ßÊÇÈ حق المرأة فى رئاسة الدولة الإسلامية :
تاريخ المسلمين: وحق المرأة فى رئاسة الدو

في الإثنين ٠٨ - أغسطس - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً

 

أولا : المرأة والنضال فى سبيل إقامة الدولة :

 

مقدمة:

1- تشريع القرآن هو ما ينبغى أن يكون ،وقصص القرآن هو وصف لما كان مع التركيز على العبرة. وقد عرضنا لحق المرأة فى رئاسة الدولة فى تشريع القرآن ( الذى ينبغى أن يكون) وعرفنا أن الشورى الإسلامية تجعل القوة فى يد الشعب. وتجعل الحاكم مجرد أجير للشعب ، وحينئذ يستوى أن يكون رجلا أو امرأة طالما حاز الكفاءة ، وطالما كانت القوامة للشعب عليه . كما عرضنا لقصص القرآن فيما" كان ".

فق&Iuute;قد "كان" فرعون مصر مستبدا عاتيا تعامل بالاستبداد مع اثنين من الأنبياء وطاردهما مع شعبهما إلى أن انتهى به الأمر إلى الغرق والتدمير فأصبح عبرة لمن يخشى حسب تعبير القرآن .

أما بلقيس فقد "كانت" ملكة مستبدة فى مملكة سبأ .ولكنها بطبيعتها الأنثوية كانت تستشير ، كانت تحمل خوفا على مملكتها من استبداد الملوك ، وتصرفت بهذه الرقة ،فنجت بشعبها..

هذا ما جاء فى تشريع القرآن وفى قصص القرآن .

2- أما تراث المسلمين من قصص أو تاريخ ومن تشريع أو فقه له أيضا جانبان :

الجانب الفقهى ، أو ما ينبغى أن يكون تبعا لأمنيات الفقهاء .

 والجانب الواقعى :الذى سجله التاريخ .

وهنا يبدو الجانب الواقعى التاريخى هو المؤثر الحقيقى فى تصورات الفقهاء ، فالفقيه يتأثر بظروف عصره وتسلط السلاطين ويتجاوب معها بالسلب أو الإيجاب ، وينعكس ذلك على فتاويه ورؤاه ، وإذا كان ذلك الفقيه مشرعا أو بتعبيرهم محدثا أى تمتع بمصداقية تراه يعطى رأيه الفقهى حصانة من النقد بأن يجعله حديثاً نبوياً ، أى ينسبه للنبى عليه الصلاة والسلام ، بعد موت النبى بقرنين من الزمان ، وذلك عبر سلسة من الرواة ينتهى بهم إلى الصحابة ، ثم النبى ولا يجد أحدا فى عصره يناقشه أو يحاسبه فى كيفية إثبات أن أؤلئك الذين ماتوا بالتتابع مثله طيلة عشرات السنين قد رووا أو قالوا هذه الأخبار والرويات والأحاديث.

وسلاسل الرواة لا تصمد للمنهج العلمى أو القرآنى ، ولذلك نحن نتعامل معها على أساس إنها فكر أو ثقافة عصرها.

3- وهذا يعنى أن روايات التراث فى التاريخ والسيرة والتشريع مجرد حقائق نسبية يجوز فيها الخطأ والصواب والنقاش، وهى بذلك تختلف عن حقائق القرآن المطلقة . وبالتالى فإن لنا مطلق الحرية فى التعامل مع مرويات التراث وفتاويه، وفى النهاية فإن ما نقوله يدخل هو الآخر فى إطار الفكر البشرى الذى يقبل الخطأ والنقاش والصواب .ونحن نعتقد أن هذا هو الاجتهاد الدينى الذى يحتاجه المسلمون للخروج من تخلفهم الحضارى الذى استمر كثيراً وآن لهم أن يودعوه أو يودعهم.

4- ولكى تصل المرأة إلى رئاسة الدولة فلا بد لها كالرجل من سلوك طريقين .

 إما بالمشاركة فى صنع الدولة بالثورة والهجرة والحرب والنضال

 وإما بوراثة الحكم .

وهذا ما سار فيه تاريخ المرأة داخل وخارج الدولة الإسلامية . إلا أن المرأة امتازت عن الرجل باستغلال مهارتها الأنثوية فى السيطرة على الرجل الحاكم وسيطرت عليه خلال "سرير" الحكم أو العرش. والغريب أن أغلب من وصلن إلى السيطرة الفعلية فى الحكم أو السيطرة الفعلية والرسمية كن من الجوارى اللاتى اتخذهن الخلفاء للمتعة ، وكن أقل منزلة من الحرائر الأرستقراطيات . ولكنه بمهارتهن العقلية والأنثوية أمسكن بكل الخيوط السياسية وسيطرن على مراكز القوى ، واستخدمن أدوات العصر وثقافته وأساليبه السياسية فى الوصول للسلطة أو للاحتفاظ بها . وجرى عليهم ما جرى على الرجال من الصعود والهبوط ومن العز والذل . وعند السقوط لم يرحم العقاب أنوثتهن أو رقتهن ، لأن لعبة السياسة لا ترحم المهزوم وفق الثقافة السياسة للعصور الوسطى .

5- ومن خلال التراث نتتبع وفق التسلسل الزمنى جهود المرأة للوصول إلى رئاسة الدولة ، إلى أن وصلت إليها سنة 648 هجربة سنة 1250 م فى سلطنة شجرة الدر .

وكما أنهينا المبحث السابق بالمقارنة بين فرعون موسى وملكة سبأ ، سننهى هذا الفصل بمقارنة بين شجرة الدر وآخر خليفة عباسى فى بغداد، شاء سوء حظه أن يعترض على تولى شجرة الدر رئاسة الدولة..

وخلال هذا التسلسل الزمنى نحرص على تتبع جهد المرأة السياسى فى تاريخ المسلمين خلال موضوعات ثلاث: المرأة والنضال فى سبيل إقامة أو توطيد الدولة ، المرأة والحكم من خلف ستار ، ثم أخيرا المرأة وهى تتصدر بنفسها الحكم ، وكيف تفوقت فى ذلك على الرجل الحاكم المعاصر لها وهو ترتيب موضوعى ومنطقى – أو نرجو أن يكون كذلك –

 

أولا : المرأة والنضال فى سبيل إقامة الدولة :

1ـالعادة أن حركة التاريخ الإنسانى على هذا الكوكب تسير على قدمين إحداهما للرجل والأخرى للمرأة . ولكن كتابة التاريخ عمل انفرد به الرجل ، لذلك جعل المرأة تتوارى بين سطور التاريخ ، وجاء الرجل الفقيه وأفرغ فيها شحنات غضبه لتنزوى داخل البيت. وهذا يجعل مهمة المؤرخ عسيرة فى تجلية دور المرأة فى صنع التاريخ داخل البيت الملكى أو خارج البيت فى ساحة المعارك وميادين الثورات .

وفى بحث موجز كهذا فإننا نكتفى بالمرور السريع على جهد المرأة المتصاعد من النضال فى سبيل إقامة الدولة إلى أن وصلت إلى صدارة الحكم كسلطانة ورئيسة للدولة .

وننقل مع الاختصار من مقالات لنا سبق نشرها فى سلسلة ( حواء بين سطور التاريخ ) وغيرها ، وهو عمل تاريخى كان أساسا لمشروع تحويل التراث الى دراما . نرجو أن يخرج الى النور.

2- وقد عرضنا من خلال القرآن لتشريع القرآن فى الشورى والتى على أساسها تكون القوة والنفوذ للشعب بكل أفراده رجالاً ونساء ، ومن هنا يستوى أن يكون الحاكم رجلاً أو امرأة .

وقد أشار القرآن إلى المهاجرات وبيعتهن للنبى ولجوئهن إلى دولة  المدينة ، وأكدت روايات السيرة ذلك ، بل إن بعض هذه الروايات تحدثت عن المرأة التى تسبق أباها فى الإيمان مثل أم حبيبة التى سبقت أباها أبا سفيان فى الإيمان وأخت عمر بن الخطاب التى سبقته فى الإيمان وتحملت تعذيبه لها هى وزوجها سعيد بن زيد ، ومنهن حواء بنت يزيد الأنصارية وقد سبقت إلى الإسلام زوجها أبا يزيد ، وكذلك أم سليم بنت ملحان زوج مالك بن النضر والد الصحابى أنس بن مالك ، بل إن أم كلثوم بنت عقبة بن معيط هاجرت من مكة وهى فتاة فجاءت للنبى بعد صلح الحديبية تاركة أهلها ، وخرج فى أثرها أخواها الوليد وعمارة فرفضت أن تعود معهما . ومن المؤمنات من هاجرن إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وقد ذكر أسماءهن ابن هشام فى سيرته ، علاوة على كتب الأحاديث ، ويقول الزهرى " وما نعلم أحداً من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها".

 وكان يعقب الهجرة مبايعة المرأة للنبى كحاكم ونبى على الالتزام يتشريع الدولة وأحكامها ، مثلها فى ذلك مثل الرجل تماما . وجدير بالذكر أن النبى عليه السلام قبل أن يهاجر إلى المدينة عقد مع الأنصار بيعتى العقبة الأولى والعقبة الثانية . وشهد العقبة الثانية ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتان أم عمارة وأسماء بنت عمر .

وكانت المرأة تشارك فى إقامة الدولة وفى الدفاع عنها ، فتقول الربيع بنت معوذ : " كنا نغزو مع النبى فنسقى القوم ونخدمهم ونداوى الجرحى ونعود بالقتلى إلى المدينة "، وكانت المرأة تشارك الرجل فى  حضور جلسات الشورى فى المسجد ، وفى حديت فاطمة بنت قيس " .. فلما انقضت عدتى سمعت نداء المنادى منادى رسول الله (ص) ينادى : الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله فكنت فى صف النساء التى تلى ظهور القوم ....(التفاصيل في كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة: عبدالحليم أبوشقة : جـ2 : 411 ـ دار القلم الكويت ) .

3-وهى إشارات متفرقة عن تفاعل المرأة فى عصر الرسالة المحمدية ودورها فى إقامة الدولة الإسلامية فى عصر النبى . وقد عمل الأمويون على تحويل هذه الدولة المدنية إلى حكم وراثى لصالحهم ، مما أدخل المسلمين فى حروب أهلية قادت السيدة عائشة أولى حروبها وهى حرب الجمل.

 وكانت السيدة عائشة تتزعم المعارضة ضد الخليفة " عثمان بن عفان " بعد أن وقع تحت سيطرة أقاربه الأمويين . وأدت معارضتها ومعارضة الآخرين إلى الثورة على "عثمان" ومقتله ، وتولى الخلافة بعده "على " ولم ترض السيدة عائشة بهذا الاختيار فتزعمت معارضة مسلحة ضده مما أدى إلى موقعة الجمل.

والمغزى من هذه الحكاية الدامية والمؤسفة أن ما تعودت عليه السيدة عائشة من التفاعل السياسى قد جعلها تنسى الأمر الإلهى لزوجات النبى بالاستقرار فى البيت ، وذلك أمر خاص بهن . ولكن إسهام المرأة فى الشئون السياسية كان وقتها شيئا عاديا بحيث أسفر فى النهاية عن قيادة السيدة عائشة لجيش ثائر ضد خليفة شرعى .

4- واستفاد الأمويون من هذه الحروب الأهلية فى إقامة دولتهم الوراثية. ولكن لم يكن سهلا استئصال جذور الدولة الإسلامية القائمة على الشورى والعدل ، لذلك تكلف المسلمون عدة مئات من ألوف القتلى فى سبيل أن ينعم الأمويون بإقامة دولتهم ، وتكلف المسلمون أضعاف هذا العدد من القتلى كى يوحد الأمويون دولتهم . بل إن الأمويين فى سبيل ذلك ارتكبوا ثلاث عظائم فى سبيل أن يتولى أول خليفة أموى بالوراثة ، وهو يزيد بن معاوية . فقد قتلوا الحسين حفيد النبى وأهله فى كربلاء . وغزوا المدينة وانتهكوا حرمتها حين ثارت عليهم ، وحاصروا مكة وانتهكوا حرمة الكعبة . واشترك فى الثورة على الأمويين ونظامهم الاستبدادى كل من الشيعة "والموالى " فى العراق والأقباط فى مصر ، والخوارج من الأعراب.

وشاركت المرأة فى هذه الثورات حتى فى ثورات الخوارج ، وهم بدو أعراب لا يقيمون للمرأة شأنا ، وهذه ثقافة البدو . ولكن الإسلام جاء بتحول جديد فى حياة المرأة فى الجزيرة العربية ، فظهرت نماذج عجيبة فى المشاركة السياسية الحربية أهمل المؤرخون تسجيل  أغلبها اكتفاء بأقوال عامة من مشاركة نساء الخوارج مثلا فى الثورات والحروب ، ذلك أن تسجيل ذلك التاريخ تم بعد حدوثه وبعد فترة من الروايات الشفهية . ولم يعزز كتابته إلا حديث الشعر عنه ، ومن ذلك ما رددته الأشعار عن غزالة زوجة شبيب الخارجى الثائر على الدولة الأموية.

 

 وكان شبيب قد هزم خمسة قواد للوالى الأموى الجبار الحجاج بن يوسف فقتلهم شبيب واحدا واحدا ، ثم قصد شبيب الكوفة ففر الحجاج أمامه وتحصن بالقلعة وقصر المنارة ، ودخل شبيب الكوفة ومعه زوجته غزالة . وكانت غزالة نذرت لله أن تدخل مسجد الكوفة فتصلى لله ركعتين تقرأ فيهما بأطول سورتين فى القرآن (سورة البقرة وسورة آل عمران). وأوفت غزالة بنذرها فدخلت الكوفة مع زوجها ومع سبعين رجلا إلى الكوفة ثم إلى المسجد وصلت فيه الصبح . وفرّ الحجاج أمامها وتحصن بالقلعة ، وقد قال الشاعر فى ذلك يسخر من الحجاج :        

         أسد على وفى الحروب نعامــــة             فتخاء تنفر من صفير الصـافر

         هلا برزت إلى غزالة فى الوغـى            بل كان قلبك فى جناحى طائـــر

ووصف المؤرخون غزالة بأنها كانت فى الفروسية والشجاعة بالموضع الأعلى ، وكانت تقاتل فى الحروب بسيفها وفرسها . ولما عجز الحجاج عن مواجهة  شبيب وزوجته بعث الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان بجيش جرار يقوده سفيان بن الأزد وتعاون معه الحجاج فى هزيمة شبيب ، الذى انسحب من المعركة بعد أن قتلت زوجته غزالة وأمه جهيزة ، وكانت هى الأخرى من المحاربات الشرسات . وأثناء انسحاب شبيب عبر نهر دجيل غرق فيه . :(الصفدى : فوات الوفيات 105:104:103،16 ).

هذا مثال لمشاركة المرأة فى الثورة ومحاولة إقامة دولة.

 

5 ـ على أن أم حكيم ـ الزوجة القرشية المقاتلة ـ هى أبرز ما يعبر ما يعبر عن تفاعل المرأة فى ذلك العصر ، سواء فى نضالها ضد الإسلام أو معه . وفى كل الأحوال فالإسلام هو الذى ملأها حماسا عظيما فأخرجها عن السلبية الأرستقراطية التى كانت تتمتع  بها سيدات قريش . ثم انضمت إلى الإسلام فاندفعت فى حماس آخر لتكفر عن نضالها السابق ضده .

وتعالوا بنا نجمع شتات سيرة أم حكيم من بين سطور التاريخ .

ظهرت أم حكيم فى مكة فى عصر النبوة حيث كان عمها أبو جهل (أبو الحكم بن هشام ) يتزعم بنى مخزوم وقريش فى حرب النبى وأصحابه . وقد تزوجت أم حكيم ابن عمها عكرمة إبن أبى جهل وسارت مع اسرتها فى الطريق المضاد للإسلام . وتلاحقت الأحداث من اضطرار المسلمين للهجرة من مكة إلى المدينة ، ثم نشوب أول حرب بين الفريقين فى بدر ، وكان أبو جهل يتزعم المشركين ، وقد لقى مصرعه ، وإنهزم جيشه . وهنا بدأ دور عكرمة بن أبى جهل وزوجته أم حكيم فى الظهور والزعامة . وشهدت المعركة التالية فى" أحد"  تلك الزعامة المبكرة لعكرمة وزوجه إلى جانب أبى سفيان وزوجه هند ، وكان الجميع ينشدون الثأر لمقتل الآباء والأخوة والأعمام من سادة قريش فى بدر .

وانتهت المعركة بانتصار قريش على النبى وعادت أم حكيم وزوجها وأبو سفيان وهند وقد شفيت صدورهم ، واستمر عكرمة يؤدى دوره مع أبى سفيان فى حرب المسلمين فى غزوة الخندق "الأحزاب" واضطرت قريش لصلح الحديبية الذى لم يكن عكرمة سعيدا بتوقيعه، لذلك قام بنقض المعاهدة فأدى ذلك إلى مفاجأة النبى لقريش بجيش ، فلم يسعهم إلا التسليم بزعامة أبى سفيان . ولكن اتفق عكرمة مع صديقه المبتور صفوان بن أمية و آخرين على مقاومة الجيش  ، وكانت معركة انتحارية يائسة تسمى الخندمة نتج عنها فرار صفوان وعكرمة ، وقال أحدا  الهاربين لامرأته:

          

              انك لو شهدت يوم الخندمة                 إذ فر صفوان وفر عكرمة

هرب عكرمة من مكة بعد أن أسلمت قريش وأسلمت زوجه أم حكيم ، وقابلت النبى وتكلمت معه فى الصفح عن زوجها فاستجاب لها وأعطاها أماناً لعكرمة حتى يعود لأهله فى سلام ، وله البقاء على دينه إذا شاء ، وتمتع صفوان بن أمية بنفس الأمان.

إلا إن عكرمة كان قد انطلق إلى اليمن ليعبر منها إلى الحبشة ، وسافرت خلفه زوجه أم حكيم لتبشره بالأمان وتعود به . وكان رفيقها فى السفر أحد عبيدها كانت تحسبه نعم الرفيق ولكنه فى الطريق أراد الغدر بها والاعتداء عليها ، ولكنها استطاعت أن تتغلب عليه وأن تقتله . أما عكرمة فقد وصل إلى البحر وتفاوض مع صاحب سفينة أن يحمله إلى الحبشة ، ولكن الرجل قال لعكرمة " يا عبد الله لا تركب سفينتى حتى تؤمن بالله وحده فأنى أخشى إن لم تفعل أن تغرق السفينة". وحاول عكرمة أن يثنى الرجل عن هذا الشرط ولكن الرجل صمم قائلا : " لا يركب سفينته أحدا إلا إذا أخلص لله قلبه " .فتركه عكرمة متعجبا وسأل نفسه :" لماذا إذن أفارق بلدى وقومى فما جاء محمد إلا بمثل هذا ". وهكذا أسلم عكرمة قبل أن تعثر عليه زوجته ، ولكن ظل تاريخه فى حرب النبى عائقا دون رجوعه إلى مكة. وجاءه الفرج بعثور زوجته عليه ، وعادا إلى مكة ودخل معها فى دور جديد . كان صادقين فى كراهيتهما للإسلام والنبى ثم أصبحا بنفس الصدق متحمسين للإسلام والنبى ، بل كان ماضيهما السابق يلح عليهما فى القيام بعمل دؤوب يعوض ما سبق ويكفر عنه.

لذا كان عكرمة وزوجته على رأس الجيش الذى بعثه أبو بكر لحرب مسيلمة الكذاب فى اليمامة(نجد) .وبعد القضاء على حرب الردة جاء التفكير فى إشغال القبائل العربية بالفتوحات حتى لا تعود الى العصيان وتكرار حروب الردة .

وفى أهم مراحل الفتوحات العربية أرسل أبو بكر صاحبنا عكرمة مع خالد بن سعيد بن العاص لفتح الشام سنة 13 هجرية . ولم يكن خالد بن سعيد بن العاص يدانى عكرمة فى مهارته الحربية ، ولكن يبدو أن أبا بكر لم يكن يطمئن تماما إلى أن يعهد لعكرمة بن أبى جهل بقيادة الجيش ، برغم إلحاح عمر على تولية عكرمة محل خالد بن سعيد . وانهزم خالد بسبب تسرعه فهرب أمام أسوار دمشق وثبت عكرمة فى المؤخرة وحمى الجيش ، وكانت معه أم حكيم تقاتل الروم كما يقاتل الرجال . وعكرمة أثناء وطيس المعركة وهو يقاتل ينشد شعرا عن فتاته الحسناء التى تشهد بطولاته وتشد بسيفها من أزره . وأصبح  عكرمة قائدا لأحد الجيوش الأربعة التى تجمعت لملاقاة الروم فى معركة فاصلة.

لذلك أمر أبو بكر قائد الجيش العربى فى العراق خالد بن الوليد أن يترك جيشه مع من ينوب عنه وينتقل بأسرع ما يمكن إلى الشام يؤازر جيوش العرب المسلمين فيها أمام الروم. ووصل خالد فى فترة قياسية وقبل ساعة الصفر ، واتفق مع القادة على توحيد القيادة وأن يتولوها بالتتابع على أن يكون هو قائد اليوم الأول . وأعاد ترتيب الجيش الموحد على أساس جديد ثم أعطى عكرمة والقعقاع قيادة المقدمة.

وانطلق عكرمة ومعه زوجته أم حكيم بكل حماس وفدائية ليكتبا تاريخا جديدا يغطى التاريخ الماضى .ويذكر ابن اسحق أوّل مؤرخ للفتوحات أن أم حكيم كانت مع زوجها فى المعركة وأنها شاركت بالقتال بالسيف ومعها قوة من نساء قريش يقاتلن "حتى سابقن الرجال"!!

وأثناء احتدام المعركة كان عكرمة يصرخ فى الروم قائلا :" قاتلت رسول الله فى كل موطن فكيف أفرّ منكم اليوم " . وحين رأى وهناً بين الجيش بسبب كثرة الروم هتف بين شجعان المسلمين : من يبايعنى على الموت ؟ فتوافد إليه أشراف الفرسان ، منهم عمرو وأخوه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأربعمائة  من أشراف المسلمين ، فألقوا بأنفسهم فى هجمة انتحارية فى قلب الجيش الرومانى ، فنتج عن ذلك تخلخل الروم وإصابة الفرسان المسلمين جميعا بالجراح أو بالقتل.

وجىء إلى خالد بن الوليد بعكرمة وابنه عمر وهما ينزفان ، فوضع رأسيهما على ساقه وأخذ يمسح الدم عن وجهيهيما ويقطر الماء فى حلقيهما ، وفتح عكرمة عينيه وهو يحتضر ونظر إلى ابنه وقال لخالد بن الوليد : " إنهم زعموا أننا لا نستشهد . بلى والله " ,ثم اغمض عينيه ومات . ومات ابنه معه. ورأت أم حكيم زوجها وابنها يموتان معا فى معركة واحدة،هى معركة اليرموك الفاصلة.

وحدثت بعد اليرموك معارك صغيرة استهدفت تطهير الشام من بقايا الروم ، وشاركت فيها كلها أم حكيم .

وبعد انقضاء عدتها بعد وفاة زوجها عكرمة تقدم لخطبتها اثنان من قادة المسلمين فى تلك الفتوحات ، وهما يزيد بن أبى سفيان وخالد بن سعيد بن العاص . وقد ارتضت الزواج من خالد بن سعيد بن العاص ، ودفع لها صداقا قدره أربعمائة دينار . وأراد خالد أن يدخل بأم حكيم فقالت :" لو أخرت الدخول حتى يقضى الله هذه الجموع؟ " أرادت تأجيل الزفاف إلى ما بعد النصر ، وكانا على وشك الدخول فى معركة هامة فى مرج الصفراء ، فقال لها خالد : إن نفسى تحدثنى أننى سأصاب فى هذه المعركة . فرقت له ووافقت ، وأقام لها خالد وليمة ودعا أصحابه وفرسان الجيش ودخل بها ، ويبدو أن الجيش الرومانى كان يعلم  بما يحدث إذ فاجأهم بهجوم باغت ، وانطلق خالد من خيمته ـ وهو يجمع عليه ثيابه ـ يقاتل عصابة من الروم التفت عليه ، فأصيب وقتل ، وأسرعت أم حكيم  ـ وهى ترتدى ثيابها ـ تقاتل الروم بعود الخيمة فقتلت به سبعة من الروم ، ودخل المسلمون والروم فى معركة تصادمية رهيبة أسفرت عن إبادة الروم فى مرج الصفراء . وعادت بعدها أم حكيم وقد تمزق دروعها وقتل زوجها .

ودخلت أم حكيم فى عدة جديدة بعد وفاة زوجها الثانى وقضتها فى حروب الشام ، وبعد أن انتهت  تلك الحروب بالنصر عادت إلى المدينة تسبقها شهرتها ، فتزوجها الخليفة عمر بن الخطاب لتشارك معه فى صنع التاريخ . مع أن التاريخ ظلمها فلم يذكرها إلا بين السطور.!

 مراجع :

(ابن هشام السيرة النبوية 410 / 2

ابن عبد البر : الأستيعاب 4/ 1932

ابن الأثير : اسد الغابة 5/577

ابن حجر : الإصابة فى معرفة الصحابة 4/426) .