بداية الاستغلال السياسي للصلاة فى العصر الاموي :
تحريف التواتر فى العصر الأموى وتطوره

آحمد صبحي منصور في الأحد 25 نوفمبر 2018


مقدمة :

قريش حرّفت تواتر ملة ابراهيم بالتجارة بالدين والصّدّ عن المسجد الحرام وعبادة الأولياء والقبور المقدسة وإلحاقها بالمساجد . نزل القرآن بالتصحيح ، ولكن ما لبث أن عاد التحريف أشدّ بموت النبى وتحكم الخلفاء الفاسقين القرشيين . الخلفاء الفاسقون الأوائل ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) كان تحريفهم العملى فى الصلاة بأن جعلوها صلاة شيطانية تحض على الغزو الاحتلال والسلب والسبى والاسترقاق . ثم جاء الأمويون فحكموا حكما إستبداديا وراثيا فأضافوا نوعيات أخرى من التحريف فى الصلاة وفى دور المساجد ، إستهدفت الاستغلال السياسى لدعم الحكم الأموى الاستبدادى الوراثى والذى إبتدعه الأمويون مختلفين عمّن سبقهم من الخلفاء السابقين . هذا الابتداع والتحريف ـ الذى إنصبّ على الصلاة وملحقاتها ودور المسجد ـ أدّى الى ردّ فعل لدى المعارضة السياسية للأمويين كما أنه تطور بعد العصر الأموى فى عصور الخلفاء اللاحقين والسلاطين .

 

هذا موضوع نزعم أنه لأول مرة يتم بحثه ، ولذا سيكون كالعادة مجرد تمهيد نرجو أن يبنى عليه الباحثون الجادُّون . ونعطى بعض التفصيلات . 

بداية الاستغلال السياسي للصلاة فى العصر الاموي ( 1 )

اللعن :

1 ـ أدخل معاوية لعن على ابن ابى طالب ضمن شعائر الصلاة فى الجمعة وغيرها. واصبح ذلك من لوازم صلاة الجمعة الرسمية  ، ولم يكن ذلك سهلا فى البداية ، وكان من أسباب مقتل حجر ابن عدى الكندي هو احتجاجه على الوالى المغيرة ابن شعبة ، ثم زياد ابن ابيه لتنفيذهما لعن على على المنبر فى خطبة الجمعة.

2 ـ وقد تفنن جبابرة الغلاة الأمويين فى تنفيذ لعن على فى الصلاة . واتخذوا منها وسيلة لاذلال شيعة على. ويذكر المسعودي ان زياد ابن ابيه والى الكوفى لمعاوية جمع الناس وأمرهم بلعن على ، فمن أبي منهم عرضه على السيف ، أى قتله ( مروج الذهب ج 2 ، 20 )

3 ـ وتحايل بعضهم على الافلات و النجاة من القتل، فيروى ابن سعد ان الحجاج ضرب الفقيه عبد الرحمن ابن ابي ليلة واهانه وقال له : العن الكاذبين على ابن ابي طالب و عبد الله ابن الزبير و المختار ابن عبيده ، فقال عبد الرحمن : لعن الله الكذابين ، وسكت. ثم ابتدأ و قال : على ابن طالب ، وعبد الله ابن الزبير و المختار ابن عبيدة. فقال الأعمش ، وهو الرواى لهذا الخبر، فعلمت حين ابتدأ فرفعهم ، لم يعنهم ، اى لم يقصدهم باللعن : الطبقات الكبري لابن سعد ج6 ، 76)

4 ـ الوحيد من خلفاء بنى أمية الذى منع لعن على هو عمرو بن عبد العزيز. يقول ابن سعد : ( كان بنو أمية يشتمون عليا ، فلما ولى عمرو ابن عبد العزيز أمسك عن ذلك ، فمدحه كثير عزة قائلا :

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف                       بريا ولم تتبع مقالة مجرم

( الطبقات الكبري ج 5 ، 267) . والشاعر كثير عزة كان شيعيا .

وقال عنه المسعودي : ( ترك عمرو ابن عبد العزيز لعن على على المنابر وجعل مكانه : ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ) ، وقيل بل جعل مكانها ( ان الله يأمر بالعدل و الاحسان ) ( وقيل بل جعلهما جميعا ، فاستعمل الناس ذلك فى الخطبة الى هذه الغاية ): مروج الذهب ج 2 ، 144) . أى ظلت الى عصر المسعودي تقال الآيتان الكريمتان مكان لعن على .

وقال السيوطي : ( كان بنو أمية يسبون على ابن ابى طالب فى الخطبة، فلما ولى عمرو ابن عبد العزيز ابطله وكتب الى نوابه بابطاله ، وقرأ مكانه : ان الله يأمر بالعدل و الاحسان فاستمتر قراءتها فى الخطبة الى الآن) ( تاريخ الخلفاء 387 ) أى استمرت الى عصر السيوطي ت 910).

5 ـ وكان وقع اللعن شديدا على ذرية على ابن طالب فى العصر الاموي . يروى ابن سعد انه قيل لعلى زين العابدين ابن الحسين ابن على ابن ابى طالب : كبف أصبحتم ؟، فقال : اصبحنا فى قومنا بمنزلة بنى اسرائيل فى آل فرعون . اذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأصبح شيخنا و سيدنا يتقرب الى عدونا بشتمه او سبه على المنابر )(الطبقات الكبرى ج 5 162 – 162 ) .

6 ـ وكان هشام ابن اسماعيل واليا على المدينة لبنى أمية ، فكان يؤذى على زين العابدين و اهل بيته ، ويخطب على المنبر و ينال من على. فلما تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك عزله وأمر به ان يوقف للناس ، اى يوضع فى مكان عام ، ليضربه الناس كيفما شاءوا . فكان هشام ابن اسماعيل فى محنته يخشى ان ينتقم منه على زين العابدين وآله من ذرية على ابن ابى طالب او ان يأمر الناس بالانتقام منه وهو مسموع الكلمة. ولكن على زين العابدين جمع ولده واهله ونهاهم عن التعرض لهشام وغدا على زين العابدين مارا لحاجة ، فمر على هشام وهو موقوف فلم يتعرض له بسوء . فناداه هشام ابن اسماعيل قائلا : " الله يعلم حيث يجعل رسالته.".!! وتوفى على زين العابدين سنة 94 : ( الطبقات الكبرى ج5 163)

7 ـ استمر لعن على ابن ابي طالب على المنابر طيلة العصر الأموى عدا السنتين اللتين حكم فيها عمر ابن عبد العزيز . ولأن الناس تعلموا الصلاة على أيدي الولاة الأمويين فى هذا العصر فقد اعتقدوا ان لعن على من أساسيات الصلاة وكان صعبا ارجاع بعضهم عن هذا اللعن فى العصر العباسي. يقول المسعودي أن أهل مدينة ( حرّان ) رفضوا الصلاة بدون لعن على ، وقالوا : لا صلاة بدون لعن ابو تراب ، وابو تراب هو لقب على وظلوا على ذلك عاما كاملا فى بداية العصر العباسي ( مروج الذهب :  ج2 : 193) .

8 ـ وإذا كانت الدولة العباسية قد أبطلت لعن على إلا أنها إضطهدت ذريته سياسيا وحربيا ، بل إن اللعن أعيد مرتين فى الخلافة العباسية ففى سنة 212 أمر الخليفة المأمون بلعن معاوية ( مروج الذهب ج2 ، 356 : 157 ) وبعده بنحو قرنين تقريبا أمر السلطان السلجوكى طغرلبك بلعن جميع المذاهب على المنبر يوم الجمعة ، وكان معتزليا . واستمر اللعن طيلة حكمة قال القزوينى ( فشق ذلك على المسلمين ، وفارق إمام نيسابور وذهب إلى مكة وكذلك الأستاذ أبو القاسم القشيرى ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم ثم انقطع ذلك بعد موت طغرلبك ) "" أثار البلاد وأخبار العباد صــــــــ 447 ) .

الأمويين وإضاعة الصلاة :-

1 ـ غلب على الأمويين إستغلال الصلاة سياسيا لمصلحتهم فى لعن على ، أو فى إستخدام القصاص بعد الصلاة لأستمالة العوام .

2 ـ وبعض الخلفاء الأمويين كان متهما بالفواحش وترك الصلاة ، ومنهم يزيد بن معاوية وحين ثارت المدينة على يزيد وخلعت طاعته ، وكان زعيم الثوار عبدالله بن حنظلة الإنصارى ، وقد خطب فى قومه قبيل موقعة الحرة قائلا عن يزيد ( إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة والله لو لم يكن معى أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا )  """ الطبقات الكبرى لأبن سعد ج5 ، 47 – تاريخ المنتظم ج6، 19 ) .

وقد وقعت موقعة الحرة سنة 63 هــ وفيها انتهكت حرمة المدينة وكان من القتلى زعيم الأنصار يومئذ ابن حنظلة .

3 ـ وتكرر نفس الإتهام لبنى أمية ، قاله سعيد بن جبير فى موقعة دير الجماجم ، قال : قاتلوهم على جورهم فى الحكم وخروجهم من الدين وإماتتهم الصلاة  "" طبقات ابن سعد ج6، 185 "" وكان على  مثال يزيد بن معاوية خليفة أموى اخر اشتهر بالفسق والفجور وترك الصلاة وانتهاك حرمة المصحف الشريف ، إنه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبدالملك وقد ثار عليه ابن عمه يزيد ين الوليد بن عبد الملك وخلعه من الحكم وقتله .   

4 ـ إلا أن إهتمام الأمويين تركز على صلاة الجمعة لإستغلال خطبة الجمعة فى الدعاية السياسية والهجوم على خصومهم ، وهم أول من ابتدع التوظيف السياسى لخطبة الجمعة والذى ما زال ساريا ، ومعلوم أن النبى محمدا عليه السلام كان يخطب الجمعة بقراءة بعض سور القرآن الكريم وخصوصا سورة ( ق ). ولم يتم تدوين خطب الجمع ضمن ما سجلوه من أحاديث النبى لأنها كانت من سور القرآن  .

5 ـ وتركيز الأمويين على استغلال الخطبة فى الجمعة سياسيا كان على حساب صلاة الجمعة نفسها إذا كانوا يطيلون الخطبة حتى يمل الناس ويضيع وقت الصلاة ويحل موعد صلاة العصر . ومن يحتج كان مصيره سيئا فى أغلب الأحوال .

5 / 1 : وفى حدود سنة 90 هجريا قتل الأمويون زياد بن جاريه وكان من أفاضل التابعين فى دمشق. وسبب قتله أنه دخل مسجد دمشق وقت صلاة الجمعة وقد تأخرت بهم الصلاة والخطبة لا تزال قائمة ، فقال للخليفة الوليد بن عبدالملك : " والله ما بعث الله نبيا بعد محمد عليه السلام أمركم بهذه الصلاة .. فأدخلوه حجرة وقطعوا رأسه) ( تاريخ الوافى بالوفيات للصفدى 15-14 ).

5 / 2 : واشتهر الحجاج بن يوسف بالفصاحة والتطرف فى سفك الدماء ، وقد تولى إمارة الحجاز ثم العراق لعبدالملك بن مروان وبنيه . وفى ولايته على الحجاز كان عبدالله بن عمر ابن الخطاب يصلى خلفه فى الحرم المكى ، فلما رآه يؤخر الصلاة امتنع عن الصلاة خلفه . ويروى  ابن سعد فى الطبقات الكبرى أن الحجاج كان يخطب الجمعة فظل فى خطبته حتى أمسى ، فناداه ابن عمر : " أيها الرجل الصلاة ". فأقعدوه ، ثم ناداه الثانية فأقعدوه ، ثم ناداه الثالثة فأقعدوه ، فقال ابن عمر  للناس وقد ملوا " أرأيتم إن نهضت أتنهضون ؟ فقالوا نعم . فنهض ابن عمر  فنادى فى الناس وفى الحجاج : " الصلاة الصلاة ..فإنى لا أرى لك فيها حاجة. "  فنزل الحجاج من على المنبر وصلى بالناس ، ثم دعى بابن عمر فقال له " ما حملك على ما صنعت؟ فقال ابن عمرو " إنما نجىء للصلاة فإذا حضرت الصلاة فصلّ الصلاة لوقتها ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة " ( 4-110 ، 117 ) .وجدير بالذكر أن الحجاج بعدها دس إلى ابن عمرو من طعنه خلسة فى الحرم برمح مسموم فمات منه .

6 ـ وفى غير صلاة الجمعة وإطالة خطابها كان الحجاج مثل سائر الخلفاء الأمويين لا يأمر بإقامة الصلاة وإتمام ركوعها وسجودها . وةقد سئل فقيه المدينه وكبير التابعين فيها سعيد ابن المسيب : " ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك ؟؟ " فقال سعيد " أنه دخل مع أبيه المسجد فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفا من حصى فحصبته به " الطبقات الكبرى لابن سعد 5-95 " .

7 ـ وتفرّد عمر بن عبدالعزيز بإهتمامه بالصلاة والحث عليها فى إتمام ركوعها وسجودها ، بل أنه بفضل عمر بن عبدالعزيز فإن ابن عمه الخليفة سليمان بن عبدالملك اشتهر بالأمر بالصلاة وقد كان عمر بن عبدالعزيز هو المستشار الأول لسليمان فى خلافته وقد وثق فيه سليمان حتى أنه عهد إليه بالخلافة .

قيل عن سليمان بن عبدالملك " كان عمر بن عبدالعزيز هو المستشار الأول لسليمان فى خلافته حتى أنه عهد إليه بالخلافة . " وقيل عن سليمان بن عبدالملك " كان عمر ابن عبدالعزيز هو المستشار الأول له ، أحيا الصلاة لأول مواقيتها ، وكان بنو أميه قد أماتوها بالتأخير ( السيوطى تاريخ الخلفاء 359 ) .

وقد عاش سليمان فيما بين ( 60-99 هــــ ) ودامت خلافته ثلاثة سنين لم تكن له فيها من مآثر إلا إهتمامه بالصلاة . وقد كتب سليمان للولاة " أن الصلاة كانت قد أميتت فأحيوها وردوها إلى وقتها " وقال عنه التابعى ابن سيرين : " سليمان بن عبدالملك افتتح خلافته بخير وختمها بخير . افتتح خلافته بإحياء الصلاة وختمها  بأن استخلف عمر بن عبدالعزيز . " ( الصفدى الوافى بالوفيات 15، 403 ) .

أما عمر بن عبدالعزيز فقد كان اهتمامه بالصلاة لا يبارى بلغ من ذلك حرصه على صلاة المساجين ، فكتب لولاته أن لا يقيد أحد بقيد يمنعه من إتمام الصلاة . ( طبقات اب سعد 5، 271 ) . وكانت العادة قبل عمر بن عبدالعزيز وبعده إهمال المساجين حتى الموت غالبا ، وقد قتل الحجاج الوالى الأموى الشهير مائة ألف سجين صبرا . أى تركهم يموتون فى السجن فأتى عمر بن عبدالعزيز يرعى المساجين حتى فى الصلاة .

8 ـ وأحس الأمويون أن موقفهم من الصلاة يسىء إليهم ويستغله المعارضون لهم فى التشنيع عليهم وفى حشد الخصوم والثوار ضدهم . فأذاعوا حديثا منسوبا للنبى محمد عليه السلام ينسبون روايته إلى صحابى مجهول اسمه قبيصة بن وقاص يقول "" يكون عليكم أمراء من بعدى يؤخرون الصلاة فهى لكم وهى عليهم ، فصلوا معهم ما صلوا بكم إلى القبلة "" وقد ظل هذا الحديث ساريا إلى أن دونه ابن سعد فى الطبقات الكبرى بعد حوالى قرن من الزمان خلال الدولة العباسية ( الطبقات الكبرى 7 ، 38 ) .

9 ـ ولقد كان أبوبكرعياش من المخضرمين الذين أدركوا الدولتين الأموية والعباسية إذ عاش حوالى مائة عام ( 97-193 ) وأدرك حكم هارون الرشيد وقد قال له الرشيد : " إنك أدركت أمر بنى أمية وأمرنا ، فاسألك بالله أيهما كان أقرب للحق ؟ " فقال : " يا أمير المؤمنين أما بنو أمية فكانوا أنفع للناس منكم وأنتم أقوم بالصلاة منهم" . ( الصفدى ، الوافى بالوفيات 10 ، 243 ) 

اجمالي القراءات 1852

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4064
اجمالي القراءات : 35,777,064
تعليقات له : 4,421
تعليقات عليه : 13,091
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي