لمحة عن تطبيق الشريعة السنية فى الدولة المملوكية (1 )

آحمد صبحي منصور في السبت 09 مايو 2009


1 ـ ليس في الإسلام رجل دين أو كهنوت ... ! !
ولكن في الإسلام علماء دين ، وباب العلم فى الاسلام مفتوح أمام كل ذي عقل وفهم ، وعلماء الدين في نهاية الأمر بشر منهم المخطيء والمصيب.

2 ـ وكان لعلماء الدين في العصر المملوكي مكانة سامية ، مع كونهم بعيدين عن الاجتهاد و الاتيان بجديد ، ولكن إحتاجت لهم الدولة المملوكية العسكرية لشغل المناصب الدينية ( كالقضاء ) والمناصب التعليمية والمناصب الديوانية كالوزارة و كتابة السر وسائر شئون الدولة ،أى كانوا جزءاً من السلطة السياسية وكانوا ممثلين للشرع والقائمين على تطبيق الشريعة بمفهوم ذلك العصر ، والأهم من ذلك أن وجودهم كان يعطى شرعية دينية سنية للنظام العسكرى الغريب (المملوكى ).

المزيد مثل هذا المقال :


3 ـ كان منصب القضاء أرفع المناصب التى يتنافس على الوصول اليها مشاهير العلماء. وكان الحكم بالشريعة السنية قائما على المذاهب الأربعة : الحنفى و الشافعى و المالكى و الحنبلى ، ولكل مذهب قاضى للقضاة ، وهو الذى يتولى تعيين قضاة فى الأقاليم تابعين له أو بتعبير العصر نوابا عنه ، فيقال عن فلان (إنه ناب عن قاضى القضاء المالكى فى إخميم ) أى كان قاضيا مالكيا فى اقليم إخميم بالصعيد . وقاضى القضاة الشافعى هو المقدم على زملائه من قضاة القضاء .

4 ـ وكان الوصول الى أى منصب دينى أو تعليمى أو ديوانى يستلزم دفع (البرطيل ) أى الرشوة ، بما فيها منصب القضاء ، وكان دفع الرشوة للسلطان يتم رسميا داخل (مصلحة حكومية ) اسمها فى ذلك الوقت ( ديوان البذل و البرطلة )، وبالاضافة للبرطلة الرسمية كان على المتقدم للوظيفة ان يدفع رشاوى غير رسمية لمن يهمه الأمر . ثم بعد أن يتولى المنصب يستعيد ما دفعه من رشاوى عن طريق أخذ رشاوى أكبر و استخدام منصبه فى مصادرة أموال الناس ، ما استطاع لذلك سبيلا .
هذا هو موجز تطبيق الشريعة السنية فى العصر المملوكى.

5 ـ وفى نظام كهذا يكون متعذرا أن ترى قاضيا نزيها محترما عادلا . ولقد بحثنا عن قاض نزيه وأجهدنا البحث فى عصر السلطان قايتباى ـ المشهور بالورع على حد قولهم ـ فوجدنا واحدا فريدا فى نزاهته بين قضاة العصر ، واخترنا أن نعقد مقارنة بينه وبين واحد آخر من القضاة يمثل السمة العامة و السائدة فى مجتمع الانحراف والفساد فى مجتمع العلماء و القضاة . ومرجعنا فى ذلك هو كتاب ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) للمؤرخ القاضى ابن الصيرفى ،الذى كان يسجل أحوال عصره باليوم،أى كان شاهدا على عصره يكتب ما يراه وما يسمعه نقلا من الواقع .

6 ـ من تاريخ ابن الصيرفى المشار اليه نعيش مع نموذجين كانا قد اشتركا في صفات كثيرة ؛ فكلاهما كان قاضيا للقضاة ، وكلاهما كان من أسرة عملت في سلك القضاء ووصلت فيه إلى أعلى المناصب ،وكلاهما مات في عام واحد 876 هـ ولكن اختلفا في السلوك .

7 ـ ونبدأ بأولهما وهو قاضي القضاة الحنفي ابراهيم الديري :
كان أبوه قاضياً للقضاة الأحناف بمصر المملوكية , وكان كذلك أخوه الأكبر سعد الدين الحنفي .
وقد شمله أخوه سعد الدين بعنايته حين كان قاضيا للقضاة الأحناف فعينه ضمن قضاة المذهب الحنفي, وأتيح له بهذا أن يتقلب في وظائف الدولة فتولى نظارة الجيش المملوكي في سلطنة الأشرف إينال ( وناظر الجيش هو الذى يتولى الأعمال الكتابية للجيش ).
وفي ذلك الوقت كان أخوه الأكبر سعد الدين قد تولى منصب كاتب السر( أي السكرتير الخاص بالسلطان وكاتم أسراره والمؤمن على مراسلاته) وهو أرفع منصب سياسى يصل اليه العلماء وقتها . لذا طمع ابراهيم الديري في منصب أخيه الأكبر سعد الدين الديري ،أى يكون مكانه كاتبا للسر . ولكي يصل إلى غرضه ويعزل أخاه ويتولى مكانه في ذلك المنصب الخطير فقد سلك السلوك المناسب ... دفع رشوة وطعن في أهلية أخيه واستحقاقه بذلك المنصب..
يقول ابن الصيرفي القاضي المؤرخ عنه " وكان قد تسبب في عزل أخيه ، وصعد للداودار والسلطان فأخبرهما أن أخاه عجز عن القضاء وأنه ذهل ( أى أصبح ذاهلا شاردا لا يستطيع التركيز ) ووعد في كتابة السر بثمانية آلاف دينارفعجل منها بخمسة وتأخر عليه ما بقى ( أى وعد بدفع رشوة ، دفع منها مقدما خمسة آلاف ..) فحصل لأخيه منه حصر زائد ( يعنى أصيب الأخ بفجيعة بسبب ما فعله به أخوه)، فيقال أنه دعى عليه بالقهر (القهر فى مصطلح العصر المملوكى يعنى التعرض لغضب السلطان من العزل أو السجن والمصادرة والتعذيب) ، فما مضى خمسة عشر يوماً حتى قهر .."
لم يلبث ذلك القاضي في منصب كاتب السر الذي اغتصبه من أخيه إلا خمسة عشرة يوماً ثم عزله السلطان فخرج مقهوراً يواجه جزاء فعلته ..
يقول ابن الصيرفي عن حاله بعد أن خرج من الوظيفة مقهوراً " وكان قد وزن خمسة آلاف دينار في الوظيفة،(وزن أى دفع ، والسبب أنهم كانوا يزنون الدينار عند سكّه ، ويعرفون قيمته بوزن الذهب فيه)، واقترض غالبها من عدة أقوام ، فلما رأوه عزل شكوه، وطالبوه بحقوقهم وضيقوا عليه ، فباع الغالي بالرخيص وأرضى خصومه واستمر بداره بطالاً ( بطالا أى عاطلا عن العمل ).. " .
وهكذا كان الشيخ ابراهيم الديري مثلا سيئا للوصولية ، وإن لم يكن الوحيد فقد عمّ الفسادى فى القضاء ومجتمع العلماء ، ولم يوازى فسادهم إلا قلة علمهم.

8 ـ ونأتي إلى نموذج آخر عالي المكانة وهو الشيخ أحمد بن ابراهيم الكناني .. وهو قاضي القضاة الحنابلة بمصر وقتها , وشيخ الحنابلة في عصره .
يقول عنه ابن الصيرفي " أجمع المسلمون كافة على عفته وتواضعه وزهده , وتقلله من الدنيا ( أى زهده فى الدنيا ) بحيث أنه لما ولىّ المنصب .. لم يجعل على بابه نقيبا و لا رسلا ولا نائباً من نوابه يحكم في بابه بالنوبة على عادة قضاة القضاء : "
كانت وظيفة النقيب والرسول هى تسهيل وصول الرشوة للقاضى ، وهذا ما لم يفعله ذلك الرجل قاضى قضاة الحنابلة وقتها . ويقول ابن الصيرفى (ولا نائباً من نوابه يحكم في بابه بالنوبة على عادة قضاة القضاء ) أى كانت عادة قاضى القضاة أن يتكاسل عن مباشرة عمله ، ويعهد لأحد القضاة التابعين له بالجلوس مكانه ليقضى بين الناس ، وكانت طريقة مهذبة لأن يتلقى النائب عن قاضى القضاة الرشوة بدلا من قاضى القضاة بنفسه . وهذا ما ترفع عنه صاحبنا قاضى القضاة الحنبلى أحمد بن ابراهيم الكنانى ، بينما استمر لدى بقية القضاة الشافعى و المالكى و الحنفى.
وقد كان الواقفون على باب قاضي القضاة من النقباء والرسل والنواب يأخذون الرشاوى من المتخاصمين .
ولكن صاحبنا الشيخ أحمد بن ابراهيم الكناني خرج على هذا العرف الفاسد السائد... لذا يقول عنه المؤرخ القاضي ابن الصيرفي " ولم يشهر عنه بل ولا قيل بل و لا ذكر عنه أنه أخذ على الأحكام شيئاً , فإنه من حين نشأ وهو في غنية عن الناس له ما يكفيه من أطلابه ودروسه ومرتباته وأجرة أملاكه إلى غير ذلك ."
والذي لم يذكره القاضي المؤرخ ابن الصريفي أن كل القضاة في عصره كان لهم ما يكفيهم من الأوقاف ومن الدروس والمرتبات والأملاك ... ومع ذلك كانوا يأخذون الرشاوى والأموال ، لأنهم كانوا يصلون إلى هذه المناصب بدفع الرشاوى أملاً في أن يسيعيدوا أضعافها بعد تولى هذه المناصب .
وترفع الشيخ أحمد بن ابراهيم عن هذا مكتفيا بما عنده ، ومن ثم فلم يكن في حاجة إلى أن يمد يده إلى هذه القاذورات .
ومع ذلك كان كريماً متواضعا ، يقول عنه ابن الصيرفي " وكان يركب حماره ويجعل على ظهره خرجاً مملوءاً من الخبز ويتوجه إلى الجبانة فيتصدق به على الطلاب وغيرهم من الفقراء والمحتاجين ... "
وكالعادة دفع الثمن فلم يحظَ بالشهرة التي هىّ دائماً من نصيب الظلمة من الحكام والعلماء ...

اجمالي القراءات 14621

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (5)
1   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   السبت 09 مايو 2009
[38563]

البرطلة والمحسوبية قديماً وحديثاً.

لقد بدأ هذا العهد بالظهور مرة أخرى ،بالنسبة للرشاوي فقد كان قديمأ له مصلحة حكومية يتم فيها دفع الرشوة أمام الجميع ، غير أنه هذه الأيام يتم دفع الرشوة بطريقة غير رسمية لكنها معروفة ، واشتهرت بعض الكليات على سبيل المثال الشرطة ، الحربية ، وما شابههما كل كلية لها تسعيرة من الرشوة .


 ولكن الشيء الذي كان قديماً ونتمنى أن لا يطفو للسطح مرة أخرى هو كون القاضي يعين بالرشوة ـ اللهم لا ترنا هذا اليوم في مصرنا العزيزة حتى يظل القضاء نزيهاً كما نحلم به جميعاً.


2   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   السبت 09 مايو 2009
[38571]

ما أشبه علماء السلطة اليوم .. بعلماء السلطة في البارحة !!

السلام عليكم دكتور صبحي منصور هذا المقال القيم الذي نشكرك عليه ، وعلى الجهد الكبير المبذول في سبيل تحقيقه من المؤلفات القديمة ، يثير في العقل تساؤلات متعدة وتأملات ، منها على سبيل المثال : لماذا يتشابه سلوك وتوجهات العلماء الموالين للسلطة في كل عصر بالعصر الذي يليه ؟! ففي الدولة المملوكية التي إخترتها كنموذج للتدليل على الفساد الذي إستشرى بين المشتغلين بالعلم وعلى الأخص العلوم الدينية والقضاء وتكالبهم ولهاثهم على منصب القضاء وخصوصا قاضي القضاة ، بدفع الرشوة والبرطلة ، أليس في ذلك تدليل على فساد المعتقد والمذهب الديني الذي ينتمون إليه في ذلك العصر ، وهل بالضرورة أن يفسد علماء كل عصر ينتمي فيه العلماء والمشتغلين بالعلم إلى المذهب السني أو إلى الدين السني كما تطلقون سيادتكم عليهم ؟! ولماذا كان القاضي الحنبلي / أحمد بم ابراهيم الكناني مختلفا عن قضاة وعلماء عصره ؟ ألم يكن يدين بنفس المعتقد السني ؟ أم أن هناك عومل أخرى تؤثر في سلوك العالم أو القاضي غير معتقده الديني ؟؟


3   تعليق بواسطة   sara hamid     في   الأحد 10 مايو 2009
[38591]

شكرا دكتور احمد

لقد استنتجت ان النزاهة ليست لها علاقة بالدين يعني الواحد هو و حظه اما يولد ويوعى يلقى حاله انسان نزيه-مخلص- ثقة-


او العكس فنادرا ما يغير الدين في الطباع وسبق ان تحدثنا عن طبع البخل كمثال وابديت رايي حيث ان الانسان ممكن يتوب


ويتخلى عن سلوك وليس طبع مثل سلوك السرقة او شرب الخمر او الزنى(اذا تعود على هذه السلوك لاسباب وظروف خاصة) ولكن لن يتوب عن النفاق وهؤلاء القضاة يعبرورن عن


طبع النفاق فهم يتسترون تحت عباءة التدين لاغراض دنياوية---فهؤلاء لم يدربهم احد او غرر بهم ليتعلموا السرقة وانما هم وجدوا


الدين وسيلة ومناسبة لتحقيق ما تصبو اليه انفسهم منذ نشاءتهم--فهل قيل عنهم -سراق- كاي سارق --بل قيل عنهم -قضاة---


وشكرا


 


4   تعليق بواسطة   ايناس عثمان     في   الأحد 10 مايو 2009
[38597]

وترفع الشيخ ولم ينل الشهرة التي حظي بها غيره

( ونأتي إلى نموذج آخر عالي المكانة وهو الشيخ أحمد بن ابراهيم الكناني .. وهو قاضي القضاة الحنابلة بمصر وقتها , وشيخ الحنابلة في عصره . )


من الممكن أن يسيطر الشر إلا أن الخير لا ينتهي ويظل باقيا  ولو كان وجوده قليلا،  فوجود هذا القاضي الذي اتسم بالنذاهة والتواضع في زمن الدولة المملوكية الذي كثر فيه القضاة الذين يأخذون الرشاوي ، رأينا قاضيا مختلفا لم ينل من الشهرة التي تمتع بها أقرانه ولكن يكفيه سطر يذكره فيه التاريخ بما يغني عن كتب .ومبالغات !!! 


5   تعليق بواسطة   ميرفت عبدالله     في   الأحد 10 مايو 2009
[38611]

الخير والشر موجود في كل زمان ومكان ..

الخير والشر موجود في كل زمان ومكان ، وإن كان في مثل هذه الظروف قليل جدا إلا أنه لا يمكن أن ينمحي ، وهي لمسة ذكية من الدكتور أحمد في تخصيص حلقات حول القضاة حيث أنهم أدوات العدالة في كل زمان ومكان ..


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4176
اجمالي القراءات : 37,296,493
تعليقات له : 4,478
تعليقات عليه : 13,199
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي