الجزء الأول:
سلسلة اٌعتقادات خاطئة و تفسيرات سيئة و وقائع تجاه

محمد صادق في الأربعاء 15 اكتوبر 2008


te;ى ما يسموه "بالحديث الشريف" في تعليم الدين و فرضه على الناس. إنهم لم يصدقوا أن في القرءان تبيان لكل شيء, و أنه لقول فصل, و أن لا عوج به, و أن الله تعالى ما فرط فيه من شيء, و أنه تعالى أكمل لنا ديننا بما فيه. إنهم انحازوا عن صراط الله العزيز و أخذوا بصراط كتب المفترين و أعوان الشيطان الرجيم, ككتب البخاري و مسلم و غيرهما, بدعوى أن كتب هؤلاء و بياناتهم تفسر القرءان و تبينه, و تزيد عليه التفاصيل التي افتقر إليها. و من ثم جعلوا تلك التفاسير و الأحاديث و الخرافات التي كتبوها بأيديهم ’سنة للرسول ‘ و أحكاما دينية بمثابة القرءان كتاب الله! و ليثبتوا افتراءهم الكاذب ادعوا أن الرسول محمد قد أمر بإتباع تلك ’السنة‘! حاشا له هذا الإدعاء. فكيف بنا أن نحترم تلك الأئمة بعد أن ضلوا عن صراط الله و أضلوا الناس و تحكموا بهم ظلما و عدوانا.

إن ’علماء‘ الإسلام قد صموا آذانهم و أغلقوا عيونهم و أقفلوا قلوبهم فتناسوا كلمات الله البينة و أمره: اٌتَّبعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبّـكُمْ وَ لاَ تَتَّبعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ؛ قَلِيلاً مََّا تَذَكَّرُونَ(3)  - الأعراف.  وَ أَنَّ هَـذَا صِرَ’طِى مُسْتَقِيمًا فَاٌتَّبعُوهُ, وَ لا تَتَّبعُواْ اٌلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بكُمْ عَن سَبيلِهِ . ذَ’لِكُمْ وَصَّنكُم بهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153) - الأنعام.  وَ هَـذَا كِتَـبُ أَنْزَلْنَـهُ مُبَارَكُ فَاٌتَّبعُوهُ وَ اٌتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) - الأنعام. فالله يأمرنا أن نتبع ما أُنزل إلينا – القرءان – و أن لا نتبع غيره كتاب آخر أو رجل آخر فنتخذه ولي لنا - أي كصراط أو إمام لنا-، و أن لا نتبع سبيل غير سبيله تعالى فنتفرق. و لكن الأئمة و العلماء لم تتقي الله تعالى و عصوه، فهجروا القرءان و أمروا ما لم يأمر به الله مصدر الدين الوحيد، فخلقوا الأحزاب و الشيع و السبل العديدة فأضلوا الأمة الإسلامية. ويشيعون فى الناس ان الإختلاف والتفرقة والشيع والأحزاب هى رحمة من اللــه.

و هكذا فقد أحاطت بالمسلم القيود و الحواجز التي فرضتها عليه سياسة المجتمع الدينية و الاقـتصادية و العلمية. لهذا فقد استسلم في تفكيره و كيانه النفساني للوضع القائم، هربا من مواجهة تُهم العلماء المزيفين ’بالردة، و ’الكفر‘ وفى بعض الأحيان بالقتل و غيرها. و بذلك قدم المسلم الأعذار و الحلول ليقنع نفسه بحسن و صحة وضعه القائم، و بالتالي قبوله للوضع، و من ثم تمسكه و دفاعه عنه ما أمكنه سلامة لشخصه.

غير أن هذا الوضع هو من الخطورة بمكان، لأنه يؤدي لا إلى انحلال المجتمع الإسلامي فحسب، بل إلى البعد عن الدين الإسلامي، و بالتالي خسارة المسلم في الدنيا و الآخرة على السواء. و هذا ما وعد الشيطان ربه إذ:  قَالَ فَبمَآ أَغْوَيْتَنِى لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَ’طَكَ اٌلْمُسْتَقِيمَ(16) ثمَّ لاتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَــنِهِمْ وَ عَنْ شمَآبلِهِمْ, وَ لا تجدُ أَكْثَرَهُمْ شَــكِرِينَ(17) - الأعراف. و أكد إبليس اللعين قوله فأقسم:  قَالَ فَبعِزَّتِكَ لاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اٌلْمُخْلَصِينَ(83) - "ص . أي أن الشيطان دأب أن يحيدنا عن صراط الخالق لنا في القرءان فيأتينا بشتى الوسائل و مختلف الطرق ليحقق غايته فيوقع ضعيف الإيمان في شباكه. فجاءنا بشخص البخاري و أمثاله و لهانا بالأحاديث. أما قوي الإيمان و الذي يخلص إيمانه لله عز و جل بإتباعه سنن ربه في القرءان فلن ينفذ إليه الشيطان. و هذا وعد الخالق العظيم. و لكن قد لا ينجو من ’علماء‘ المسلمين في هذه الدنيا!
فالغاية من البحث في هذه السلسلة و المواضيع التالية هي كشف الغطاء عن اليسير مما يواجهه المسلم من أمور تخصه وجب علمه بها؛ و كذلك تشجيع المسلم على التحري عن دينه مجددا، و أن لا يقتصر طلبه للعلم و المعرفة في الدين الإسلامي و حسب، بل أن يتحرى عن مختلف الوجهات الدينية الغير الإسلامية لكي يعزز و يثبت تعلقه بصراط الله المستقيم. فلا وزن لمسلم جاهل مهما علا صوته في الصلاة و الحديث. على المسلم المخلص دينه لله العزيز السير قدما ليكشف بنفسه المزيد مما تراكمت عليه من عقبات و أكاذيب تحيده عن حقيقة ما يمتاز به دين الإسلام، و أن لا يقنع بما يدعيه غلاة "الحديث" لعله يحوز على مقعده في الجنة التي وعدنا إياها ربنا. و لا أنكر صعوبة اعتناق صحيح القول في هذا البحث، لاسيما و أصبح المسلم شديد التعلق فيما اعتاد عليه - و لو أنه يستحيل عليه برهان صحة اعتقاده - فكبر عليه تغيير اتجاه حياته. و الكثيرين ممن رضي بحديث فاسد لأحد الأئمة الرجعيين: "شر الأمور محدثاتها, و كل محدثة بدعة, و كل بدعة ضلالة, و كل ضلالة في النار"! تفكير شيطاني سقيم لا يؤدي الإيمان به إلى الرقي و التحسين الذي ينادي به القرءان. فالأمل أن ينظر العاقل مليا في هذا العرض لعل الله تعالى إن شاء يهديه إلى الصراط المستقيم.

من الإعتقادات الخاطئة والتفسيرات السيئة ....

اٌجتنبوا...  يصف القاموس العربي معنى هذا الفعل بالبعد عن الشيء. فإن أنت اٌجتنبت الحفرة في الطريق مثلا فإنك بعدت عنها. و تقول إن هذا واضح و ما جئت بأمر جديد, و ما فسرت بغريب. فأقول أنت على حق, فالجميع يفهم معناها حتى طالب المدرسة الابتدائية, إلا أن المؤمن بالحديث فيقول ’بل إن معناها أقوى من حرَّم‘, و لو أنه يصعب تفسير معنى فعل أقوى و أضعف قوة من آخر. إنما جواب هؤلاء الناس يدل على عدم فهمهم معنى ’حَرَّمَ‘ الذي يتعلق بالله تعالى. فالله ’يُحرم‘ و ليس العبد, و العبد ’يجتنب‘ و ليس الله سبحانه و تعالى. و ما حرم الله هو بالقرءان و ليس بكتب العلماء, فهم ليسوا شركاء الله تعالى ليضعوا حدودا لدينه.
لقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نجتنب سبع أمور (و ليست سبع عن عبث):
1 - الطاغوت, (الزمر آية17)؛ 2- كبائر الإثم و الفواحش إلا اللمم- (الشورى آية 37)؛ 3 - كبائر ما تنهون عنه, (النساء  آية 31)؛ 4- الرجس من الأوثان, (الحج  آية30)؛ 5 - قول الزور, (الحج  آية 30)؛ 6- كثيرا من الظن, (الحجرات  آية 12)؛ 7 - عمل الشيطان. (المائدة  آية 90).
و إن نظر نا في المادة رقم "3" و تفحصنا ما نهانا عنه ربنا, نجد أنها في سبع أيضا:
1- المنكر 2- البغي 3- الفحشاء 4- السوء 5- أخذ الربى 6- النجوى 7- عن الذين لم يقاتلونا في الدين.
أما الفحشاء (المادة 3) فهي: الزنى ما ظهر منها و ما بطن؛ ما نكح الآباء (إلا ما قد سلف)؛ اللواط، ، السحاق.
غير أن أهل الحديث و أتباع السنة المفترة يصرون على إشراكهم في سلطان الخالق بإصدار المزيد من المجتنبات. بل و يفسرون عن جهالة معنى "اجتنب" بـ "حرَّم"!

الإطاعة... إن مفعول هذه الكلمة يشير إلى عمل حي. فإن تفحصنا معناها عن كثب, لوجدنا أن لا تجوز الإطاعة إلا لمن هو حي أو موجود في محيط الموضوع. فالمرء يطيع مديره الحاضر أو والده الحي أو رئيسه أو الضابط الحالي الخ... حسب و ضمن النطاق المرسوم له. فرئيس العمل مثلا يضع الحدود التي ينبغي على موظفيه إٌتباعها. و إن أخل أحد الموظفين بتلك الحدود, يتوقع المخالف العقاب من رئيسه حسب البنود المرسومة. أما إن ترك ذلك الموظف مكان عمله, عندها يصبح الموظف في حِلٍّ من واجبه. فلا يتوقع من الموظف إطاعة أوامر مديره السابق, و لا يتوقع أي عقاب بسبب أن فارض القوانين, إن كان مثلا رئيسا أو مديرا, قد انتهى تأثيره, و مضى فعله مع مضي زمانه.

و كذلك الأمر في مواطن يسكن بلدا ما. فطالما أن ذلك المواطن يقيم في ذلك البلد فإن من واجبه إطاعة قوانين البلد الذي هو فيه، و إنه يتوقع العقاب إن أخل بالقوانين. أما إن ترك المـواطـن البـلد و رحل إلى بلد آخر فعندها لا يطيع قوانين أو أوامر البلد الأول و لا خوف عليه إن خالف قوانين و أوامر ذلك البلد. و كذلك شأنه إن تغير الحكم و طاحت الحكومة السابقة في بلده, فلا يتوقع منه إطاعة الحكومة السابقة. و كذلك الحال في شأن شاب فَقَدَ والده في سن مبكر مثلا. فعندما كان والده على قيد الحياة فإنه أطاع والده في كل الأمور. و لكن بموت والده فإنه فقد من كان يفرض عليه الأوامر و أصبح حرا في تصرفاته إلا ما أملاه عليه صالح الأمور أو أن تولى مسؤوليته شخصا آخر . فلا يخاف عقاب والده أو زجره لأنه قد مات و اٌنقضى فعله.

يتبين من هذه الأمثلة البسيطة أن الإطاعة لا تجوز لما فات أو لمن مات. فالإنسان يطيع من هو موجود أو من هو حي و له المقدرة على تنفيذ الأحكام و إلاَّ لا إطاعة. فإن عدنا إلى موضوع ’إطاعة الله‘ و ’إطاعة الرسـول‘ و ’إطاعة النبي‘ يتبين لنا بكل وضوح أن إطاعة الله واجبـة دائما, لأنه سبـحانه و تعالى قيوم و هو الصمد. و أنه توعد كل من كفر برسالته بالعقاب. و إن إطاعة الرسول محمد كانت سارية المفعول أثناء حياته حين كان يتلوا آيات ربه تعالى على الناس. فكانت إطاعته واجبة على كل من آمن بالله و سمع أو علم برسالة محمد.

فإطاعة الرسول محمد عائدة إلى الرسالة (أي القرءان) التي أوحى بها إليه الله تعالى. و لا إطاعة الآن للرسول محمد لأنه عليه السلام قد اٌنتقل إلى رحمـة ربـه. و لا إطاعة للنبي محمد لأن الله لم يلزمنا بها أصلا. فلا خوف من عقـاب أو توبيخ يلقـيه الآن محمد النبي أو محمد الرسول على أحد في هذه الدنيا أو في الآخرة خلاف ما يعتقد به متبعي "الحديث" الذي لا أساس له. لذلك لا ذِكر لأي أوامر منه أو حدود تفصّل أي عقاب عند عدم إطاعة النبي محمد أو أي نبي آخر. و السبب في ذلك بديهي. فالمسلم يطيع ربه عن طريق تنفيذ ما جاء بالقرءان - لأن القرءان حي ثابت - و لا يطيع من ليس له كيان أو سلطان حي أو قائم.

و لعل تكرار الأمر بإطاعة الله و إطاعة الرسول أهمية أخرى عدا عما سبق ذكره. لقد ورد هذا الأمر واحد و عشرون مرة في القرءان (3×7) في اثنتي عشرة سورة كلها مدنية و لم يرد في أي سورة مكية. و إن تمعنا فحوى المناسبات التي وردت بـها هذه الكلمات لرأينا بوضوح أهمية هذا البلاغ و من هي الفئة الموجهة إليها هذا الأمر في غالب الأحيان: لقد كان يحث أهل الكتاب –اليهود- على الأخذ بالقرءان، لأنه الرسالة الصحيحة من الله. صعب على اليهود ترك ما حملوه طيلة قرون طويلة و الإيمان عوضا عنه بالقرءان، و لو أنهم يعلمون ضمنا أن الكتاب الذي بين أيديهم ما هو الذي أنزل على موسى عليه السلام، بل ما كتبه آخرين على مدة طويلة من الزمن بعد موسى عليه السلام.

لا مانع من إعادة ذكر بعض كلمات أبي بكر في خطابه على أثر وفاة الرسول إذ قال: "من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". كلمات قليلة و لكنها على موجزها ذات معنى عميق جدا. و كان بإمكانه أن يقول: ’من كان يطيع محمدا فإن محمد قد مات, و من كان يطيع الله فإن الله حي لا يموت.‘

فالسؤال هنا: هل كان المسلمين أو البعض منهم يعبدون و يطيعون محمد أثناء حياته؟ إن الجواب على ذلك يكمن في تعريف تصرف المسلمين. فإن اتبعوا الرسول عليه السلام و أطاعوه لمظهره و طلعته أو لكلماته و حجته البليغة أو إن آمنوا به لإتيانه بآيات لم يأت بها بشر أو إن صدقوه لصدق تنبؤاته أو إن ناصروه في حملاته لانتصاراته العجيبة على أعدائه أو إن تأثروا به لتقشفه و رفعته و نزاهته أو إن قلدوه في أكله و منامه و خروجه لقضاء حاجته و لباسه و إطلاق لحيته ( و لو أن اللحى كانت من عادة الناس قبل الإسلام و بعد ظهوره)... فإن الجواب هو حتما "نعم". لقد عبدوا محمد عليه السلام. فهؤلاء الناس قد ماتوا خاسرين الدنيا و الآخرة.
أما إن صدقوا برسالة محمد عليه السلام واتبعوا رسالة محمد عليه السلام و آمنوا برسالة محمد عليه السلام و أطاعوا رسالة محمد عليه السلام، فإنهم قد أطاعوا الله تعالى وعبدوه . ثوابهم عندها عند الله تعالى و يا له من ثواب.

أُمَِي... إن المعنى المتعارف عليه - بين المسلمين- لهذه الكلمة التي وردت في بعض آيات القرءان هو ’من يجهل الكتابة و القراءة. فقد اقتبس المسلمون هذا المعنى من الأحاديث المزعومة اٌنصياعا للبخاري (*) و تجاهلا للمعنى الحقيقي الوارد في القرءان.
(*)كتب البخاري هذا الحديث (في باب الصوم رقم1814) :"حدثنا آدم: حدثنا شعبة: حدثنا الأسود بن قيس: حدثنا سعيد بن عمرو: أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما, عن النبي أنه قال: ( إنَّا أُمة أُمِّيَّة [أي على الحالة التي ولدتنا عليها أمهاتنا] لا نكتب و لا نحسب, الشهر هكذا و هكذا). يعني مرة تسعة و عشرين, و مرة ثلاثين." و بهذا أصبح يؤمن المسلمين!
فأطلقوا لقب الأمية على الرسول محمد فأصبح مشهورا أنه جهل القراءة و الكتابة. و لكن إن نظرنا في المعنى المقتبس لهذه الكلمة و مشتقاتها, حسب ورودها في القرءان, نجد أن هذا المعنى لا يوافق فحوى ما تتكلم عنه الآيات التي وردت بها و لا تشرح الواقع. تدبر الآيات- حسب نزولها- التي وردت بها هذه الكلمة:
1)  اٌلَّذِينَ يَتَّبعُونَ اٌلرَّسُولَ اٌلنَّبىَّ اٌلأُمِّىَّ اٌلَّذِى...يَأْمُرُهُم باٌلْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَنـهُمْ عَنِ اٌلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اٌلطَّيِّبَـتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اٌلْخَبَــبِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اٌلأَغْلَـلَ اٌلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ. فَاٌلَّذِينَ ءَامَنُواْ بهِ
وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اٌتَّبَعُواْ اٌلنُّورَ اٌلَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَـبِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ(157) قُلْ يَــأَيُّهَا اٌلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اٌللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا اٌلَّذِى لَهُ مُلْكُ اٌلسَّمَـوَ’تِ وَ اٌلأَرَْضِ, لآ إِلَـهَ إِلا هُوَ يُحْىِ وَ يُمِيتُ, فَـَـَامِنُواْ باٌللهِ وَ رَسُولِهِ اٌلنَّبىِّ اٌلأُمِّىِّ اٌلَّذِى يُؤْمِنُ باٌللهِ وَ كَلِمَــتِهِ وَ اٌتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(158)  – الأعراف  .
2) وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ اٌلْكِتَـبَ إِلآ أَمَانِىَّ وَ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ(78)  – البقرة .
3)  فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَ مَنِ اٌتَّبَعَنِ؛ وَ قُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ اٌلْكِتبَ وَ اٌلأُُمِّيِّـنَ ءَأَسْلَمْتُمْ. فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اٌهْتَدَواْ, وََّ إِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اٌلْبَلَــغُ؛ وَ اُللهُ بَصِيرُ ُباٌلْعِبَادِ(20)  – ءَال عمر’ن .
4)  وَ مِنْ أَهْلِ اٌلْكِتَـبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآبِمًا؛ ذَ’لِكَ بأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىاٌلأُمِّيِّــنَ سَبيلُ ُ وَ يَقُولُونَ عَلَى اٌللهِ اٌلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(75) – آل عمران .
5)  هُوَ اٌلَّذِى بَعَثَ فِى اٌلأُمِّيِّــنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَــتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اٌلْكِتَـبَ وَ اْلْحِكْمَةَ وَ إِن كَانُواْ مِنْ قبَْلُ لَفِى ضَلَـلٍ مُُّبينٍ(2)  – الجمعة.
تلك هي الآيات التي وردت بها كلمة ’الأمّي‘ و مشتقاتها في القرءان الكريم. و يلاحظ فيها ألآتي:
المثال الأول: لقد أجمع المؤرخون أن سورة الأعراف هي مكية مبكرة فترتيبها الزمني هو (39). و اٌتفق البعض منهم أيضا أن الآيتين المذكورتين هنا هما مدنيتين, شأنهما شأن الآيات (164) إلى (170) في السورة ذاتها لأن جميع الآيات المعنية و المذكورة أعلاه تخاطب و تعالج وضع اليهود. فلقد واجه الرسول معارضة و مخاصمة اليهود له في المدينة و ليس في مكة حيث كان النصارى خصومه بالدرجة الأولى. فلذلك تعالج معظم السور المكية معارضة اٌتجاه النصارى كما تعالج معظم السورالمدنية موقف اليهود من الرسول. و لذا فقد صح القول إن جميع الآيات المذكورة أعلاه هي مدنية. و مما يؤيد ذلك في كل وضوح اختلاف موضوع الآيتين (157) و (158) في سورة الأعراف المكية عن باقي الآيات السابقة و اللاحقة لهما في السورة فيؤكد هذا إدخال تلك الآيتين في سورة الأعراف نقلا من سورة مدنية كما نقلت إليها الآيات (163) إلى (170), فلا تنتمي هذه الآيات إلى سورة الأعراف المكية. لقد أدخلوا الآيتين في سورة الأعراف عندما أعادوا ترتيب سور القرءان لسبب من الأسباب في زمن الخليفة عثمان بن عفان على النحو الذي نراه اليوم. واللــه أعلم.

تتحدث الآية الأولى من المثال الأول عن حث اليهود لتصديق الرسول محمد الذي جاء لجميع الناس و يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و ليحل لليهود و ليحرم عليهم بعض ما كانوا يقوموا به من طقوس و عادات أدخلوها في الدين على مر العصور و أن يؤمنوا في القرءان الذي يحمله الرسول. بما أن تلك الآيتين كانتا أول خطاب مباشر لليهود من المحتمل أن تكونا أصلا من أوائل الآيات في سورة البقرة (أي قبل الآية 78) واللــه أعلم. و يقول الباحثون أن سورة البقرة أول ما نزل إلى الرسول في يثرب – المدينة -. فقد لخصتا رسالة الرسول لهم كأساس للحديث. فتكلم الرسول معهم عن أعمال دينية تخصهم مباشرة ليؤكد لهم أنه عالم بوضعهم و أنه يشاركهم الإيمان بإلـه واحد لا شريك له. و ما كانت تلك الخطوة إلا نصيحة لهم ليؤكد لهم أنه رسول من الله تعالى جاء كوسيط ليحسن علاقتهم معه تعالى إن هم فعلا اهتدوا و اتبعوه. و بالإضافة إلى تلك الخطوة إن القرءان أكد لليهود أن ذلك الرسول حمل إليهم تلك الرسالة بالرغم من أنه من الأميين. فقد استخدم القرءان هذا التعبير لأن اليهود فهموه و كانوا على علم به و لو جهله معظم الناس الآخرين.

و يتابع القرءان الذكر في الآية (158) فيبلغ اليهود أن محمدًا قد جاء رسولا للناس جميعا, و ليس لليهود أو لأي فئة أخرى من دون بقية الناس. أي أن مهمة الرسول قد اختلفت عن مهمة سائر الرسل السابقين التي جاءت من اليهود و لليهود. و بالرغم من أنه من الأميين إلا أنه يؤمن بوحدة الله و بكلماته تعالى.
لم يرضى اليهود بهذا البلاغ لاٌعتقادهم أولا، أن أي رسالة تنزل من الله فهي لليهود فقط؛ و ثانيا، فإن جاءتهم رسالة عن طريق أمي (من هو غير يهودي) فلن تكون من عند اللــه لأن صلة الله تعالى حسب دعواهم، هي مع أبناء شعبه المختار فقط و ليس مع الأميين. آمن البعض منهم بمحمد و برسالته و دخل آخرون في الإسلام بقصد خلق البلبلة بين صفوف المسلمين و بصورة خاصة لإظهار عدم لياقة الرسول لتلك المهمة. و لكن آثرت الأكثرية منهم الكفر على الإيمان بالرسالة و بالرسول.

أما الآية (78) من سورة البقرة في المثال الثاني, فإنها تتابع الآيات السابقة لها في الحديث عن اليهود, فتنتقدهم لأنهم تبنوا البعض من المناصرين لهم ضد المسلمين الموحدين بالله و تفضحهم لأن المناصرين لهم هم في الواقع من غير اليهود و لو أنهم يتظاهرون أنهم من اليهود و أنهم يدعون أنهم يعلمون علم الكتاب المنزل، و لكن كان ذلك مناهم فقط.

و في المثال الثالث يكرر القرءان الرسالة من أن واجب الرسول محمد أن يبلغ رسالة الإسلام بالله لجميع الناس: لأهل الكتاب المنزل ( أي لليهود ) و إلى من هم غير أهل الكتاب على السواء؛ و إن الدين الوحيد الذي يرتضيه الله تعالى هو الإسلام له، أي التسليم لله وحده و الإيمان به. و أمر الله رسوله عليه السلام بأن لا يحاجج أحدا في ذلك, بل عليه إبلاغ الرسالة فقط. فكان ذلك الأسلوب العامل الأساسي في نجاح نشر و قبول الدين الإسلامي.

أما في المثال الرابع فإن الآية (75) من سورة ءَال عمران تكشف وضع اليهود ( أهل الكتاب ) و نظرتهم تلقاء من هم غير يهود. فتقول أن البعض من اليهود من يوفي عهده و أمانته للآخرين و لو غلت الأمانة و علت قيمتها؛ و البعض الآخر منهم لا يؤدي الأمانة للناس إن كانوا من غير اليهود ( الأميين ) إلا بشق الأنفس و لو كانت الأمانة بخسة الثمن. و يعود السبب في ذلك إلى اعتقاد اليهود، مؤمنين أن رد الأمانة واجب بين أفراد اليهود بعضهم مع بعض و لكن هم على حل من هذا الواجب إن كان الطرف الثاني من الأميين - من غير اليهود - فلا يأمرهم دينهم بذلك. و هذا صحيح. و الغريب حقا أن ما زال اليهود على هذا الاعتقاد بالذات إلى يومنا هذا. فالسرقة و الخداع و الزنا و الكذب ... هي من التصرفات التي يُحِلها اليهود في معاملاتهم مع غيرهم و في الوقت ذاته يبتعدوا عنها فيما بينهم. و لكن هناك الشواذ: تماما كما وصفت الآية المذكورة. و لكن المهم في الموضوع هو وصف من هم على جهالة من التوراة و إنهم خلاف اليهود.

و في المثال الخامس و الأخير, و هو الآية الثانية في سورة الجمعة, نجد أن الآية تمجد الله تعالى الذي أنعم على الأميين ( أي غير اليهود ) بإرسال رسول إليهم من أوساطهم ( أي الغير يهودي ), في حين أنه تعالى لم يرسل في السابق أحدا إلى الأميين أو غيرهم سوى إلى الشعب اليهودي الذي اختاره من بين باقي الشعوب.  أَمْ يَقُولُونَ اٌفْتَرَنهُ. بَلْ هُوَ اٌلْحَقُّ مِن رَّبّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ(3) – السجدة. أي أن لم يأت العرب رسول نذير قبل محمد . و هكذا إن الله تعالى قد أبطل لأول مرة الاختصاص الذي خص به اليهود و منح علم الكتاب – أي علم رسالة الخالق المنزلة – و كذلك الحكمة الإلـهية المثلى لشعب غير شعب اليهود. فلم يعد الشعب اليهودي شعب الله ’المختار‘؛ و لم يعد اليهود هم المحتكِرين لرسالة الخالق و عِلْم الكتاب المنزل و الحكمة.

إذًا, ما معنى كامة ’أمِّيٍّ ‘؟ إنه تعبير عربي أطلقه اليهود القدامى على كل من هو غير يهودي. أما التعبير الذي يتداوله يهود الأشكناز اليوم هو: ’چوي‘ أو ’چويا‘ ((Goy or Goya و مفرده ’چوييم‘Goyim) ) و يعني ’من الشعب العامي‘ أو ’العشيري‘, أي الأمة التي لا تنتمي لأهل التوراة. و يترجمها الإنكليز ’الأنعام الإنسانية‘,(Human cattle). أي أن هذا التعبير يدل على نظرة اليهودي الدينية تجاه كل من هو غير يهودي – إن كان مسلم, مسيحي, وثني أو من يتبع أي مذهب آخر- أنه أدنى مرتبة من اليهودي لأنه "جوي".

و أكد ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي (1983-1992) مناخيم بيغن (1913-1992) إذ قال أن العرق اليهودي هو العرق السيد [أي أنه يفوق على كافة الشعوب و لذلك أهل لحكمها], و أنهم – أي اليهود- أرباب إلـهيين في الأرض. و قال أنهم يختلفون عن باقي الشعوب التي هي أدنى منهم كاختلاف تلك الشعوب عن الحشرات. و استطرد القول أنه في الواقع أن الشعوب الأخرى هي حيوانات و وحوش, على الأقل أنعام, إن قورنوا مع العرق اليهودي. و اعتبر عروق الشعوب الأخرى بمثابة غائط الإنسان. و قال أن قضاءهم في الوجود أن يحكموا باقي الشعوب الأدنى منهم, و أن رئيسهم سيحكم مملكتهم الأرضية بعصا من حديد؛ و أن جميع الشعوب ستلحس أقدامهم و تخدمهم كالعبيد.
The Israeli Prime Minister (1977-1983) Menachem Begin (1913-1992) said: "Our Race is the Master Race. We are divine gods on this planet. We are as different from the inferior races as they are from the insects. In fact, compared to our race, other races are beasts and animals, cattle at best. Other races are considered as human excrement. Our destiny is to rule over the inferior races. Our earthly kingdom will be ruled by our leader with a rod of iron. The masses will lick our feet and serve us as our slaves."
و قد وافقه الحاخام اليهودي مناخيم مندل شنيرسون (1902-1994) العالم و الزعيم في حركة دينية ’حسيدية‘, فقال "أن نوعية جسم الشخص اليهودي تختلف كليا عن نوعية أجسام أي من الشعوب الأخرى في العالم. إذ لا يحق احترام أجسام من هم غير يهود. أما الروح فتختلف أكثر من ذلك: إن روح الغير يهودي تنبعث من ثلاث ميادين شيطانية, أما الروح اليهودية فتنشأ من قداسته".
Rabbi Menachem Mendel Schneerson (1902-1994 once said: "The body of a Jewish person is of a totally different quality from the body of members of all other nations of the world. Bodies of the Gentiles are in vain. An even greater difference is in regard to the soul…A non-Jewish soul comes from three satanic spheres, while the Jewish soul stems from holiness."
و أيد ذات الاعتقاد الحاخام إسحـق كينزبرغ الرئيس الروحي لمعهد لاهوتي إسرائيلي فقال: "علينا أن نميز الدم اليهودي من دم الجُويْ لأن النوعين يختلفان عن بعض. و أن أي قانون يعتمد على مساواة اليهودي مع الجُويْ مرفوض كليا."
The seminary's spiritual leader, Rabbi Yitzhak Ginsburg, justified the slaying [of Arabs] and said the blood of Jews and non-Jews cannot be equated. "We have to recognize that Jewish blood and the blood of a goy are not the same thing. Every law that is based on equating goys and Jews is completely unacceptable."
أما حاخام مشهور آخر, يعقوب برين, فقال وفق ما ذكرته جريدة نيو يورك تايمز في عددها الصادر 28 شباط عام1994: " إن قيمة مليون عربي لا تساوي ظفر يهودي."
"One million Arabs are not worth a Jewish fingernail" Rabbi Ya'acov Perin, New York Times, Feb.28, 1994.
و هكذا يعتبر اليهودي نفسه أنه أحد أفراد شعب الله المختار. و لا يعتبر الأمم الأخرى (بصرف النظر عن الديانة التي تتبعها) من شعوب الله بل إن أصلها من الشيطان. و لذلك في نظره لا تدخل هذه الأمم الجنة, إلا من مات منها و هو يحارب دفاعا عن اليهود. و عندها - إن دخل الجنة- لا يحق لذلك الفرد الجلوس على المقاعد الذهبية في الجنة بل الوقوف بحيث لا يعلو رأسه على أقدام اليهود أصحاب المقاعد الوحيدين الجالسين على تلك المقاعد. فلا صديق لليهودي إلا من مات دفاعا عنهم. و لكن جاء جواب القرءان لذلك صريحا واضحا: أن كل من يعمل صالحا و يخلص إيمانه لله تعالى يدخل جنته. و يا لها من رسالة حق.

يا ليت أتباع السنة التي اٌفتراها البخاري على علم بهذا قبل سؤالهم معترضين: " هل لم يكن للرسول مهمة سوى إبلاغ الناس بالرسالة؟ فهل كان الرسول عليه السلام مجرد ساعي بريد ؟" لقد خصهم الله بالجهل ( على سنة البخاري). لأنهم آثروا إشراك الله و كتابه مع البخاري و ’صحيحه‘ و مع الطَّبَرسي و كتابه "الكـافي" (*), و رفعوا كتب أساطير البخاري و الطبرسي المفترية فوق مرتبة الرسول فعميت قلوبهم!
(*) الطَّـبَرسي هو العالم النجفي ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي الذي مات عام 1902م أي 1320 هـ , و قد ألـف كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" المليء بعبارات الشرك و الكفر.

لقد منح الله تعالى الفضل على الشعب العربي بشكل كتاب واضح, مفصل, محكم, و عربي, لكي لا يكون لهم أي عذر في عدم إتباع وصاياه. لقد أعطانا الله تعالى هذه الأمانة لكي نحملها بإخلاص لسائر الناس, و سنسأل عنها. إن هذا الحدث العظيم هو علامة فصل بينه تعالى و بين اليهود, و دليل غضبه عليهم أخيرا, بسبب تعنتهم و رفضهم لآخر رسول لإتباع وصاياه تعالى, و عدم الاكتراث لأوامره بالرغم من إرساله إليهم في السابق العديد من الرسل و الأنبياء و الرجال الصالحين.

فهل يا ترى سيتبع المسلمون خطوات اليهود فتحل بهم ذات اللعنة؟ إن العلامات حتى الآن لا تبعث على الارتياح. إنّ المسلمين هجروا القرءان كما هجر اليهود كتاب موسى. إنهم كتبوا الحديث و اتبعوه كما كتب اليهود التوراة و التلمود و اتبعوهما. إنهم ألَّفوا الفقه و الشريعة وآمنوا بها و اتبعوها, كما ألَّف اليهود المشنة و الجمارة و آمنوا بها. إنهم تأثروا كثيرا باتجاهات الأئمة من الشعوب الغير عربية التي حكموها (كالبيزنطيين و الفرس و الساسانيين و غيرهم) أثناء توسعهم السريع في القرنين الأولين للهجرة مما أبعدهم عن القرءان الذي بين أيديهم, كما تأثر اليهود كثيرا بالحكومات و الشعوب التي حكمتهم (كالرومان و الإغريقيين و الآشوريين و غيرهم) فنسوا و أضاعوا معظم دينهم. إنَّـهم اقتفوا الفتاوى من الشيوخ كما اقتفى اليهود فتاوى ربَّـانيهم. إنهم أحلوا و حرمـوا لأنفسـهم مـا لـم ينزل بـه الله تـعـالى، كمـا أحل و حرم اليهود لأنفسهم ما لم يأمر به ربهم.

إن الأمة الإسلامية رفضت على مر العصور العودة للقرءان وحده و أحكامه البينة, كما رفض اليهود العودة لأسس الدين التي ارتضاها الله و التي بينها لهم على ألسنة رسلهم و أنبيائهم.
و لكن مع أن اليهود أضاعوا كتاب الله منذ مطلع عهدهم بالرسالة, إلا أنهم بسبب شراسة تعلقهم بالدين قد حافظوا و لو على القليل من الرسالة، أما المسلمين فقد عصوا الله في الكثير من القرءان الذي ما زال بين أيديهم و لم يمضي أكثر من ثلاث قرون على رسالته تعالى إليهم، عداك عن أربعين قرنا كما مضى على اليهود. و في حين أن اليهود تمسكوا بالله وحده و لم يمجدوا الرسول موسى عليه السلام بالرغم من شدة احترامهم له, إلا أن المسلمين أسدلوا على الرسـول محمد و بعض آله عبـارات التمجيد حتى العبادة, و اتـبعوا أحاديث مختلقـة أسندت له و أهملوا القرءان. كذلك تفرق المسلمون إلى أحزاب و شيع, و حاربوا و قتلوا بعضهم البعض, بخلاف اليهود الذين جمعتهم وحدة الهدف. لا حول و لا قوة إلا بالله. هل سنستيقظ من هذا السبات و حالة الإشراك يا ترى قبل فوات الأوان و نعود إلى تمجيد الله عز و جل وحده و نتبع كتابه لا شريك له وحده؟

إن رسالة محمد كانت من الأسس الدينية المهمة، إذ جاء اليهود رجلا من غير أوساط اليهود يدعوهم إلى القرءان تأييدا لكتاب موسى عليه السلام الذي أضاعوه، و كذلك لتصحيح دينهم الذي مرت عليه قرونا كثيرة و ذلك لتنقـلهم و سكناهم بين شعوب تختلف عنهم في الدين. فلتنقـل اليهود و لمرور القرون الطويلة عليهم فقد اقتبسوا الكثير من العادات و الطقوس الدينية مما لا تمت لدين موسى بأي صلة. فكانت دعوة محمد آخر فرصة لهم للعودة إلى مرضاة الله عز و جل خصوصا بعد محاولتهم صلب آخر أنبياءهم عيسى عليه السلام, ( حسب دعواهم و تسميتهم - ألم يدَّعوا أن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا؟ مساء يوم الجمعة من 15 نيسان عام 33م أي يوم بداية سبتهم. واللــه أعلم.

فهكذا إن مجيء رجل لليهود من غير اليهود– من الأميين- ليؤكد و يصحح لهم دينهم، له تأثير أعظم من لو كان ذلك الرجل من بين أوساطهم كما كان وضع جميع الرسل السابقين الذين كان آخرهم النبي عيسى عليه و على أنبياء الله و رسله أجمعين السلام. لقد جاءت جميع الرسل و الأنبياء القدامى للإسرائيليين و من الإسرائيليين. فكان منهم يشوع و إزرا و نهميا و عيسيا و جرمايا و ذا النون و حباكوك و زفانيا ... و أخيرا ملاخي الذي تبعه يحيى و عيسى بن مريم آخر أنبياءهم. لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـقَ بَنِى إِسْرَ’ءِيلَ وَ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً, كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولُ بمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَ فَرِيقًا يَقْتُلُونَ(70)-  المائدة112. و هكذا كان تعصبهم الأعمى لما توارثوا عليه سبب النقمة الإلهية عليهم.

ولد عيسى لمريم عليهما السلام في عائلة من بني إسرائيل التي – واللــه أعلم - سكنت في أنحاء الطائف أو مكة أو إلى الجنوب الغربي منها في تيماء أو فدك أو في وادي القرى أو في يثرب أو خيبر. نقول هذا لأن وجود العدد الكبير من المسيحيين في تلك المناطق المجاورة لمكة في زمن الرسول يبعث على التساؤل عن سبب وجودهم هناك بالذات قبل فجر المسيحية مع العلم أنه لم ينتشر الدين المسيحي مبدئيا في مناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية. و من المعلوم أن موجات الهجرات السامية كانت من الجنوب إلى الشمال و ليست بالعكس. فيستبعد جدا انتشار المسيحية من القدس- كما نقرأ في الكتب الدينية – إلى منطقة الحجاز. و لهذا نتساءل: لما لم تنتشر المسيحية في تلك الكثرة إلى البلدان الشرقية من منطقة القدس (العراق, بلاد فارس, الهند...) أو إلى البلدان الأفريقية في بادئ الأمر أثناء حياة عيسى عليه السلام أو إلى المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية؟

إن الجواب واضح: إن الملة المسيحية قد انتشرت حيث ولد و نشأ عيسى عليه السلام و حيث بشر برسالته. أي أنها تمركزت أولا في منطقة عسير من الحجاز حيث كثر اليهود و من ثم انتشرت في اليمن على أثر احتلال الحبشيين لها ( الذين جاءوا من القارة الإفريقية عبر البحر الأحمر ) في القرن الخامس الميلادي. و نعلم كذلك أن تجمعات المسيحيين كانت في ذات المناطق التي سكنها اليهود منذ قرون بعيدة. و نحن نعلم أن سكان نجران و المنطقة المحيطة بها- و بها لا أقل عن 75 قرية - كانوا مسيحيين يرأسهم أسقـف- مطران- ( أي Bishop) و كان الأسقـف في عهد الرسول الحارثة بن علقمة من قبيلة بكر كما كان ورقة بن نوفل أسقـف مكة. و يقال أن الآيتين 59 – 60 في سورة ءال عمران قد نزلتا بعد زيارة الوفد من نجران للرسول. و إن اعتبرنا كثرة الأسماء المركبة التي اتخذها المسيحيون من أصل عبراني نقول أنه لابد و هناك علاقة بين هذه النقاط.

و بالإضافة لذلك، عندما نقرأ في القرءان الكريم عن قصة آل عمران و زكريا عليهم السلام، و عندما نقرأ أيضا عن ولادة عيسى عليه السلام و كيف أنه قيل لمريم أن تهز إليها بجذع النخلة فيتساقط عليها رطبا – و هو ما نضج من البلح قبل أن يصبح تمرا – نعلم من كل هذا أنها وضعت وليدها في آخر الصيف في منطقة يكثر فيها شجر البلح (لا في بيت لحم) و أنها كانت من عائلة من بني إسرائيل في منطقة كثر فيها عدد الإسرائيليين, إذ أن عيسى عليه السلام جاء نبـيا إلى بني إسرائيل: "وَ قَالَ اٌلْمَسِيحُ يَـبَنِى إِسْرَ’ءِيلَ اٌعْبُدُواْ اٌللهَ رَبّى وَ رَبَّكُمْ" الآية 72 في سورة المائدة, فهم الذين كان يعيش بينهم. فكان يتكلم العربية باللهجة العبرية التي لم تعرف في شمال بلاد الشام, و ليس حسب تكهن البعض باللغة الآشورية أو الكلدانية أو الآرامية التي انتشرت في الشمال و ما بين الرافدين و ليس في الجزيرة العربية. و علَّم أيضا الكتاب و الحكمة في معابدهم في عسير كما أمره ربه تعالى.

تبعه معظم الناس في عسير و لم يلقى منهم التعنت و الرفض بل القبول و الإيمان برسالته. و يدل هذا كما ذكرنا على سبب وجود العدد الكبير من المسيحيين في منطقة عسير- و تهامة الشام مثل قبائل تغلب و غسان و قضاعة في الشمال بصورة خاصة – و عدم وجود الكثير من أتباعه في شرق الجزيرة أو في منطقة القدس أثناء إقامته القصيرة هناك. فأنه عليه السلام لم يبشر رسالته القيمة لإعادة اليهود إلى دينهم الأصلي إ لا لمدة سنتين و نصف فقط و أنه لم يظهر على المسرح فجأة بعد سكوته ثلاثين سنة و هو الذي أنطقه الله تعالى في المهد! ) آل عمران آية (46).

لقد بشر عيسى عليه السلام برسالة أيدها بالبينات (أي المعجزات الواضحة) و حملها لبني إسرائيل و ناقشها في معابدهم مبدئيا في حرَّان في جنوب الحجاز. فكان عليـه السـلام يتكلم عربية الجزيرة مع اللهجة أو اللكنة العبـرية. و عندما بلغ الثلاثين من العمر لحق بنبي آخر كان يسكن معه في ذات المنطقة اسمه يحيى بن زكريا عليهما السلام الذي رحل قبله شمالا أيضا ككثيرمن الناس.
وصل عيسى عليه السلام إلى منـطـقة الجليل حين كانت تحت حكم الرومان. و بشر برسالته هناك أيضا بكل قوته في معابد اليهود و خارجها, مما لفت نظر الإخوان الحسّانيون- (The Essenes ( لتعاطفهم مع اتجاهاته الدينية إذ كانوا أهل نسُكٍ و تَعبُّدٍ, خلافا لخصومهم الصدوقيين. فأسكنوه معهم في منطقة الناصرة. هدد تصرفه و ميوله الدينية و تقربه للحسانيين وضع جماعة اليهود الديني في القدس (حيث كثر عدد الصدوقيين) و ما حولها أكثر مما هدده في الحجاز في السابق كما نقرأ في إنجيل مرقس في

الإصحاح الحادي عشر:
" (15) عندما وصل عيسى القدس دخل ساحة المعبد و ابتدأ بإخراج الباعة و المتسوقين. ثم قلب طاولات الصيارفة و كذلك مقاعد باعة طيور الحمام [للتضحية الدينية], (16) و منع كل من يمارس بيع البضائع ضمن قاعات المعبد. (17) و علَّمهم قائلا: ’ألم يُكتَب "إن بيتي يدعى دار الصلاة لجميع الأمم"؟ و لكن ها أنتم تحولوه إلى وكر للصوص‘. (18) عندما علم الكهنة و المعلمين بذلك أخذوا يبحثون عن وسيلة لقتله لأنهم أصبحوا يهابونه و بسبب ذهول الشعب و تأثرهم بتعاليمه. (19) و عندما حل المساء ترك المدينة." لا يجرأ أي شخص بالقيام بعمل كهذا إن لم يكن نبيا يهوديا.

و هكذا كان رد فعل اليهود أكثر شراسة و عنفا هذه المرة, لاسيما و قد رفض فريق الصَّدُّوقيين – Sadducees - الذين كانوا, بالرغم من أقليتهم, أصحاب النفوذ الديني. و لم يتفقوا مع باقي اليهود لاعتقاداتهم الدينية (كعدم إيمانهم بيوم القيامة) و لاتفاقهم مع الحكام الرومانيين. فعندما قام عيسى عليه السلام بإحياء الموتى و بأعمال أخرى بإذن ربه لكي يثبت لهم أنه حقا ابن مريم و أنه نبي الله تعالى, وهلوا منه و عولوا على إيقاف حركته و إزالته من أوساطهم نهائيا عن طريق محاكمته من قبل أعضاء المجلس الديني الأعلى للكنيس الكبير – الذي أصبح يعرف فيما بعد ’بالسنهدرين‘ Sanhedrin – و إصدار الحكم عليه بالموت باتهامه إتباع الشعوذة و أنه مرتد عن الدين و لتحريضه للسكان ضد الرومان حكام البلد. و طبق عادتهم إلى هذا اليوم, فقد كلفوا سلطة الآخرين - الحاكم الروماني- بالقيام بتنفيذ قرارهم بحجة أنه كان يوم سبتهم. فلو لم يكن عيسى عليه السلام يهوديا لما حاكموه في المجلس الديني الأعلى – Sanhedrin- الذي لا ينعقد إلا لمعالجة الأمور الدينية الهامة الخاصة بهم و التي تتعلق بجاليتهم. فكانت تلك الاجتماعات الخاصة تستدعي إصدار فتوى دينية يتبعها اليهود كجزء من دينهم.

و كان ذلك القرار عاملا أساسيا لرفضهم رسالة الرسول محمد فيما بعد كما كان جوابهم لعيسى عليه السلام بتلك القسوة. إنهم لم يسمحوا لأي شخص بتغيير منهاج حياتهم الدينية و ما تعودوا عليه بالرغم من تأكيد عيسى لهم أنه إنما جاء ليثبت ما جاء بالتوراة و ليس بنقض ما فيها.
فبعد اعتبار هذه الحادثة التاريخية الكبرى، نرى بوضوح أهمية و معنى الرسالة التي حملها الرسول محمد ستة قرون بعد رسالة عيسى عليه السلام الشفهية. إذ أن الرسول محمد جاء برسالة في كتاب موجه للناس جميعا و أنه كان منزل من الله. و بالإضافة لذلك, لقد اختلف وضع محمد عن وضع عيسى عليه السلام. فلم يكن محمدًا ’يهوديا‘ بل كان من ’الأميين‘ (أي من غير اليهود). جاء ليُعلِّم اليهود أيضا حقيقة الكتاب و الحكمة ( لأنهم اقتبسوا العديد من الطقوس الخارجة عن الدين و التي أخذوها من الأمم التي سكنوا معها و بينها لقرون طويلة) فضلُّوا عن الدين و الحكمة. فلكون محمد من الأميين لم يستطيع اليهود محاكمته كما حاكموا عيسى عليه السلام. فاكتفوا بنصب الفخ له ليقتلوه بعذر حدث قضاء و قدر. و لكن الله سبحانه و تعالى كان لهم بالمرصاد.
و نرى هنا وجه الاختلاف بين الرسالة التي حملها الرسول محمد و مهمته: - القرءان و الإسلام – و المهمة التي جاء بها عيسى عليه السلام التي كانت لليهود بصورة خاصة و لتثبيت محتويات جزئي كتابهم المقدس: التوراة و الأنبياء, إن صدقت روايتهما .

فنقرأ في إنجيل متى- الإصحاح الخامس- 5:17 " لا تظنوا أني جئت لألغي [كتابي] التوراة أو النبيين؛ ما جئت لألغي و لكن لأنفذ [ أو لأثبت] ). "Do not think that I came to abolish 'the 'Law' [Torah] or 'the Prophets', I did not come to abolish but to fulfill." Matthew 5:17 فلم يجيء عيسى عليه السلام بكتاب خاص, بل جاء ليؤكد و ينفذ ما جاء بالتوراة ( القسم الأول من الكتاب المقدس اليهودي) و بكتاب النبيين ( القسم الثاني). ( لم يتعرض عيسى عليه السلام للقسم الثالث و الأخير لكتابهم المقدس ’سيرة الأنبياء‘-كيثوبيم بالعبري- لكونه عبارة عن قصص و خرافات, و لأنه لم يشرَّع قانونا و يصبح ضمن الكتاب المقدس رسميا إلا في عام 90م).

و نلاحظ هنا أيضا تشابه رد فعل النصارى ضد الرسول محمد إذ حاول النصارى قتله أيضا لتهديده لهم في دينهم. فكان هو و أقربائه عليه السلام منهم قبل نزول الوحي عليه و تزوج منهم و كانت زوجته من عائلة معروفة و محترمة دينيا لديهم (فكان خال خديجة رحمة الله عليها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى أسقفا في مكة, و كان ضليعا بالتوراة العبرية التي ترجمها إلى العربية). لذلك كان عمل الرسول مشين لأقاربه و لباقي النصـارى, لأنه فضح أسس عقـائدهم و تضاربها مع الرسالة الإلـهية "أن لا شريك لله تعالى". و إلاَّ لِمَ حاربه بعض أعمامه و أفراد عائلته و بعض أهل زوجته بتلك القسوة في حين لم يكترث الوثنيين من أهل قريش لإضافة دين آخر لمجتمعهم الذي كثرت فيه الأديان؟ و نترك هذا الموضوع عند هذا الحد ليتمم القارئ بحثه بنفسه.

فبعد الأخذ بالمعنى الصحيح لكلمة ’أمّي‘و تفهم فحوى آيات القرءان على هذا الضوء نتساءل: أي فخر نحوز عليه يا ترى بإطلاق على رسول الله تعالى الذي اختاره لنا معنى هذه الكلمة بأنه الجهالة في الكتابة و القراءة؟ و كيف يجهل محمد الكتابة و القراءة و هو الذي مكلف بالرسالة والتأكد من صحة وصولها إلى الناس كافة.
و في حين يقول له رسول الله الملاك جبريل "اٌقْرَأْ باٌسْمِ رَبّكَ اٌلْذِى خَلَقَ" هل وضع أمامه كتابا كتب فيه "اٌقرأ باسم ربك الذى خلق"؟ و ما حل بذلك الكتاب يا ترى؟ و هل هي معجزة حقا أن تنزل الرسالة على رجل يجهل القراءة و الكتابة؟ هل كان إبراهيم عليه السلام متعلما ؟ و هل كان عيسى عليه السلام يحمل شهادة الدكتوراه؟ لا أهمية لذلك بتاتا إلا عند عبدة كتابات البخاري بدون شك, لأنهم فقدوا إمكانية التفكير السليم.

كان ذلك سوء قصد من أتى بذلك المعنى. إنه البخاري الذي اٌفتراه ليحط من قيمة رسول الله محمد, و لكي يقوض أركان الدين الجديد الذي بناه القرءان على القراءة. و إنهم ’علماء‘ الإسلام حاضرهم و ماضيهم الذين اشتروا بضاعة البخاري و نشروها و ثبتوها بشتى الاجتهادات و الدراسات ليحافظوا على مراكزهم البائدة, و نفس الوقت إلزام الأمة الإسلامية بالجهل لكي تعتمد عليهم في المسائل الدينية. إن معرفة أو جهل الرسول عليه السلام بالقراءة و الكتابة ما هو بالأمر الهام بحد ذاته حتى نبني عليه القصص الكثيرة الفارغة المعنى و القيمة. إن نحن حمَّلْنا معنى الجهالة بالقراءة و الكتابة هذا الاهتمام الزائد, فإنّنا بالواقع نظهر سخافة تفكيرنا في أمر لا يستحق الاهتمام - كالدلالة أن محمد لم يكتب القرءان لأنه كان أميا- تاركين للهباء جوهر المعنى لكلمات الله تعالى الحقة, و لأهمية الرسالة التي جاء بها الرسول محمد عليه السلام.
و لا بد من إيضاح معنى كلمة "كتاب" وفق ورودها في القرءان. فقد جاء في سورة المؤمنين: "و لقد ءَاتَيْنَا مُوسَى اٌلْكِتَاب(49) ", أي ءاتينا موسى نسخة من بعض علم اللوح المحفوظ
لدينا؛ و جاء في سورة النور: "فالذين يبتغون الكتاب ... فكاتبوهم(33)", أي أن العبيد الذين يبتغون ’شراء‘ حريتهم عن طريق كتابة عقد, فاكتبوا لهم كتاب عقد الحرية؛ و جاء في سورة النمل: "اٌذهب بكتابي هذا فألقه إليهم(28)" أي اٌذهب برسالتي هذه؛ و جاء في سورة الأحزاب: "و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله(6)" أي في دستور الله أو حكم الله؛ و جاء في سورة هود: "و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها و يعلم مستقرها و مستودعها. كل في كتاب مبين(6)" أي في سجل واضح.
فهكذا نرى أن لهذه الكلمة العادية عدة معان لا يجدها إلا من تدبر القرءان كما أمرنا الله تعالى. فهل ألقى جبريل عليه السلام مجموعة أوراق في مجلد- كتاب- على محمد عند زيارته الأولى له ؟ فمن البديهي أن ما أنزل الله تعالى على محمد هو علم اللوح المحفوظ لدى عرشه تعالى: أي أنزل الرسالة و الحكمة. فلم يتوجب على الرسول حينها قراءة كتاب.

أما الكلمة "اقرأ" فمعناها النطق بالمكتوب. و معنى آخر لها هو أن يجمع و يضم بعضه إلى بعض. و هذا هو المعنى المقصود هنا: فقد أمره جبريل أن يجمع و يضم ما سينزل عليه، و هو القرءان الكريم.
يواجه المسلمون اليوم وضعية ما واجهها أسلافهم من قبل. فقد ضعف معسكرهم و تفرقت صفوفهم و هجروا قرءانهم، عم الفساد بين شعوبهم و كثر الفقر في أوساطهم و لهت الأموال الهائلة رؤسائهم و حكامهم و ملوكهم فاشتروا بها القصور و السيارات و البنات و شبكات التجسس، وكدسوا الباقي منها في مصارف المشركين و الكفرة، و عسر عليهم ردها إلى أفراد شعوبهم الفقراء و المساكين و الجاهلين أسوة بالرسول ألأمين و تعاطف حكامهم و الأفراد منهم مع أعداء المسلمين ضد أبناء دينهم. و لكن أعظم من ذلك كله أنهم جميعهم تحلوا بالأمية. لمَ لا و اعتقدوا أن رسولهم كان أمي و أن الله تعالى قال ما يثبت نظريتهم: " لََّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اٌللهِ أُسْوَةُ حَسَنَةُ".

أساء المسلمون فهم القرءان و أسباب نزوله. لذلك لن ترقى أمة المسلمين سلم الحضارة ما دامت الجهالة رائدها و الأمية سنتها.

اٌهدنا يا رب العالمين أن نعود إلى قرءانك فنتبع صراطك المستقيم. إنّنَا بأشد الحاجة إليك يا خير الراحمين. هب لنا الحكمة أن ننتقي هيئات رشيدة توجه أمتك إلى تنفيذ أحكام قرءانك و تستخدم الأموال التي اغتصبها حكام المسلمين لرسم هدف تصبوا إليه أمتك و يرفع المسلمين إلى مركز يليق بهم فهم حملة رسالتك و دستورك العظيم. إن أعداءك و أعداء الإسلام قد تجمعوا لأول مرة في التاريخ منذ عهد الرسول لهدم دينك لقد تحالف المشركين مع اليهود و ضعيفي النفوس ممن يدعون أنهم مسلمين لدحر المسلمين و الإسلام لأنهم يهابون دين الإسلام. ثبِّت أقدام من يرفع راية الإسلام و افتح عليهم النصر فما الفتح و النصر إلا من عندك يا خير الناصرين. إن شئت يا رب العالمين.


إنتهى الجزء الأول ولنا لقاء مع جزء آخر إن شاء اللــه وإن كان فى العمر بقية...

اجمالي القراءات 19706

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عبد السلام علي     في   الثلاثاء 21 اكتوبر 2008
[28648]

الى الاخ محمد صادق

انت ذكرت فى مقالتك :



هل سنستيقظ من هذا السبات و حالة الإشراك يا ترى قبل فوات الأوان و نعود إلى تمجيد الله عز و جل وحده و نتبع كتابه لا شريك له وحده؟



وايضا تقول



وكدسوا الباقي منها في مصارف المشركين و الكفرة، و عسر عليهم ردها إلى أفراد شعوبهم الفقراء و المساكين و الجاهلين



يعنى بذلك العالم كله مشرك وانا اتفق معك ولكن ليس السبب ماذكرت فى المقاله ولكن ايماننا بكل مايفرق بين البشر ولا يحقق قيم الحرية والعدل والمساواة التى امرت بها كل الاديان والسلام


2   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   الثلاثاء 21 اكتوبر 2008
[28676]

إلى الأخ الكريم عبد السلام على

سلام اللــه عليك،


أخى الكريم أشكرك على قراءة هذا الجزء الأول من البحث  وايضا شكرا لكم على التعليق،


أخى الكريم، أوافق معك فى كل ما قلت ولكن لى ملحوظة أُضيفها هنا لتوضح بعض ما قلت:


" وكدسوا الباقي منها في مصارف المشركين و الكفرة، و عسر عليهم ردها إلى أفراد شعوبهم الفقراء و المساكين و الجاهلين " وليس هذا هو السبب الوحيد فى تخلف الأمة وتفرقتها. ولكن هذا من أهم الأسباب فى نظرى.   فاقول ان اكثر الأمم فقرا وجهلا هى الأمة المسلمة فى معظمها، ومن أسباب ذلك هو عدم الإمتثال لأمر اللــه بتنفيذ أمر الزكاة والعمل على جمعها وصرفها حسب المصارف التى حددها رب العباد فى كتابه فالتقدم والعلم لا يتماشى مع الفقر والجهل الذى نحن فيه الآن ومنذ زمن بعيد. فلو إستعملوا هذه المبالغ الطائلة، وهى فى الأصل مال اللــه وهو الذى حدد لنا كيف نستعملها وحتى اللـغة التى إستخدمها اللــه سبحانه حتى نستفيد منها فى حياتنا اليومية فقال من يقرض اللــه، فهو ماله أولا وأخيرا. فإذا طبقنا هذا الأمر " أمر الزكاة " بكل تفاصيله فهذه أول خطوة لكى نُزيل- إلى حد ما - هذا الفقر والجهل. وأذكرك وإياى بقول اللــه تعالى:"  وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " الأنعام(116) وايضا " مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)  مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) سورة الروم 



ولك منى الف تحية وكل تقدير 


أخوك محمد صادق

                                                                        


 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-10-30
مقالات منشورة : 398
اجمالي القراءات : 5,429,580
تعليقات له : 685
تعليقات عليه : 1,373
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada