس فقط في حنينهم للآلهة المصرية القديمة حين رأوا المعبد الفرعوني ، ولا في اتخاذهم العجل وتقديسهم لاوزيريس ـ عزيرـ ولكن في طبيعة السلوك المتواكل الذي يعتمد علي الحاكم أو الحكومة في كل شيء. فتراهم يطلبون من موسي كل شيء، بل يطلبون منه أن يدعو ربه ليجيب لهم مطالبهم
. وحين أكرمهم الله بالمن والسلوي ضجروا منهما واشتاقوا إلي الطعام المصري والمحاصيل الزراعية المصرية فقالوا:
"
يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ( البقرة 61 )
في سبيل العدس المصري تناسوا المن والسلوي ..!!
وظلوا علي تواكلهم علي موسي ورب موسي ورفضوا أن يقوموا باقتحام الأرض المقدسة لأنهم يريدون من سكانها أن يتخلوا عنها طواعية. " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ " ( المائدة 22)
لقد كانت المؤثرات المصرية في ذلك الجيل
الاسرائيلى أعمق من أن تتأثر بكل معجزات موسي ،  لذا كان العلاج الوحيد أن يظلوا تائهين أربعين عاما حتى ينقرض ذلك الجيل وينقرض معه تأثره بالمجتمع المصري القديم..
ترى كم عاما نحتاجها نحن لننهض ونلقي عنا رواسب التواكل ..و(معلهش) ؟ ..
اجمالي القراءات 16419

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 1414
اجمالي القراءات : 12,075,492
تعليقات له : 2,597
تعليقات عليه : 8,427
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب مقال اعجبني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب