الأنفال المجزرة

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء ١١ - مايو - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً

نص السؤال
لايخفى عنكم ــ سيادة الدكتور ــ عملية الأنفال السيئة الصيت التي وقعت ضد أبناء شعبنا الكوردي المسالمين العزّل على يد طاغية العراق المقبور (صدام حسين) في ثمانينيات القرن الماضي, والذي راح ضحيتها أكثر من (182,000) ألف مواطن كوردي بريء من الرضّع والأطفال والنساء والشيوخ والمعوقين.. ومعلوم أنّ كلمة (الأنفال) قد أطلقت على هذه العملية الوحشية التي هي وصمة عار في جبين الانسانية جمعاء! قد جعلها حزب البعث البائد مرجعاً لإضفاء الشرعية على عملياته من القتل والابادة الجماعية والتطير العرقي (الجينوسايد) ضد شعبنا وإعطاء صورة مشوهة للعالم العربي والاسلامي كون الشعب الكوردي مذنبون وعصاة ومتمردون وكفّارا!! طبعا جينوسايد الكورد واقعة مؤلمة وموجعة جدا يعجز اللسان عن التعبير والقلم عن التحبير. والحديث حول ذلك ذو شجون ويحتاج الى الكتب والمجلدات والتأليفات!! الشيء الذي يراود ذهني باستمرار هو تسمية (الأنفال) المأخوذة من القرءان الكريم, والتي ــ كلمة الأنفال ــ تعني الغنائم. طبعا من ردود هذه الأفعال الشنيعة والعمليات الوحشية المقيتة من قبل حزب البعث البائد التي وقعت تحت عباءة الاسلام وبإسم سورة الانفال في القرءان, قام كُرديّ جاهل بحرق سورة الانفال ماسكا بيده صفحات تلك السورة كردّ فعل كما أسلفت تجاه العمليات المؤنفلة بحق الشعب الكُرديّ المظلوم! طبعا أدى هذا الفعل الفردي من قبل جاهل بحق احدى سور القرءان الكريم الى ردود افعال غاضبة ومستنكرة ومدانة من قبل الشعب والجماهير الغفيرة والاوساط الثقافية والحركات الاسلامية الموجودة في الساحة الكردستانية. والنتيجة اندلاع حرب الكتابات والفوضى العارمة على الصحافة الالكترونية الكُرديّة على النيت بين العلمانيين والاسلاميين, كلٌ يعمل على شاكلته!!! هذا وقد زاد الطين بِلّةً بعد أن كتب أحدهم قصيدة شعرية في مجلة شهرية تترأسها ثلة من اليساريين الملحدين السارتريين ــ نسبة الى الاديب الفرنسي جان بول سارتر الشهيرــ وهاجم على انبياء الله جل وعلا – عليهم السلام – من خلال قصيدته وذكر (ابراهيم ولوط وعيسى ومحمد ــ عليهم السلام). والى الآن آثار هذه المعركة التقليدية والحرب الضروس البغيضة باقية.. أرجو من سيادتكم التوضيح والتعليق على هذا الموضوع ومسئلة الحرية المطلقة وما هو (المقدّس) من منظوركم القرءاني, وبالذات ما يخص سورة الأنفال؟ ثم ما هو الحكم الشرعي في الشخص الذي قام بحرق سورة من سور القرءان الكريم أو القرءان كله من الناحية الشرعية؟ ومعذرة لانّ الاسئلة قد طالت فاستغفر لي بحِلْم وصحّح لي بعِلْم... ملاحظة: لقد قرأت مقالكم (ملعون كل من يدنس المصحف الشريف من المسلمين وغير المسلمين. أخيرا هذه كلمتى فى جريمة تدنيس القرآن الكريم) للاطلاع والعلم..
آحمد صبحي منصور

 

أفهم أنك تستفتى عن الآتى :

1 ـ موقف الاسلام مما فعله صدام حسين : المجزرة ، وتسميتها بالأنفال .

2 ـ موقف الاسلام  ممن يحرق المصحف  ، ومدى حرية القول و المعتقد فى الاسلام .

وأرد :

1 ـ صدام حسين أسوأ حاكم فى تاريخ العرب و المسلمين فى العصر الحديث ـ على الأقل . كل حكام العرب و المسلمين كانوا مستبدين ، والمستبدون من حيث المناخ نوعان :

  •  نوع ينسجم استبداده مع المناخ السائد ، مثل الخلفاء والولاة فى العصور الوسطى ، عصر الراعى و الرعية . وأولئك أخف  جرما لأن عصرهم كان يشرّع الاستبداد ، وكانت الناس تعتقد فى أحقية المستبد ان يملك الوطن و الناس .

  • نوع يستبد فى عصرنا الذى شاعت فيه ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان . وهذا أحقر المستبدين . تجد هنا كل حكام العرب السابقين واللاحقين ، من عبد الناصر و عبد الكريم قاسم وعبد السلام وعبد الرحمن عارف و الأسد  الماضى و الحاضر و القذافى و ملوك الاردن و السعودية و المغرب ..الخ  ..واليهم ينتمى صدام .

والمستبدون من حيث التعامل مع شعوبهم أيضا صنفان ، وكلاهما ظالم.

ولكن هناك الأكثر ظلما والأقل ظلما . هناك مستبدون نهضوا ببلادهم وحققوا لها المجد مثل الفراعنة  فى مصر القديمة و مشاهير الحكام المسلمين من صلاح الدين الأيوبى الى الظاهر بيبرس الى محمد على .. والغريب أن هذا الصنف المحترم من المستبدين ينتمون للماضى فقط ، وحققوا نهضة ولانتصارات لأن شعوبهم كانت تؤيدهم ، وهم لم يقوموا باضطهاد شعوبهم .

ثم هناك المستبدون الأعتى ظلما وفجورا و أجرؤهم على اضطهاد واذلال شعوبهم. والى هذه النوعية الحقيرة ينتمى كل مسشتبدى المسلمين فى عصرنا الراهن . ولكن أسوأهم  وأحقرهم صدام حسين الذى تفوق فى الهزيمة أمام أعدائه وتفوق فى إقامة المذابح لأبناء شعبه . حقارة ووضاعة لا مثال لها.

ثم تزداد حقارته ووضاعته حين يتمسح بالاسلام و القرآن فى ارتكابه لجرائمه ، فيسمى بعضها بالأنفال . عليه لعنة الله حل وعلا و الملائكة و الناس أجمعين.

2 ـ الله جل وعلا خلق الناس أحرارا فى التفكير و الاعتقاد والطاعة و المعصية و الحركة و السكون ، والسعى للحرية أو الرضى بالاستعباد .

وفى شريعة الاسلام لا عقوبة على حقوق الله جل وعلا من حيث العقائد ( الايمان و الكفر ) والعبادات . العقوبة هنا مؤجلة ليوم القيامة . ومن لم يتب فجزاؤه الخلود فى النار. أما من حيث حقوق الأفراد فهناك عقوبة للقتل وقطع الطريق (أو ما يسمى حاليا بالارهاب ) وقذف المحصنات و السرقة و الزنا ، وهى عقوبات يتم تطبيقها على من لم يتب .

وبالتالى فأولئك الذين انتهكوا حرمة القرآن و طعنوا فى رب العزة و فى الأنبياء حسابهم وعقوبتهم مؤجلة الى يوم القيامة امام الله جل وعلا وحده . ومصيرهم الخلود فى النار إن لم يتوبوا قبل الموت  بوقت كاف يمكنهم من تصحيح التوبة وتصحيح الايمان و الاستغراق فى العمل الصالح والاستغفار ليبدل الله جل وعلا سيئاتهم حسنات. 

اجمالي القراءات 10972