ßÊÇÈ الأمـر بالـمـعــروف والـنـهـي عــن الـمـنـكــر فى الاسلام
6

في الأربعاء ٠٦ - يوليو - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً

 

الباب الأول  : تأصيل مصطلحات الأمر والنهى ، والمعروف ، والمنكر قرآنيا :

الفصل الأول  تأصيل مفهوم الأمر قرآنيا :

يأتى معنى (الأمر) فى القرآن فى ثلاثة موضوعات رئيسة : بمعنى الشأن ، وبمعنى الخلق والحتميات وبمعنى الأمر التشريعى.

الأمر الحتمى :

مرتبط بالخلق والحتميات التى يخضع لها البشر ، وليسوا مساءلين عنها يوم القيامة . وفى هذا يقول رب العزّة :(بَدِيعُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (البقرة 117 )( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ( يس 82 ).

الأمر بمعنى الشأن الخاص بالموضع المراد فى السياق:

فعن موقف المسلمين فى غزوة(أحد)  يقول جل وعلا :(وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ)(آل عمران 152)، ومنه (أولى الأمر) ،أى أصحاب الشأن المتخصصين فى الموضوع المراد. وقد جاء مرتين فى القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء 59)(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )(النساء 83 ) .

ومنه أيضا فرض الشورى فى كل (أمور المسلمين)،أو كل شئون المسلمين:(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )(الشورى 38)(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ )( آل عمران 159 )

ونتوقف بالتفصيل مع الأمر التشريعى :

الأمر التشريعى

1 ـ وهو يشمل الامر والنهى معا ، ويأتى هذا بلا لفظ الأمر والنهى مثل (إتبعوا ولا تتبعوا):فى قوله جل وعلا ( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ )( الأعراف 3 ).

2 ـ  وقد يأتى الأمر والنهى معا بلفظهما كقوله جل وعلا : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ) ( النحل 90 ).

3 ـ وقد يأتى الأمر التشريعى للنبى بلا إستعمال للفظ الأمر كقوله جل وعلا :( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ )( محمد 19).

4 ـ وقد يأتى الأمر التشريعى للمؤمنين بلا إستعمال للفظ الأمر كقوله جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) ( الأحزاب 40 : 43 ) .

5 ـ وقد تأتى أوامر مباشرة للناس باستعمال لفظ الأمر كقوله جل وعلا :(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )( النساء 58)( ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ )( الطلاق 5 )

6 ـ وقد تأتى أوامر مباشرة للرسل باستعمال لفظ الأمر ويعلنها الرسول مثل (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(النمل 91 )(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ)(الزمر 11 ـ )(قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ )(الانعام 14)(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ َ)(الانعام  162 : 163 ) . أو يذكّره بها ربه : (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)(الشورى 15)

5 ـ ويأتى الأمر والنهى للرسول وقومه معا:( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا) (هود112 )  ويأتى الأمر للرسول وقومه معا (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)(طه 132) ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا )( الاعراف 145)

6 ـ الرسل والصالحون كانوا يأمرون أقوامهم وأهاليهم بالهدى والخير والصلاة، قال رب العزة عن اسماعيل :( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ )( مريم 55 ) ، وقال جلّ وعلا عن اسحاق ويعقوب وذريتهم :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا )(الانبياء:73) . والنبى صالح قال لقومه ثمود:(وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ)(الشعراء 151)،وقال جل وعلا عن الصالحين من بنى إسرائيل :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)( السجدة 24 ).

7 ـ وتنفيذ شرع الله جل وعلا وأوامر الله جل وعلا وإجتناب نواهيه متروك للبشر إختبارا لهم فى هذه الحياة الدنيا. وعلى أساس حريتهم فى الطاعة أو المعصية فى هذه الدنيا سيلقون يوم الحساب جزاءهم ، إمّا خلودا فى الجنة أو خلودا فى الجحيم .

ومن هنا نتدبر موضوع أمر الأطفال بالصلاة ، فقد كان اسماعيل يأمر أهله بالصلاة والزكاة ( مريم 55 )، وكان محمد مأمورا بذلك أيضا ( طه 132 )، وهو أمر قولى بالنصح والارشاد والتفهيم والشرح باسلوب يحبّب الطفل فى العبادة ، ويجعله يعتاد عليها ويعيش ملتزما بها شأن أى مؤمن يتقى الله جل وعلا ويلتزم بالطاعة ويصلّى خاشعا لله جل وعلا.العبادات بالذات لا مجال فيها للإكراه ، لأنها مبنية على إخلاص القلب لله جل وعلا ومسئولية كل إنسان على عمله إن صالحا وإن فاسدا . ولا يقبل الله جل وعلا الرياء فى الصلاة أو فى العبادة ، كما يعفو عمّن يتعرّض الى الاكراه ليرغموه على الكفر أو العصيان . هذا يخالف الدين السّنى القائم على الاكراه فى الدين وقتل تارك الصلاة ، وضرب الأطفال الصغار حتى يصلّوا .

 8 ـ ومن خلال الأوامر والنواهى يأتى مصطلح الأمر بالمعرو"> 2 ـ يقول جل وعلا محذرا من البداية من إتباع خطوات الشيطان فى تحريم الطعام الحلال خارج المحرمات المنصوص عليها :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )( البقرة 168 ـ )، كما يقول أيضا محذّرا من خطوات الشيطان الذى يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ )(النور 21 ) .

3 ـ  إن العرف أو المعروف هو الخير الفطرى داخل كل إنسان ، فكل إنسان داخله ضمير يعرف به الخير والشّر ، ومهما حاول ان يبرر لنفسه العصيان والظلم ويقدم لها المعاذير والحجج بالباطل فهو فى داخله ميزان يبصر به الحق والعدل ـ لو أراد . يقول جل وعلا:(بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)(القيامة 14: 15).  ومعرفة العدل غاية فى البساطة، فما يرضاه الانسان لنفسه يرضاه لغيره ، وما يرفض حدوثه لنفسه يرفض حدوثه لغيره ، فكما لا يرضى أن يصفعه أحد على وجهه ظلما وعدوانا فيجب أن يرفض هو أن يصفع أحدا على وجهه ظلما وعدوانا . هذا هو ما ينبغى أن يكون ، وهذا هو المعروف أو العرف ، وفوقه الاحسان أو العفو عن المسىء ـ فالعدل هو جزاء السيئة بمثلها ولكن العفو والاحسان هو العفو عن المسىء ، وفى الاسلام الجانبان معا ، يقول جل وعلا :( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) ولتناقض العرف والعفو والاعراض عن الجاهلين مع شرع الشيطان وخطوات الشيطان فإنّ الله جلّ وعلا يقول فى الآية التالية :(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ، أى الاستعاذة بالله جل وعلا من نزغ الشيطان والاستعانة على الشيطان ومكائده بربّ العزة ، وهذا هو حال المتقين ، الذين إذا حاول الشيطان التسلل الى قلوبهم تذكروا رب العزة واستعاذوا به من الشيطان فانتبهوا وأبصروا ونجوا من الوقوع فى العصيان ، يقول جل وعلا فى الآية التالية:(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) أما أخوان الشياطين فقد تحكم فيهم الشيطان وذريته فزيّن لهم الحق باطلا والباطل حقا وجعلهم يتطرّفون فى الغىّ بتشريع الغىّ وجعله ليس فقط حلالا بل فريضة مثل جهاد الارهابيين فى عصرنا ، يقول جل وعلا عن إخوان الشياطين: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ )(الاعراف 199: 202 ).  

الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف فى الدين الشيطانى الأرضى

1ـ البداية فى رفض ابليس السجود لآدم فلعنه الله جل وعلا وطرده من الملأ الأعلى : ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ )(الأعراف 12 : 13 ). إستكبر ّابليس وأعلن إنه سيضلّ ذرية آدم بكل طريق :( لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) أى سيحرّف لهم دين الله جل وعلا بأن يوحى لأتباعه دينا أرضيا:( ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)(الأعراف  16: 17) ، وسيقرن لهم الضلال بتمنى الشفاعات ليشجعهم على العصيان وإتّباع أوامرالشيطان(وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ )( النساء 118 : 119 ).

2 ـ لذا حذّرنا رب العزة  من مكائد الشيطان حتى لا ننخدع به كما حدث لآدم وحواء فهبطا الى الأرض:(يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ). ولكن خدع الشيطان بوحيه المزيف أغلبية البشر فأصبحوا أولياءه، فإذا فعلوا فاحشة عللوها بالاقتداء بالسلف أو ما وجدوا عليه آباءهم، أو ينسبونها الى شرع الله ، كما يفعل الارهابيون فى جهادهم المزعوم حين يزعمون أن الله جل وعلا هو الذى أمرهم بهذا ، أو كما كان يفعل صوفية العصرين العباسى والمملوكى حين كانوا يقترفون الزنا والشذوذ ويجعلون الفاحشة دينا ، ولهذا يردّ عليهم مقدما رب العزة فى الآية التالية : (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ). ويوم القيامة ينقسم أبناء آدم الى فريقين :( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ )(الاعراف 27 : 30 )

أوامر الشيطان بالمنكر

1 ـ إذن هناك أوامر الشيطان ينفّذها أولياؤه ، وقد حذّر رب العزة مقدما من طاعة أوامر الشيطان فقال لنا : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )( البقرة 268 ) . ولكن يعصى أولياء الشيطان أوامر رب العزة ويتبعون إبليس ، ويجعلون أوامره شرعا يأمرون به الناس ، ينطبق هذا على البخلاء الذين يأمرون الناس بالبخل طاعة منهم للشيطان وولاء له،يقول جل وعلا:(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قَرِينًا)(النساء 37 : 38 ) .ويحدث هذا فى كل زمان ومكان .

2 ـ وبتأثير منافقى الصحابة شاعت النجوى والتناجى مع إن النجوى بالمعصية من الشيطان،   قال جل وعلا : ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ) ( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ )(المجادلة 8 ،10). وإستثنى رب العزة منها التناجى بالأمر بالمعروف وتقديم الصدقة والسعى فى الاصلاح ابتغاء مرضاة الله جل وعلا:( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )(النساء 114 ).

3 ـ ومع أن التحاكم يجب ان يكون لكتاب الله فإن من الصحابة من كان يحتكم الى الطاغوت طاعة للشيطان فقال عنهم رب العزة :(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا)(النساء 60 ).  

4 ـ ولذلك تخصص منافقو المدينة فى الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف طاعة للشيطان  : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) وعلى النقيض كان مؤمنو الصحابة:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )(التوبة 67 ، 71 ).

5 ـ ونفس الحال مع أهل الكتاب . كان منهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ )( آل عمران113 ـ )وبعضهم تطرّف فى الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف الى درجة قتل الأنبياء وقتل دعاة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فتوعّدهم رب العزة هم ومن على شاكلتهم بالعذاب الأليم :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)( أل عمران 21 ).

6 ـ  جاءتهم الكتب السماوية بالبيّنات فاختلفوا وتفرقوا وتناسوا أوامر رب العزة واتبعوا أوامر الشيطان :( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )( البينة 4: 5). وحدث هذا مبكرا فى عهد موسى بعد أن أخذ الله جل وعلا عليهم العهد والميثاق ورفع فوقهم جبل الطور فما لبث أن عبدوا عجل أبيس الفرعونى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ )(البقرة 39 )، ثم تطرف بعضهم فقدسوا المسيح والأحبار والرهبان والأئمة :( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة 31). وبعد الفتح العربى دخلوا فى الاسلام وهم محمّلون بتراثهم غير المقدس فى تقديس البشر والحجر وفى طاعة الوحى الشيطانى فما لبث أن أعادوا نفس التقديس ونفس التزييف تحت غسم الاسلام وبمجرد تغيير الأسماء والأشكال مع الاختفاظ بالمضمون.

7 ـ وقبلهم أطاع قوم فرعون أوامره فسيكون رائدهم فى الدخول الى النار يوم القيامة :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ )(هود 96ـ ).  وفى لهيب الجحيم وعذاب سقر سيلوم الأتباع المستضعفون كبراءهم الذين كانوا يأمرونهم فى الدنيا بالكفر :( وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ) (سبأ 33 ) .

8 ـ وشتّان بين الفريقين ، يقول جل وعلا عن الفائزين يوم القيامة :( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)،ويقول عن الخاسرين:( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )( الرعد 21 : 25 ). وصدق الله العظيم .!!

أخيرا :

1 ـ الاسلام أوامر ونواهى جاء موجزها فى الوصايا العشر . والبشر أحرار فى الالتزام بها أو فى عصيانها ، وسيحاسبون على حريتهم فى الطاعة أو المعصية. وليس الاسلام مسئولا عما يفعله البشر إن أطاعوا أو إن عصوا، هم إن أطاعوا فلأنفسهم وإن عصوا فعلى أنفسهم .ولكن التخلّف المزمن لدى بعض الناس يجعل الاسلام هو المسلمين ويحمّل الاسلام أوزار المسلمين لأن متخلفين آخرين يرون أنفسهم بتطرفهم وبارهابهم وبأديانهم الأرضية يمثّلون الاسلام .  

2 ـ والتخلّف أنواع ..وكذلك الجنون ..

ولو قمت بزيارة مستشفى المجانين ـ عزيزى القارىء ـ ستجد أقساما متنوعة للجنون ، ولكن ينسون إفتتاح أقسام لأفظع أنواع الجنون : جنون الدين ..الأرضى ..!!

تأصيل مفهوم الأمر بين التحكم والالتزام الطوعى

   أوّلا :الأمر بالمعروف أمر تشريعى لا إكراه فيه ولا تسلط

1 ـ سبق القول بأن الأمر التشريعى يأتى من الله جل وعلا لإختبار للناس ، فلهم الحرية فى الطاعة أو المعصية ، وعليهم تحمل النتيجة يوم القيامة ، فمن مات فى طاعة دخل الجنّة ، ومن مات وقد أحاطت به سيئته فقد حجز لنفسه مقعدا فى الجحيم .والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جزء من الأوامرالالهية التشريعية،جاء معناه فى أمر مباشر من الله جل وعلا للناس:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ )(النحل 90) ، وجاء بلفظه أمرا مباشرا للناس أن يقوموا به (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران 104). وبالتالى فلا مجال للتحكم والتسلّط فى تشريع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وليس لأحد من البشر أن يتخذ منه وسيلة للتسيّد وللعلو على الناس يأمرهم وينهاهم، دون أن يتعرض مثلهم لمن يأمره وينهاه .

2 ـ هنا يتضح التناقض بين شريعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى تشريع الاسلام وتشريع الشيطان ، هى فى شريعة الاسلام تواصى بالحق وتفاعل بالخير وتناصح بين الأفراد جميعا بحيث لا يعلو أحد على أحد ، وبحيث لا يتعدّى الأمر الى إكراه فى الدين وتدخل فى الحرية الشخصية وتحريم للمباح . أما فى شريعة الشيطان فهى تسلط أقلية أو نظام حكم مستبد بالأمر يأمر الناس وينهاهم ويتدخل فى حريتهم الدينية والشخصية فى نفس الوقت الذى يكمم فيه الأفواه فلا يستطيع أحد نقده ،بل لا يستطيع أن يجأر أو يجهر بالشكوى . ثم تصل الأمور الى الحضيض حين يتم ربط هذا الظلم والاستبداد بالله جل وعلا ورسوله عن طريق تحريف تشريع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ووضع أحاديث ضالة ، وإستبعاد تشريع القرآن بزعم النسخ .

ثانيا :تحريف الأمر والنهى ليصبح تحكما وتسلطا 

1 ـ بدأ (الأمر ) بسيطا بتحريف معنى (الأمر ). فبدلا من أن يكون أمرا تشريعيا كما جاء فى القرآن الكريم أصبح (أمرا سلطويا ) يصدر من (أمير ) يستبد ب( الأمر ). وتحريف معنى ( من ) فى قوله جل وعلا :(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ)، فقد جعلوا (من) تفيد ( التبعيض ) أى لتكن من بعضكم أمة تحترف وتحتكر الأمر وتأمر غيرها ولا يأمرها غيرها . وتناسوا أنّ (من ) هنا هى (البيانية) ، وتعنى هنا ولتكونوا كلكم (أمة تدعو الى الخير فيما بينها ) ويعزز ذلك أن السياق الموضعى المحلى فى الخطاب قبلها وبعدها جاء لجميع الأمة وليس لطائفة منها ؛فقد بدأ السياق فى الآيات واستمر بمخاطبة  المؤمنين جميعا كأمّة واحدة ، فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، الى أن يقول جل وعلا عن نفس الأمة جميعها :(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )( آل عمران : ـ 101). كما إن السياق فى القرآن كله فى نفس الموضوع يؤكد على التواصى بالحق والتواصى بالصبر،وعلى المساواة فى الحقوق والواجبات.

2 ـ ويتسق هذا مع تشريع الشورى الذى يجعل إقامة الشورى بين المسلمين جميعا بلا تميز لفرد أو طائفة ، يقول جلّ وعلا يصف مجتمع المؤمنين أو (أمة المؤمنين ) : (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(الشورى 38 )،هنا جاءت لهم أوصاف أربعة مطالب بها كل فرد، وهى الاستجابة لربهم وإقامة الصلاة والانفاق فى سبيل الله جلّ وعلا ، وتداول أمورهم بالشورى فيما بينهم ، لا فارق بين ذكر أوأنثى وغنى أوفقير بحيث لا (يعلو) أحد على أحد .

3 ـ ونفس الحال فى (إقامة القسط ) وهو عصب الدين الالهى ، وقد جعل الله جلّ وعلا من إقامة القسط مسئولية جماعية لأفراد الأمة جميعا ذكورا وإناثا وفقراء وأغنياء:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(الحديد 25 )، فالكلام هنا عن الناس أى المجتمع كله ، يجب أن يتعاون كل الناس فيه فى إقامة القسط والعدل فيما بينهم فى نظام حكم يؤسس للديمقراطية المباشرة والعدل المطلق بين الأفراد ، بحيث لا ( يعلو ) فرد أو طائفة على بقية  الناس.

4 ـ ولذلك لم يأت مصطلح ( الحكم ) فى القرآن فى تعامل البشر فيما بينهم إلا بمعنى التحاكم القضائى وليس الحكم السياسى ،ولم  يتوجه الخطاب لحاكم فى دولة الاسلام بل للمؤمنين ، كقوله جلّ وعلا:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ً)(النساء 58 )، بل ورد لفظ ( الحكام ) مرة واحدة فى إشارة للنظام المستبد الفاسد القائم على الرشوة فى قوله جل وعلا:(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة 188). ليس فى الدولة الاسلامية حاكم ، ولكن فيها أمة تحكم نفسها بنفسها حتى فى وجود نبى كان قائدا لها،وعندما مات عليه السلام تركهم بنفس الطريقة ليحكموا أنفسهم بأنفسهم ولم يعيّن لهم حاكما ، فبدأ التحريف بعد وفاة النبى محمد عليه السلام بنبذ الشورى الاسلامية (الديمقراطية المباشرة).

5 ـ وهنا نتوقف مع أولى مظاهر التحريف بتعيين أبى بكر حاكما يحمل لقب ( خليفة )، أى خليفة النبى بعد موت النبى ، متناسين أنه عليه السلام كان خاتم النبيين وبالتالى لا خليفة له. ثم تطوّر الأمر فى العصر العباسى ليصبح الخليفة ( خليفة لله ) جلّ وعلا يحكم باسمه طبق ثقافة الدولة الدينية التى تتناقض مع الدولة الاسلامية وديمقراطيتها المباشرة . لقد أعلن أبو جعفر المنصور أنه يحكم باسم الله وأنه أمين الله على مال الله وأنه خليفة الله فى أرضه ، قال فى خطبته يوم عرفة: ( أيها الناس ،إنّما أنا سلطان الله فى أرضه ، أسوسكم بتوفيقه ورشده ، وخازنه على فيئه ، أقسمه بارادته وأعطيه بإذنه ، وقد جعلنى عليه قفلا ؛ أذا شاء أن يفتحنى فتحنى لاعطائكم ، وإذا شاء أن يقفلنى عليه أقفلنى ، فارغبوا الى الله أيها الناس ، وسلوه فى هذا اليوم الشريف الذى وهب لكم فيه من فضله ..أن يوفقنى للصواب ، ويهدينى الى الرشاد ، ويلهمنى الرأفة بكم والاحسان اليكم ويفتحنى لاعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل إنه سميع مجيب) أى جعل الله جل وعلا واسطة بينه وبين الناس ، ولم يكتف بالعلو على الناس بل أعلا من نفسه فوق رب الناس جلّ وعلا.

إن الله جل وعلا لم يعيّن أبا جعفر المنصور خليفة ، ولم  ينزل وحيا يقول( يا أبا جعفر، إنا جعلناك سلطان الله فى أرضه وخليفته على خلقه ). أبوجعفر المنصور كاذب فى هذا الزعم ، ولقد وصل الى السلطة بالسيف والغلبة شأن من سبقه ومن خلفه . والخلافة تعنى أن تخلف ميتا أو غائبا ، ولهذا لا يقال ( خليفة الله ) لأن الله جل وعلا لا يغيب وهو معنا أينما كنا (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )( الحديد 4 )(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)( المجادلة 7 )، وهو الحىّ الذى لا يموت (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ) ( الفرقان58 ).

هذا الخليفة مؤسس الدولة الدينية الأول فى تاريخ المسلمين أمر بقتل رجل بسبب كلمة قالها ، ففى أحداث عام 141 إنه زار بيت المقدس بعد أداء فريضة الحج ، ثم زار مدينة الرقة ، وقتل بها منصور بن جعونة ، لأن المنصور خطب فقال : إحمدوا الله يا أهل الشام ، فقد رفع الله عنكم  بولايتنا الطاعون .! فقال منصور : الله أكرم من أن يجمعك علينا والطاعون . !

6 ـ ثم تعاظمت سلطة ( الخليفة ) بعد أبى بكر فأصبح (عمر) (أمير المؤمنين )،الذى(يأمر ) المؤمنين وينهاهم و(يعلو) عليهم ،إذ يمشى وبيده ( الدرة ) يستطيل بها على الناس ضربا. ثم تطور الأمر ليصبح حق (أمير المؤمنين) الأموى ثم العباسى والفاطمى والعثمانى فى قتل من يشاء، والسيّاف ( مسرور) يطيح بالرءوس ،و(امير المؤمنين ) فى غاية ( السّرور).

فى عام 75 هجرية وبعد قتل عبد الله بن الزبير وتوطيد الملك لعبد الملك بن مروان أدى عبد الملك الحج وزار المدينة وهى مقرّ المعارضة فخطب فيهم فقال :( أمّا بعد ، فلست بالخليفة المستضعف ( يعنى عثمان ) ولست بالخليفة المداهن ( يعنى معاوية ) ولست بالخليفة المأفون ( يعنى يزيد بن معاوية ) .زالى أن قال : ألا وإنى لا أداوى أدواء هذه الأمة إلاّ بالسيف حتى تلين لى قناتكم ..فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم . ..والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه ). فى ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) كان بعضهم وقتها يعظ الخليفة يقول له ( أتّق الله ) ، ليشعر الخليفة بالحرج حتى لا ينطبق عليه  قوله جل وعلا:( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )(البقرة 206)، فجاء عبد الملك الى المدينة التى شهدت نزول هذه الآية لينذر بقتل من يجرؤ على مواجهته بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قائلا له : إتّق الله. بعدها أطلق عبد الملك يد الحجّاج بن يوسف فى قتل الناس كيف شاء ، وتولى الوليد بن عبد الملك فاتّسع نطاق القتل ليشمل من يتلفّظ بكلمة تأمر الخليفة أو الوالى بالمعروف . ولقد خطب الوليد بن عبد الملك فأطال فى خطبته فاعترض عليه رجل فقال له الخليفة : إن من قال مقالتك لا ينبغى أن يقوم من مقامه . وفهم الحرس مقصد الوليد فبادروا فقتلوا الرجل . ولما تولى الوليد بن عبد الملك قدم المدينة فدخل المسجد فرأى شيخا قد اجتمع الناسعليه فقال : من هذا؟ فقالوا : سعيد بن المسيب . فلما جلس أرسل إلى سعيد أن يأتى اليه ، فجاء رسول الخليفة الى سعيد فقال : أجبأمير المؤمنين.  فقال له سعيد : لعلك أخطأت باسمي أو لعله أرسلك إلى غيري؟ فرجع الرسول الى الخليفة الوليد فأخبره فغضب الوليد وهم أن يأمر بقتل سعيد بن المسيب .يقول الراوى ـ كما جاء فى ( الطبقات الكبرى) لابن سعد : (  وفي الناس يومئذ بقية ) أى كان وقتها بقية من الفضلاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بلين وترفق ، يقول الراوى : ( فأقبل عليه جلساؤه فقالوا يا أميرالمؤمنين، فقيه أهل المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه.!! قال فمازالوا به حتى أضرب عنه). أى ترجوا الخليفة حتى أمسك عن قتل سعيد بن المسيب أشهر وأعظم علماء المدينة فى القرن الأول الهجرى . وكل الذنب الذى فعله سعيد هو أنه رفض أن يسعى لمقابلة الخليفة الوليد ، ولقد كان سعيد بن المسيب صديقا من قبل لأب هذا الخليفة ورفيقا له فى طلب العلم ، فلما تولى عبد الملك الخلافة أمر بضرب رفيقه القديم ليخيف الآخرين من أهل المدينة ، ثم جاء إبنه الوليد يهمّ بقتل سعيد لأن سعيد قد ترفّع عن السعى للتملق للخليفة شأن الآخرين ،مع أن سعيد كان مشهورا بالعزلة واعتزال السياسة ولكن كان المفروض هو تذلل سعيد لأولئك الذين يريدون علوا فى الأرض وفسادا .

هم جميعا نسوا اليوم الآخر فى سبيل (العلو) فى الأرض،واستهانوا بقوله جل وعلا:(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(القصص 83)

ثالثا : تحريف ( المعروف ) بعد تحريف الأمر

7 ـ وطالما إحتكر ( الأمر ) ( أمير ) فلا بد أن يزوّر مسوّغا تشريعيا يستبيح به لنفسه أن يستبد بأمور الناس وأن يأكل أموالهم . وتوالت التحريفات والتأويلات ، ووضع الأحاديث وتأليف الأقاصيص ، ومنها فيما يخصّ موضوعنا تحريف وتأويل معنى المعروف والمنكر ، فلم يعد ( المعروف) هو المتعارف على أنه خير وعدل ، ولم يعد (المنكر) هو الذى يستنكره الناس من الظلم والفواحش . أصبح تحديد المعروف والمنكر فى خدمة إستبداد الحاكم والطامح للوصول الى السلطة، فغاب العدل فى التطبيق ليصبح شعارا لخداع الناس وارتبط ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) بحق المستبد فى فرض سلطته باسم الاسلام كما يحدث لدى الوهابيين عندما يستحوذون على السلطة أو يقتربون منها .

وتناسى الجميع مفهوم المعروف القيمى الأخلاقى والتشريعى ، بل تناسوا آيات القرآن فى موضوع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنها لا تلبى عطشهم للتسلّط والتحكم، وفضّلوا عليها الحديث الذى إخترعوه مسوغا حركيا للتسلط والاكراه فى الدين،وهو ( من رأى منكم من"RTL"> 1 ـ بالاستبداد يتحول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الى تسلط جهاز الحكم على الناس يخضعهم ويقهرهم ويتدخل فى حرياتهم الشخصية والدينية . والأصل أن الأمر بالمعروف لا يمكن تطبيقه إسلاميا وقرآنيا إلا فى ظل دولة إسلامية حقيقية ، أى دولة مؤسسة على الشورى أو الديمقراطية المباشرة والمساواة بين الناس ، وتفاعل الناس جميعا فى إقامة القسط وفى حضور مجالس الشورى ، وبالتالى يدخل فى تفاعلهم التواصى بالحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحلّ الخلافات سلميا بالتفاهم وبالعدل .

وطالما تتساوى الرءوس ولا يعلو أحد على أحد وطالما يقام العدل والقسط وتتاح الحرية الدينية المطلقة فى الدين وتتاح الحرية المطلقة فى المعارضة السياسية السلمية وحرية الرأى والفكر فلا مجال حينئذ لتفاقم النزاع والاختلاف . ينشأ الخلاف والشقاق عندما يتحكم فرد أو مجموعة فى بقية المجتمع فلا بد أن يعارضه بعض الناس ، فيقابل المستبد هذه المعارضة بالقهرليمنعها القهر من الظهور، ولكن لا يلبث أن تظهر وتتطوّر وقد تستعرّ حربا مسلحة.

2 ـ والمستبد لكى يحمى نفسه مقدما لا يقتصر فقط على إرهاب الناس وتخويفهم بالتعذيب ولكن يوجّه سياسته نحو تقسيم الأمة دينيا ومذهبيا وعنصريا ، ويستأسد بكل قوته على الطائفة الضعيفة ويجعلها عدوة للأكثرية من المجتمع ،ممّا يتيح له إستعداء وتسليط معظم الشعب على أولئك الضعاف،   فيحتاج الجانب الضعيف للاستنجاد بالمستبد ليحميه، ويحتاج اليه الجانب المعتدى لينجو من العقوبة ، وبهذا يشغلهم المستبد بالفتن فيما بينهم،فيعيشون فى رعب ويعيش هو فى أمن متسيدا عليهم جميعا. فرعون استعمل هذه السياسة وعلا بها فى الأرض:(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ )(القصص 4) . وإتّبع المخلوع حسنى مبارك هذه السياسة ، فاضطهد الأقباط والشيعة والبهائيين والقرآنيين ، وسلّط عليهم المتطرفين ، كما سلّط عليهم أجهزته الأمنية والإعلامية والقضائية.

هنا تتحوّل هذه الأقليات الى منكر يجب إزالته أوطرده لو أمكن . وقد تعرض لهذا أهل القرآن والبهائيون وبعض الأقباط . المتطرفون يجعلون المعروف فى إقصاء الآخر المختلف معهم . ويتحدون مع المستبد ضد هذا الآخر ليكتسبوا نفوذا يريدون تطويره،بينما يستخدمهم المستبد فى إرهاب الأقليات وشغلهم عنه مؤقتا بهذه الإجرام . وفى كل هذا يصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا بالتطبيق دون حاجة الى تقعيد .

ثانيا : صلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بوحدة الأمة وعدم تفرقها

1 ـ نتكلم هنا عن الاسلام وفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيه ودورها فى منع تفرق الأمة فى دولة الاسلام المدنية الحقوقية الديمقراطية الشورية .

2 ـ يلفت النظر أن الآية (103) من سورة (آل عمران ) تأمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا وتنهاهم عن التفرق :(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً(103)، بعدها جاءت آية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) ثم بعدها جاء أيضا النهى عن التفرق والاختلاف :(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105). أى إن فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الاسلام محاطة بالأمر بالاعتصام بحبل الله والنهى عن عدم التفرق ،أى إن الأمر بالمعروف يبدأ بالأمر بالاعتصام بحبل الله جميعا ، وأن النهى عن المنكر يبدأ بالنهى عن التفرق والاختلاف .

3 ـ والسؤال هنا عن موضوع الاعتصام بحبل الله المأمور به ، وموضوع التفرق والاختلاف المنهى عنه؛ هل هو الاتفاق فى العقيدة أى فى (الاسلام) بمعناه العقيدى القلبى (لا إله إلا الله ) أم هو (الاسلام) بمعناه السلوكى الظاهرى وهو السلام ؟ هل هو (الايمان القلبى) بالله وحده لا شريك له أم هو (الايمان )السلوكى بمعنى الأمن والأمان للجميع ؟ هل هو فرض عقيدة ( لا اله إلا الله) على الجميع ؟أم هو (لا إكراه فى الدين)وترك الحكم فى الخلاف فى (الدين) الى الله جل وعلا (يوم الدين ) ليحكم جل وعلا بين الناس فيما هم فيه مختلفون؟، وأن نعيش فى هذه الدنيا مسالمين وأخوة متعاونين ؟.

4 ـ قلنا كثيرا إنّ معنى الاسلام الظاهرى السلوكى هو السلام والمسالمة ، وأى فرد مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته . و لنا ان نحكم عليه لأنه سلوك ظاهر مرئى .أما الاسلام القلبى بمعنى الانقياد واسلام الوجه والجوارح لله جل وعلا وحده فمرجعه الى جل وعلا يحكم فيه بين البشر فيما هم فيه مختلفون ، حيث سيكون الفائز يوم القيامة هو من يجمع بين الاسلام الظاهرى والاسلام الباطنى . وللإيمان نفس المعنيين : إيمان ظاهرى بمعنى أن تكون مأمون الجانب ، وإيمان قلبى بالله جل وعلا وحده لا شريك له كما نصّت عليه آية ( أمن الرسول ) فى  سورة البقرة.والمؤمن الفائز هو من يجمع بين الايمان الظاهرى والايمان القلبى .ولنا الحكم على الظاهر وهو السلوك  المسالم الآمن المأمون .

وقلنا إن الشرك والكفر مترادفان:(التوبة 1 : 3 ، 17)(الزمر1 : 3)(غافر 42).وأنهما معا ينقسمان الى:كفر أوشرك سلوكى بالعدوان:(التوبة:10،12،13)(البقرة 190، 286)(الحج 38 : 40) ولأنه كفر بالسلوك فلو تخلى عن العدوان سقط عنه الاتهام بالكفر:(الأنفال  38 : 39)(البقرة 192 ، 193 )(التوبة 5 ،11 )(الممتحنة 2 ، 9). ثم :شرك أوكفر فى العقيدة:قد يكون صاحبه مسالما لا يعتدى فيجب التعامل معه بالبر والقسط (الممتحنة 8 ). وقد يجتمع الكفر أو الشرك العقيدى بالسلوكى ، وهو الذى ساد فى قريش حين اضطهدت المسلمين واخرجتهم من ديارهم، تكذيبا بالقرآن:( الممتنحنة 1 ). وعلى سنتهم يسير الوهابيون .  

5 ـ وأسّس خاتم المرسلين عليهم جميعا السلام فى المدينة دولة إسلامية تسير بالعدل والقسط والمساواة والشورى والتفاعل فى الخير . وفى الدولة الاسلامية فإن كل الأفراد مؤمنون طبقا للإيمان الظاهرى،وهم مسلمون مسالمون بالاسلام السلوكى الظاهرى ، وهم جميعا مأمورون بالتمسك بالسلام الظاهرى السلوكى:(يَاأَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة 208)، أى أنهم مأمورون بالاعتصام بحبل الله الذى هو السلام والقسط وعدم الاكراه فى الدين.  وتحيتهم فى الدنيا (السلام عليكم) وفى الآخرة لو دخلوا الجنة تحيتهم فيها سلام :(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ  دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)( يونس 9 : 10) .

6 ـ أى إن قوله جل وعلا:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) مقصود به الاسلام الظاهرى أى إلتزام السلام بين أفراد المجتمع ـ أو المواطنين فى داخل الدولة ، بدليل أن بقية الآية تتكلم عن سلوك عدوانى ظاهرى كان موجودا قبل ذلك فانمحى، فقد كانوا من قبل أعداء متشاكسين فأصبحوا داخل دولة الاسلام أخوة متآلفين :(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً(103).

7 ـ أما الاسلام القلبى أو الهداية للحق فليس من مسئولية الدولة إدخال الناس الى الجنة ، فهى مسئولية فردية ، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعلى نفسه . إن مسئولية الدولة هى توفير الأمن والسلام والعدل والحرية للأفراد ، ثم كل منهم يكون مسئولا أمام الله جل وعلا يوم الدين عن إختياره الدينى والعقيدى فى الايمان القلبى أو الكفر القلبى والعبادات . والى أن يأتى يوم القيامة فأمامهم متسع فى هذه الحياة الدنيا ليعيشوا فى سلام مع إختلاف عقائدهم .

 8 ـ والحرية فى الدين هى التى تضمن هذا السلام . ومن حرية الدين حرية الدعوة الى الحق أو الى الباطل ، وحرية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحرية الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف . وقد تنافس المؤمنون والمنافقون فى دولة الاسلام فى المدينة فى هذا المجال ، فكان المنافقون والمنافقات يوالى  بعضهم بعضا فى الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف، وكان المؤمنون والمؤمنات يوالى بعضهم بعضا فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ  وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) َ(التوبة 67 ـ ، 71 ـ ). وكفلت دولة الاسلام للمنافقين الحدّ الأقصى من حرية الدين والمعتقد وحرية المعارضة بالقول والحركة حتى حرية التآمر وحرية التقاضى خارج نطاق الدولة . كل ذلك مسموح به طالما يدور فى إطار العمل السلمى بلا لجوء الى السلاح . ولهذا لم تحدث حركات تمرد داخل دولة الاسلام فى عهد خاتم النبيين . كان الاختلاف الدينى والسياسى قائما ومحتدما ، ولكن جرى ترشيده بالحرية المطلقة فى الدين وفى العبادة وفى المعارضة السياسية ، وبالتزام العدل والاحسان .

9 ـ فى هذا الجو أثمرت دعوة المؤمنين للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفشلت دعوة المنافقين للأمر بالمنكر والنهى عن المعروف . وهى حقيقة لا جدال فيها : أن الحق يفوز فى وجود الحرية الدينية ولا يحتاج إلّا إلى مجرد التعريف به ، ومجرد التعريف به ينعش العقل ويحفزه للتفكير . أمّا الباطل فهو محتاج الى سلطة تجبر الناس على الايمان به ، وتخيفهم من نقده ومناقشته . ولذلك فقد انتشرت دعوة الاسلام بالقرآن فقط خارج المدينة ، واستطاع القرآن بحجته القوية إقناع العرب بعبثية تقديس الموتى والأصنام والأنصاب فدخلوا فى دين الله أفواجا ، حتى إضطروا قريش والأمويين الى الدخول فى الاسلام حتى لا تسبقهم الأحداث وتتجاوزهم.

10 ـ ومع هذا فلقد تلاشت بالتدريج دولة الاسلام بفعل السياسة . بدأ الأمر ببيعة السقيفة وتعيين حاكم يعلو على الناس يبايعه الناس على السمع والطاعة المطلقة ، ثم دخل الصحابة فى الفتوحات والفتنة الكبرى فتأكّد التناقض بنهم وبين الاسلام ، وتلاشت معالم الشورى والديمقراطية لتتحول الى حكم وراثى استبدادى عسكرى قبلى ( نسبة للقبيلة ) فى الدولة الأموية ، ثم تحولت الى دولة دينية كهنوتية فى الخلافة العباسية. وعلى هامش ذلك كله انتشرت النزاعات والانشقاقات وقامت الأحزاب سياسية فى البداية ، ثم تحولت الى تعزيز موقفها دينيا فتولدت ـ مبكرا ـ أديان أرضية للمسلمين ، وحدث ما حذّر ب العزة منه ، وهو التفرّق فى الدين بعد الصراع الحربى السياسى . لقد قال رب العزة فى الوصية الأخيرة من الوصايا العشر : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)( الأنعام 153 ). أى أمر بالتمسك بالقرآن وحده ونهى عن إتباع الأحاديث لأنها تقوم على التفرق والاختلاف والمذاهب ..وهذا ما حدث فعلا ( شفويا ) فى الفتنة الكبرى والعصر الأموى ، ثم تمت كتابته فى العصرين العباسى والمملوكى حيث ظلّوا يؤلفون الأحاديث وينسبونها للنبى بعد موته بقرون. وقد أعلن رب العزة مقدما براءة خاتم النبيين من هؤلاء الذين سيصنعون أحاديث ينسبونها لخاتم النبيين بعد موته وتجعلهم تلك الأحاديث المصنوعة يختلفون فى دينهم ، فقال جل وعلا فى نفس سورة الأنعام المكية:( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)( الأنعام 159)، وقال جل وعلا أيضا للمؤمنين فى سورة مكية أخرى :( وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )( الروم 30 : 32 ). أى إن الاختلافات السياسية الناتجة عن الاستبداد والفساد تتحول الى أحزاب متصارعة وطوائف متحاربة ، وينتهى بهم الاختلاف السياسى الى كفر وتفرق فى الدين . وهذا هو موجز تاريخ المسلمين . فلا عجب حينئذ تحول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الى سوط عذاب يتسلط به الظالمون على ظهور الناس.!!

أخيرا

الظالمون نوعان : نوع إيجابى يمارس الظلم أو يؤيد الظالم ويقنّن له الظلم ، ونوع سلبى هو ذلك المظلوم الذى يركع للظالم مستكينا خاضعا فيشجّع الظالم على أن يركبه وأن يعذّبه..

لو إنتفض المظلوم لكرامته إنتهى الظلم . هذا المظلوم الظالم لنفسه هو السبب الأساس فى قيام الظلم واستمرار الظلم . هذا الشعب السّاكت عن الحق الراضى بالظلم العاجز عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الذى يخلق من داخله فرعونا . وبعونه جل وعلا سننشر حلقات عن (صناعة الفرعون ) بعد هذا الكتاب ، فمصر والمنطقة العربية تتأهب الآن لصناعة فرعون وهابى بعد خيبة الربيع العربى .!!!