غباء وأغبياء

كمال غبريال في الجمعة ١٦ - مارس - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً


يبدو أن الغباء أو الاستغباء قد صار في مصر "سيد الأخلاق"، لهذا تكاثر من يحترفونه تماشياً مع ضرورات أو سمات المرحلة، معتمدين على مخزون نحسد عليه ولا شك من الصنف الرائج والمطلوب من التعاملات المتبادلة بين كافة الأطراف، لذا لا بأس من استعراض بعضاً مما يجري تحت عنوان "غباء وأغبياء":
• يتصور العسكر وحلفاؤهم من رجال النظام القديم والتيار الديني الحليف/ المعارض الأبدي لكل سلطان أن أمر الثورة المصرية سينتهي بإحكام سيطرتهم على البلاد، واستبدال الحزب الوطني بحزب المناورات والتقية الانتهازية، لترجع ريمة لعادتها القديمة ولكن بثوب أسود، وباستبدال رئيس برلمان يركب المرسيدس القديمة بآخر يركب "BMW". . أقول لهم جميعاً أن الشعب المصري قد عرف لمرة وإلى الأبد طريق التمرد والثورة، وستدهسكم أقدامه عاجلاً أو آجلاً، بعدما يتعرف بنفسه على حقيقة عملاء السلطة في كل العصور. . هو الغباء منقطع النظير، أن يعجزوا عن استيعاب الدرس من مصير مبارك وصحبه، ويتعاملوا مع الشعب بذات المناهج، مستهينين بالجماهير التي يتصورون أنهم يملكون مفاتيحها، وأنها ستظل إلى الأبد مغيبة ومنقادة لمخدراتهم الدينية، في حين أنهم هم من سيتسببون بغبائهم في اكتمال استيقاظ الشعب من غيبوبته الطويلة، وكأنما هم بذاتهم من يمهدون الأرض الأرض لثورة جديدة تطيح بكل القديم و شخوصه ونظمه وأفكاره ومناهجه.
• لم يكن من المعتاد في مصرنا المحروسة لمجنية عليها مثل الناشطة السياسية "سميرة إبراهيم"، التي انتهكت السلطات حرمة جسدها بدعوى كشف العذرية (الذي قصد به إذلالها وكسر ثوريتها وكرامتها) أن تفكر في تحدي السلطات ورفع قضية لتنال حقها وتسترد كرامتها وكرامة المجتمع، وتردع الشياطين المهيمينين على حياتنا، فلقد تعودنا على مر القرون أن "العين ماتعلاش عن الحاجب" و"الميه ماتطلعش العالي"، لكنها ومن ساندوها تصوروا أن الثورة قد غيرت الزمن وقوانينه وأمثاله البالية، وأن المصري يمكن له الآن أن يرفع رأسه دون أن يواجه حامل سيف يقطعها، في حين أن أسيادنا الجدد والقدامى مصممون أن لا شيء قد تغير في بر مصر، وأن المصري لا مهرب له من حكمة "عيش جبان تموت مستور" و"إن كانت بلد بتعبد عجل حش وارمي له" و"الميه ما تطلعش العالي" . . فمن من الفريقين اتسم بالغباء والعجز عن رصد حقائق الواقع، المصرية المنتهكة كرامتها والثوار الذين اعتبروا أن "مصر الفتاة" ذاتها قد انتهك عرضها، أم أسيادنا العسكر وحلفاؤهم الذين كانوا "حفاة وتقبقبوا"؟!!
• أراه بجد لا هزل فيه تطوراً ثورياً حقيقياً، أن ينتقل الإنسان المصري من كم مهمل لا يكترث به من يريد التمكن من الحكم، إلى لاعب جوهري يسعى طلاب السلطة وزبانيتهم إلى استمالته وضمه لجانبهم، سواء انتهجوا في سبيل ذلك الخداع ودغدغة المشاعر الدينية والوطنية، أو عبر الشراء بالرشاوى المباشرة وغير المباشرة. . هي خطوة ونقلة طيبة للشعب المصري وإن بدت من حيث الشكل غير ذلك، وصولاً للبداية الحقيقية لطريق الحرية والكرامة والديموقراطية الحقة البريئة من الأساليب والألاعيب الديماجوجية.
• هو ذكاء مفرط بالتأكيد أن يتم تحويل قضايا يلح الشعب والثوار عليها لمحاسبة من أجرموا في حقه، على أن تُعد القضايا بما يؤدي لبراءة المتهمين. . فلقد اعترف كل من محاميي المدعى عليه والمدعي بالحق المدني في قضية كشف العذرية بأن ملف القضية كان معداً أصلاً للحفظ بالنيابة، وتم تحويله للقضاء إرضاء للجماهير. . هكذا يتم استهلاك الوقت في ما يقال أنه "إسناد الأمر للقضاء" العادل، حتى تهدأ الضوضاء وينصرف النشطاء والشعب لمتابعة قضايا أو جرائم أخرى. . نفس هذا ألمح المحامون إلى انطباقه على قضية دهس المتظاهرين الأقباط في ماسبيرو، فالأمر أمام القضاء يا سادة، وليس لأحد مناقشة قضية أمام القضاء، كما لا يحق لنا بعد صدور أحكام البراءة التعقيب على الأحكام التي نتصور أو ندعي أنها "عنوان الحقيقة"!!. . نعرف أيضاً أن أغلب قضايا محاكمة مبارك ورجاله قد تم إعدادها بهذه الطريقة التي تدل على ذكاء مفرط من الطباخين في مطبخ الهيمنة المصري، كما نعرف أن الذكاء المفرط يكون أحياناً وثيق الصلة بالغباء المفرط!!
• ما نشهده حالياً من تقرب رموز الإسلام السياسي من الأقباط لا يعني تخليهم عن عنصريتهم، وأنهم قد صاروا فجأة يؤمنون حقيقة بإنسانية الإنسان وجدارته بالحرية والكرامة لمجرد أنه إنسان، وليس بناء على أيديولوجية دينية تتكرم عليه بهامش الحرية الذي يحدده له نواب الإله على الأرض، أو أنهم صاروا يسعون لتأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة وليس على الدين. . بل هو السعي لقبول الأقباط لما يريدون فرضه عليهم وعلى المصريين من هيمنة. . يريدون منهم قبول وضعية أهل الذمة عن طيب خاطر، وأن يقبلوا الدونية حامدين شاكرين مهللين، كما يستهدفون تحقيق اختراق الجبهة المدنية، بفصل الأقباط عن القوى الليبرالية المنادية بدولة علمانية. . هل الأقباط مهيأون طبيعياً لابتلاع الطعم، والرضوخ لهيمنة ليست دخيلة على تكوينهم الثقافي والسيكولوجي بفضل خطاب الكنيسة، الذي يعتبر المسكنة والهوان صليباً يتحتم على كل مؤمن حمله، أم أن الشباب المسيحي الذي شارك في الثورة واختلطت دماه بدماء إخوة الوطن على أرض ميادين التحرير سيرفض العودة لحظيرة الكنيسة وحلفائها الممسكين بالسلطة؟
• بعد استقبال قادة الكنيسة الإنجيلية لفضيلة مرشد الإخوان المسلمين المصحوب بزفة إعلامية، لتبدو الزيارة لا كواحدة من الزيارات المتبادلة بين أشخاص طبيعيين تجمع بينهم المواطنة المصرية أو الصداقة الشخصية، وإنما كما لو كانت زيارات متبادلة بين قادة دول أو شعوب، وما يترتب على مثل هذه الزيارات من ادعاءات التيار الإسلامي برغبة أو حتى قبول الأقباط لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، أعتذر للقساوسة البروتستانت عن ظنوني السابقة في أنهم أحد دعامات الدولة المدنية، وتصوري استقامتهم في الالتزام بحداثة مصر وبتحرر المصريين. . هكذا لا تكون هناك طائفة مسيحية أقل أو أكثر ظلامية من سائر الطوائف، ولا عزاء للمصريين. . لقد خدعني لبعض الوقت الزي الطبيعي الذي يرتديه قساوسة الكنيسة البروتستانتية، وعدم انتحالهم لقب "أب" الذي يدعيه الكهنة الأرثوذكس، وعدم مدهم الأيادي لرعاياهم لتقبيلها، بل وعدم وجود كهانة وبخور وما شابه في الكنيسة الإنجيلية، وقيام رؤاها على النزعة الفردية في الخلاص، وليس جماعية القطيع الأرثوذكسية، وكذا تناوبهم مراكز قيادة الكنيسة، لا البقاء فيها مدى الحياة باعتبارها زواج يمتد حتى نهاية العمر. . كل هذا كان وراء انخداعي بهؤلاء القادة الإنجيليين، وتصورت التزامهم بالفصل بين الدين والدولة، وبحرية الإنسان الفرد باعتبارها العمود الفقري لفكر الكنيسة البروتستانتية.
أعترف أن رؤيتي لهم كانت سطحية، وربما غلب عليها تخيل ما أتمناه، وليس الحالة العينية الماثلة هنا والآن، وقد تسبب هذا في ضباب حجب عن عيني حقيقة أنهم أيضاً رجال لا يزرعون ولا يصنعون فلا ينتجون، ويعيشون عالة كسائر الكائنات التي تعيش عالة على كائنات أخرى، يرتزقون من المتاجرة بما يسمونه "كلمات الرب" أو "كلمة الله"، وأن رواج تجارتهم مرتبط عضوياً بتفريغ العقول وأفكار الناس من كل ثقافة غير الفكر الديني، ليكون إغلاق النوافذ وإطفاء أنوار العقلانية هي الطريق لكي يصير هؤلاء نجوم المجتمع وروابط عقده. . هكذا يكون ما بين القساوسة باختلاف طوائفهم وأزيائهم وبين رموز الإسلام السياسي من روابط عضوية أقوى بما لا يقاس بما قد يربط البعض منهم بقيم الحرية والحداثة والإنسانية. . لا حق لي في لومهم إذن، فلهم الحق في الالتقاء بمن يشاءون وقتما يشاءون، وكذا بالصفة التي يشاءون ويقبلها منهم من يعتبرونهم رعاياهم، ولهم علي فقط الاعتذار عن سوء ظني بهم!!
• إنه يأبى احترام صحته المتدهورة جراء المرض والشيخوخة، ومصر على أن يعظنا كل أربعاء، ربما لأنه يرانا محتاجين لنصائحه وفتاواه، وربما ليثبت أنه مازال وسيظل المعلم الأوحد حتى قيام الساعة كما قال بعض أذياله أصحاب النيافة. . هل يتصور الرجل حقيقة أن التماجيد والتراتيل باسمه في الكنائس والقنوات الفضائية كفيلة بمنحه خلود الآلهة. . ألا يدفعه استشعار الضعف الإنساني الطبيعي لأن يرحم نفسه ويرحمنا، ويعفينا من الاضطرار لأن نؤكد له أنه مجرد إنسان، وليس صاحب قداسة وخلود إلهي كما يتصور؟. . هناك من يحملون مشعل النور والتنوير حتى آخر رمق، وهناك من يصنعون من أنفسهم ستاراً يحجب نور الشمس، وسداً يربض في ظله الفاسدون المفسدون!!
اجمالي القراءات 7845