الفصل الخامس : أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى:
ج2 / ف 5 : مدخل عن أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى

آحمد صبحي منصور في الخميس 19 مارس 2015


كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

الجزء الثانى :  العبادات فى مصر المملوكية  بين الإسلام والتصوف 

الفصل الخامس : أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى

مدخل عن أثر التصوف في الجهاد فى العصر المملوكى

 مدخل:

1 ـ الملمح الأساس فى دين السُّنة هو الاعتداء والغزو المسلح وممارسة العنف فى الداخل والخارج تحت شعارات ( الجهاد ) و ( حد الردة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). جاء دين التصوف بتشريع عكسى هو ( جهاد النفس ) وجعلوه الجهاد الأكبر . كما شرع ( عدم الاعتراض ) بديلا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقبل هذا وذاك نزل تشريع الاسلام فى الحرية الدينية المطلقة والحرية السياسية الديمقراطية وجعل السلام أساس التعامل بين الناس فى الداخل، وأساس التعامل مع العدو المعتدى الخارجى ، فالاستعداد الحربى لارهابه وردعه حتى لا يعتدى ، وحين يقوم بالاعتداء يجب القتال الدفاعى حتى ينتهى إعتداؤه ، وحين ينهزم تُفرض عليه غرامة حربية جزاءا أو جزية لما سببه بأعتدائه . وفى كل الأحوال فممنوع أن يبدأ المسلمون حربا وعدوانا وإن فعلوا فهم معتدون والله جل وعلا لا يحب المعتدين .

2 ـ المؤمنون فى عهد النبوة كانوا يشهدون الصراع العالمى وقتها بين امبراطورتى الفرس والروم ، وبعد موت النبى محمد عليه السلام إستخدمت قريش سيطرتها على المسلمين فى دفعهم الى حرب الامبراطوريتين العتيديتين اللتين أصابهما الهرم ، وسقطت امبراطورية فارس واحتلها العرب بل تجتاوزوها شرقا وفى نفس الوقت هزموا امبراطورية الروم البيزنطيين ، ولكن لم بستطيعوا القضاء عليها فظل الصراع بينهم وبين البيزنطيين قائما . وتوغل العرب فى حرب الأوربيين فوصلوا الى جنوب إيطاليا وجنوب فرنسا ، واحتلوا جزر البحر المتوسط بالاضافة الى البحر الأحمر والمعروف من المحيط الهندى وسيطروا على التجارة الشرقية بين الهند والصين شرقا وأوربا غربا . ونتج عن هذا تقسيم العالم تقسيما جديدا ، لم يعد مقسوما بين قوة شرقية فارسية وقوة غربية أوربية بل إنقسم الى معسكرين كل منهما يحمل شعارا دينيا؛ لدى ( المحمديين ) هو ( دار الحرب ودار السلام ) وفى الغرب المسيحى ( معسكر الصليب ضد معسكر الكفر ) .

وبعد أن وصل ( المسلمون ) الى أقصى إمتداد لهم بدأ التراجع لحساب الأوربيين، ووصلت جيوش القسطنطينية الى حلب ، واسترجع الأوربيون جزر البحر المتوسط ، ثم جاء الغزو الصليبى ، وتمكن المماليك من إنهاء الوجود الصليبى ولكن إستمرت الحروب بين المماليك وأوربا الصليبية عبر البحر المتوسط.

3 ـ  لذا كان العصر المملوكي عصر جهاد الصليبين والمغول ،ولكن تمسك الصوفية بنوعية من الجهاد اخترعوها وهي جهاد جهاد النفس في المؤسسات الصوفية حيث يتمتعون بحياتهم ما شاءوا  ويضمنون الرزق الوفير. ولولا قوة الدولة المملوكية العسكرية وصلابتها في مواجهة المغول والتتار واستئصالها للوجود الصليبى في الشام، ولولا احتكار المماليك العسكرية والجندية ونظامهم الحربى الصارم لأدت دعوة جهاد النفس الصوفية إلى احتلال المغول أو الصليبين لمصر.ولكن ذلك الإنفصال بين النظام العسكري والشعب حال دون تأثر العسكر المماليك بعقيدة جهاد النفس وحصر تأثيرها فى الشعب فازداد خنوعاً وصبراً على مظالم المماليك. 

أما الصوفية  فتحت شعار " جهاد النفس والتجرد للعزلة فى الرباطات " عاشوا فى دعة ومتعة ونعيم.

ووفرة مالية وأقتصادية ، بينما ينوء الشعب حولهم بتحمل المظالم والمكاره .

على أن أصداء القتال على التخوم والسواحل كانت تصل أصداؤها لبعض العوام ، ولبعض الصوفية فى مؤسساتهم ، وكانوا أحيانا ـ أى الصوفية ـ يجدون أنفسهم فى خضم الاشتباك ، كما حدث مع المغول ، فماذا فعل الصوفية فى هذا الموقف ؟ وقد أصبح الجهاد مفروضا عليهم ؟هذا ما نناقشه هنا فى موقف الصوفية من الجهاد الدينى، والذى تحول على يديهم إلى جهاد النفس أو الجهاد الأكبر بزعمهم !!

  1ـ العصر المملوكى عصر الجهاد :

ورث المماليك جهاد الصليبيين عن أساتذتهم الأيوبيين وإن زادوا عليهم جهاد المغول ، على أن حركة الجهاد ضد الصليبيين لم تنته باستيلاء الأشرف خليل على عكا أخر معقل صليبى ، بل على العكس أدى ذلك بالصليبيين إلى معاودة نشاطهم العدائى بوسائل أخرى نمر عليها سريعا ..

1ـ فقد تزعمت البابوية الدعوة لتحريم الإتجار مع الدولة المملوكية مهددة بتوقيع قرارات على من يخالف أوامرها من الفرنجة ، بل إنها نفذت ذلك بقوة السلاح حين أعدت بعض السفن لتتصدى لمن يخالف أوامرها من تجار أوربا ، لأن إمتناع الفرنج عن المتاجرة مع الدولة المملوكية سيؤدى حتما إلى حرمانها من المورد الرئيسى لقوتها حيث احتكر المماليك التجارة الشرقية فيمكن القضاء عليها بعد ذلك عسكريا أو استعادة بيت المقدس ، ولم تنحج هذه الدعوة لتعارضها مع مصالح الجمهوريات الإيطالية صاحبة السيادة فى البحر المتوسطـ ، فضلا عن جهود المماليك لتحطيم هذا الحصار بمنح الإمتيازات التجارية .

2ـ لذا عاد الصليبيون إلى إحياء فكرة مهاجمة مصر عسكريا ، واتجهت خطتهم إلى الاستيلاء على الاسكندرية والزحف منها إلى القاهرة بعد فشل خطتهم السابقة فى الهجوم على دمياط , فكانت حملة بطرس الأول ملك قبرص على الإسكندرية ، بيد أنه اضطر للإنسحاب بمجرد إقتراب القوات المملوكية الزاحفة من القاهرة ، وترتب على هذا الفشل القضاء على أية جهود جدية لتجهيز حملة صليبية أخرى .

3ـ وتحولت الخطط الصليبية إلى ممارسة عمليات تخريب واسعة بالموانى المصرية والشامية لشل الحركة التجارية بها ، أى قرصنة تسلب وتنهب ، قام بها الكيتلان مع القبارصة والإستبارية على السواحل المصرية والشامية المملوكية مع التربص للسفن المملوكية .

واشتدت هذه الحملة ، فأزكت روح الجهاد من جديد بمصر والشام ، فغزا المماليك جزيرتى قبرص ورودس التى اتخذها القراصنة أوكارا ، واستولى برسباى على قبرص وأخفق جقمق فى غزو رودس ، وأدى ذلك من ناحية أخرى بالصليبيين إلى معاودة التفكير فى مشروعات الحرب الصليبية العامة ضد الدولة المملوكية ، غير أن هذه المحاولات اتجهت لضم الحبشة للكنيسة الكاثولكية والتحالف معها على القيام بحملة صليبية مزدوجة للإطباق على مصر برا وبحرا ومن الجنوب والشمال فى وقت واحد .

4ـ ثم حدثت عوامل أخرى أذكت مشاعر الجهاد الدينى والصليبى لدى الفريقيين  فقد أصبحت الدولة العثمانية خطرا على أوروبا ، بعد أن ضمت البلقان , ثم اشتدت المشاعر الصليبية بالأسبان بعد القضاء على غرناطة آخر معقل إسلامى ، ومن ناحية أخرى استغاث سلاطين غرناطة بالمماليك داعين للجهاد ، وأدت الروح الصليبية بالبرتغال لكشف طريق الهند والحبشة ، لانتزاع تجارة الشرق من المماليك والتعاون مع الحبشة فى تنفيذ المشروعات الصليبية والعبث بمنابع النيل ، ولم يمنع الفشل المتلاحق فى بحث هذه المشروعات الصليبية من استمرار القرصنة على الموانى والسفن المملوكية حتى نهاية العصر المملوكى ، ولم يكن هناك مناص من أن تؤدى هذه الإعتداءات إلى إزكاء روح الجهاد بين المسلمين فى جميع الجبهات [1].أى أن استئصال الوجود الصليبى فى عكا وطردهم نهائيا من الشام لم يكن نهاية المطاف فى حركة الجهاد على الجبهتين بين الدولة المملوكية ودول أوروبا جنوب البحر المتوسط وشماله ، وشرقه وغربه .

وترتب على ذلك قيام حركة المتطوعة بين الأهالى المصريين .

حركة المتطوعة : 

كانت الإسكندرية هدفا  للصليبين فكان من فيها من طالبى الجهاد فى سبيل الله [2]. وقد وُضع فى هجوم القبرصى عليها كتاب ابرز بطولات أهلها فى مقاومة الفرنجة [3]. وفيما عدا هذه الموقعة كان أهلها ـ مع من المتطوعة من الجهات القريبة والبعيدة ـ على استعداد لمواجهة القراصنة [4]. وسنذكر أهم حركات المتطوعة حسبما جاء بين سطور الحوليات التاريخية المملوكية :

1ـ سنة 819 : حاصر الفرنجة الإسكندرية فسار إليها الشيخ الفقيه ابن النقاش فى اناس من المتطوعة على نية الجهاد ، وابن النقاش كان من خصوم الصوفية [5].

2ـ وفى سنة 826 : شحن برسباى السفن بالمماليك والمتطوعة لملاقاة القراصنة [6].

3ـ وفى سنة 828 : كثرت الأخبار بحركة الفرنج فنودى بالجهاد فانضم جماعة كبيرة من المتطوعة ، وجلس السلطان فى سنة 829 يستعرض المجاهدين واعتذر لكثير من راغبى الجهاد لقلة المراكب , وهم يتسارعون فى ذلك مرة بعد أخرى ، وعظم ازدحام الناس على كتاب المماليك ليكتبوهم فى جملة المجاهدين ، وكان يعرف المجاهد  بما على وجه من سرور [7]، لأنه نجح فى الاختبار .

4ـ وفى سنة 843 تصرف المتطوعة على مسئوليتهم فركبوا البحر من دمياط إلى بيروت فى ثلاثة مراكب ، وقد اجتمع عليهم عدد كبير من المجاهدين فاقتتلوا مع مركب للفرنجة حتى استشهدوا بأجمعهم ووصل خبرهم إلى دمياط ، فأظهروا العزاء والنحيب [8]  وقد حاول المتطوعة الإنتقام فى السنة التالية [9]

5ـ وفى سنة 847 فى غزوة رودس اشترك كثير من المتطوعة بالأسلحة والعدد الكاملة [10]

6ـ وفى سنة 864 فى عهد السلطان اينال قوى الاهتمام بسفر المجاهدين وشارك المتطوعة ورغم المظالم التى قاسوها فى عمارة المركب [11].

7ـ وفى سنة 866 نودى بالقاهرة بالجهاد لإمداد المسلمين بقبرص عند حصار ( الماغوص ) فى قبرص ، وما لبثت النجدة أن سافرت بما فيها من المتطوعة سنة 867 [12]  .

والملاحظ أنه لم يرد ذكر لأى جهد صوفى إيجابى فى حركات المتطوعة للقتال مع حرص المراجع التاريخية فى العصر المملوكى على تسجيل أى نشاط للشيوخ الصوفية ، ويذكر أيضا أن حركة المتطوعة قد خفت نسبيا بانصرام القرن التاسع ، وفى هذه الفترة اكتملت سيطرة التصوف على الحياة المصرية ،ويوضح هذا نظرة المتصوفة للجهاد الدينى ..

وأخيرا فقد قام الفقهاء ـ وخاصة أعداء الصوفية ـ بدور واضح فى الجهاد مثل ابن النقاش السابق والبقاعى الذى ركب البحر فى عدة غزوات ورابط  أكثر من مرة [13]، وهناك دور ابن تيمية فى جهاد التتر يحتاج لمؤلف منفصل ، أما الصوفية فى ذلك كانوا يمارسون جهاد النفس حسب شريعتهم بالخلوة والعزلة .



[1]
أحمد دراج : المماليك والفرنج 7 : 17 .

[2]النويرى ، الإلمام  جـ 1 / 170 .

[3]النويرى . الإلمام بالأعلام فيما جرى بالإسكندرية ـ : مجلد 1 لوحات 93 : 96 ، 107 : 108 ،169 : 170 وقد حدث الهجوم سنة 767 .      

[4]عن سنة 832 : السلوك 4/ 2 / 802 ،، النجوم جـ 14 / 309 ، الغمر جـ 3 / 420 ، عن سنة 915 تاريخ ابن اياس جـ 4 / 163 ، 164 ، 192 .

[5]عقد الجمان حوادث 819 ، الغمر جـ 3 / 94 ، الضؤ الامع جـ 4 / 370 .

[6]النجوم الزاهرة جـ 14 / 268  .

 

[7]ذكر أبو المحاسن التفاصيل فى النجوم الزاهرة جـ 14 / 271 : 287 ، وذكرها المقريزى فى حوادث سنة 829 فى السلوك جـ 4 / 2 / 718 : 744 وجـ 4 / 2 / 683 : 688 و  694  :695 .

[8]نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 843 ص 189 .

[9]نزهة النفوس مخطوط حوادث سنة 842 ص 193 . والنجوم الزاهرة جـ 15 / 341 : 342 . السلوك جـ 4 / 3/ 1170 : 1171 .

[10]إنباء الغمر . مخطوط ورقة 1206 : 1207 . التبر المسبوك 63 ، النجوم الزاهرة جـ 15 / 360 : 363. السلوك جـ 4/3/ 1205 وما بعدها .

[11]النجوم الزاهرة جـ 16 / 149 : 154 .

[12]حوادث الدهور جـ 3/ 422 . النجوم الزاهرة جـ 16 / 275  .

[13]الضوء الامع جـ 1 / 102 . 

اجمالي القراءات 5465

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4096
اجمالي القراءات : 36,306,537
تعليقات له : 4,445
تعليقات عليه : 13,145
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي