ج1 ب2 ف 3 : زعم الصوفية أنهم يخلقون البشرويُميتونهم ويحيونهم ويرزقونهم

آحمد صبحي منصور في الأحد 18 يناير 2015


 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

المزيد مثل هذا المقال :

زعم الصوفية أنهم يخلقون البشر ويُميتونهم ويحيونهم ويرزقونهم    

 بل قد يصل قلب الأعيان إلى خلق البشر فكان (محمد الشربيني يقول للعصا التي كانت معه كوني إنساناً فتكون إنساناً ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما كانت)[1].

   7- وترتيباً على ذلك كان بمقدرة الولي - بزعمهم  - أن يحي ويميت : وإحياء الميت أصعب من إماتة الحي . لذا كان اهتمام الصوفية بإحياء الموتى من البشر والحيوانات . يقول الشطنوفي أن منصور البطائحي أحيا رجلاً افترسه الأسد[2]. ومثله مفرج الدماميني الشاذلي الذي أحيا (قتيلاً لأسد ، وأنِّب الأسد ، وسلخه)[3]، وأحيا على وفا غريقاً كانت أمه تنتحب عند شاطئ الإسكندرية[4]. وقال الشعراني أن المتبولي نادى والد أحد المريدين فخرج الرجل من القبر ينفض التراب عن رأسه حين ناداه الشيخ[5].. وحدث أن مات جمل يركبه مريد ل (علي وفا) ، فأحيا (على وفا ) الجمل إلى أن حج عليه المريد ورجع عليه إلى مصر . يقول المريد وهو راوٍ لتلك الحكاية ( فمن وصوله – أي الجمل – إلى باب النصر وقع ميتاً فعلمت أن محيي الموتى أبقاه للخدمة )[6]. فجعل المريد من شيخه على وفا ( محيي الموتى) ..

 وفي رحلة البدوي للعراق تعرض له الأكراد في الطريق فقال لهم أخوه الحسن ( يا قوم ألزموا الأدب، فنحن من أهل الحسب وأعلى النسب، من قبل أن يقع عليكم الغضب  ويحل بكم العطب وتسكنوا التراب . ثم أومأ إليهم بيده وقال لهم : موتوا بإذن الله تعالى . فوقعوا على أديم الأرض كالقتلى ، قال ثم ألتفت إلىّ وقال يا أحمد هذا فعل الرجال بالرجال . قال فقلت يا أخي الفتوة الفتوة . فقال لي يا أحمد أنت أبو الفتيان ، ثم قال لهم قوموا بإذن من يحيي الموتى ويميت الأحياء قال : فقام الجميع، وقبلوا أقدامنا )[7].

   وفي أسطورة البدوي مع فاطمة بنت برّي عمل لها البدوي راعياً للجِمال، ولما رأته الإبل جاءت اليه ، يقول البدوى فى هذه الأسطورة : (جاءت إلىّ وكرفت رائحتي وقبلت أقدامي وحنت حنيناً وسكبت دموعاً غزاراً فأشرت إليها سيري إلى المرعى فسارت)( فكانت الجمال تنتشر ترعى في الليل وتأتي  بالنهار، وكان عدتها سبعة آلاف جمل.. وفي اليوم السابع قلت في خاطري : اقضي أربي من فاطمة بنت برّي، فالتفت إليّ الجمال وقلت لها موتي بإذن من يحيي الموتى ويميت الأحياء، فمات الجميع )[8]. ولا شك أنها قسوة من البدوي أن يميت سبعة آلاف جمل من معتقديه وأحبابه لكي يقضي أربه من فاطمة بنت برّي .. !!.

والله جل وعلا يرد مقدما على مزاعم الصوفية فى ( الخلق ) يقول جل وعلا : ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) الرعد ). هنا إستخدام للحُجّة العقلية : فالله جل وعلا وحده هو خالق السماوات والأرض . ولا يستطيع بشر أن يزعم أنه خالق السماوات والأرض . والله جل وعلا وحده هو خالق البشر ، ولا يستطيع أحد من البشر أن يزعم أنه الذى خلق البشر . وهذه الأولياء الصوفية وغيرهم من الأولياء المعبودة فى الأديان الأرضية هى مخلوقات لا تملك لنفسها ــ فضلا عن غيرها ــ نفعا ولا ضرا . والسؤال العقلى هنا : هل خلقت هذه الأولياء بشرا مثل البشر الذين خلقهم الله جل وعلا بحيث تشابه نوعا الخلق علينا ؟ أم أن الله جل وعلا وحده هو خالق كل شىء وهو الواحد القهار . أسئلة لا يملك العاقل إلا أن يجيب عليها بأن يقول : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  ).!!

8- والرزق بيد الله تعالى وحده ، وقد تكفل به لجميع الأحياء(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) هود6). حتى لو كانت الدابة لا تستطيع السعي لرزقها فإن الله يرسله لها في مكانها أو ييسر لها الأسباب :( وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) العنكبوت 60 ).

وكان الجاهليون يؤمنون بأن الرزق من عند الله وحده ، واتخذ القرآن الكريم من تسليمهم  بهذا حجة عليهم في رفض الآلهة التي يعبدونها ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ؟ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ؟ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ ؟وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ : أَفَلاَ تَتَّقُونَ.) يونس 31 ). إلا أن الصوفية ـــ فى تطرفهم فى الكفر ـــ جعلوا من أنفسهم شركاء لله في تدبير الرزق وتوزيعه على البشر ، فكان الشاذلي يقول (أن الولي إذا أراد أغنى) أى جعل فلانا غنيا بنفسه وبماله. بل ويقسم الشاذلى بالله جل وعلا  كذبا فيقول : ( والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه نظرة وقد أغنيته)[9]. ولفظ (الغنى) هنا عام يشمل الجانبين المادي والمعنوي. وهما جميعاً في يد الولي حسب اعتقادهم..

  وفي بداية العصر المملوكي كانوا يعتقدون أن للولي الصوفي دخلاً في تقسيم الرزق فأشيع أن بعض الصيادين في البرلس أساء الأدب على الصوفي إبراهيم البرلسي 719 فقال له الشيخ (لا تظلم تنكسر في معاملتك فقال : عندي من السمك ما يوفي عني  والبحيرة مليئة بالسمك، فأصبح ليصطاد فلم يجد في البركة شيئاً فخضع للشيخ وذُل فعاد السمك)[10]. وهذه الرواية ذكرها الفقيه السنى ابن حجر العسقلانى ، ولم يكن صوفيا ، وإن خضع لمقتضيات عصره المتأثر بالتصوف . وأسندوا لبعضهم تقسيم الرزق بين الحيوانات والطيور في زمن القحط مثل أبي يعزى المغربي[11].. 

 وفي نهاية العصر المملوكي واشتداد تيار التصوف كان شرط المريد ( أن يرى جميع ما هو فيه من الخير ببركة شيخه، لأن كل مريد محبوس في دائرة شيخه لا يمكن أن يتجاوزها ، فلا يُمدّ بمدد إلا وشيخه واسطة له فيه)[12]. ( وإذا علم الشيخ من مريده أنه صار يرى جميع ما بيده إنما وصل إليه ببركة أستاذه وأنه هو وعياله إنما يأكلون من مال ذلك الأستاذ فلا حرج حينئذٍ في الأكل من طعام ذلك المريد)[13]. وكلمة ( المدد ) التى تشكل معلما هاما فى الثقافة الصوفية حتى الآن جاءت من إيمانهم بقدرة الولى الصوفى على أن ( يُمٍدّ ) المريد بالرزق والعطايا .

   وفي عصر الشعراني هذا – كان الناس جميعاً بين شيخ صوفي أو مريدين له، فالحديث عن المريدين يشمل كل المصريين المعتقدين في أشياخهم، بل يشمل الأمراء المملوكيين، وقد جعل الشعراني من أدب الأمير المملوكي مع شيخه ( أن يرى أن جميع النعم التي ترد عليه من بركة شيخه ولا يرى نفسه قد استغنى عن نعمه)[14]. والشعراني مع تظاهره بالتواضع وإخفاء ولايته إلا أنه لم يحرم نفسه من دعوى تصريفه في الرزق ، يقول عن بعض خصومه ( ربيت أنا جماعة فكانوا في أرغد عيشة، فتحركت نفوسهم لمحبة الدنيا فنقص رزقهم عما كان وكفروا بواسطتي لهم في الرزق ، فقلت لهم :إن الله تعالى كما جعل مفاتيح رزقكم بيدي كذلك ربما يجعل المنع بيدي عقوبة لكم..)[15].

 وإذا كان هذا شأن الشعراني الفقيه المتعلم والصوفي المعتدل فكيف بالآخرين ؟ لا نقول لهم إلا مقالة إبراهيم عليه السلام لقومه ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) العنكبوت17)



[1]
- الطبقات الكبرى للشعراني جـ2/ 123 .

[2] - بهجة الأسرار جـ2/ 19 : 20  مخطوط.

[3] - الإلمام للنويري مجلد 2 لوحة 74 مخطوط مصور.

[4] - مناقب الوفائية مخطوط 15 : 16 .

[5] - الطبقات الكبرى جـ2/ 78 .

[6] - مناقب الوفائية 77 : 78 .

[7] - الجواهر السنية لعبد الصمد الأحمدي: 47 .

[8] - الجواهر السنية لعبد الصمد الأحمدي 51 .

[9] - لطائف المنن لابن عطاء 96 .

[10] - الدرر الكامنة جـ1/ 21 .

[11] - بهجة الأسرار جـ2/ 28 مخطوط.

[12] - لطائف المنن 187 : 188 ط 1288  الطبعة القديمة.

[13] - لطائف المنن 251 : 252 .

[14] - إرشاد المغفلين 265 مخطوط.

[15] - لواقح الأنوار 126 .

اجمالي القراءات 4680

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4346
اجمالي القراءات : 40,472,483
تعليقات له : 4,628
تعليقات عليه : 13,484
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي