فقه الخنوع
من يخطب الحسناء يعط مهرها

نبيل هلال في الأحد ٢٩ - يناير - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً

لقد "سيَّس" الفقيهُ الدينَ و"ديَّن" الخليفةُ السياسةََ , فأجريا الدين والسياسة في فلك بعضهما البعض . والعلاقة الأزلية بين الملك ورجل الدين - كما أسلفنا - علاقة تواطؤ وانتفاع وتعاون على تعبيد الناس المستضعَفين . والله يقول في الملوك :" إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ"      النمل 34 .

وطبقة الكهنة والكهنوت أكالون للسحت وأموال الناس ولا يخشون الله ويصدون عن سبيله بما يحرفون من الدين خدمة لمصالح السلطان . والله ينبه المؤمنين إلى حقيقة ثابتة لا ينبغي إغفالها فهي تدور مع الأيام والتاريخ , يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ " التوبة34, ولم يقل بعضهم ولكن قال كثيرا , والأحبار تعني رجال الدين , والرهبان تعني رجال الدين المغالين في التدين .

واضطلع الفقيه بالدور الأساسي في ترسيخ استخذاء المسلم  وتأصيل خنوعه , وضحى  بالناس لقمة سائغة لمولاه السلطان , وسن الفقهاء سُنَّة تحذير الناس من التفكير في مناهضة الظلم  بدعوى تجنب الفتنة ومخافة غُرم الثورة والفوضى التي تضر ولا تنفع - هكذا زعموا- وهل يعد الغُرم غُرما إذا ما ساق غُنما ؟ وهل تدرك الغايات إلا بالسعي إليها ؟ واكتفى الناس بانتظار حل من السماء يعفيهم من مغبة المغامرة , وفاتهم أن من يخطب الحسناء يعطِ مهرها , فمن أراد الحياة فعليه ألا يهاب الموت .

والفتنة تحدث بإصرار المستبد اللص على التمسك بعرشه , فلو أراد مصالح الناس لنزل على رغبتهم في أن يدَعهم إلى غيره ممن يكون أقدر وأصلح منه على حكمهم , فالفتنة لا تحدث بسبب الناس الفقراء العزل , وإنما يشعل نارها فرعون وجنوده . وقد رأينا كيف تخرج الأمم الواعية على مستبديها دون إراقة نقطة دم واحدة , بالعصيان المدني كما حدث مؤخرا في بعض بلدان أوروبا الشرقية(كنا قد كتبنا ذلك قبل بزوغ شمس الربيع العربي) .

وأفتى الفقيه بأن الأََولى الرضا بالمقسوم من أجل الحفاظ على الاستقرار! والمراد بالاستقرار هو بقاء الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر الشكوى إلى الله ! وكأن الناس قطيع من العجماوات لا شأن لها بصنع مصيرها , وحسبها من الأمر- كل الأمر- أن يهشها راعيها بعصاه يوجهها قسرا إلى أي وجهة أراد ,  وله الحق في ذبحها إن شاء .

ويورد الفقهاء حديثا منسوبا إلى النبي أنه قال : " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها , قالوا يارسول الله فما تأمرنا ؟ قال : تؤدون الحق الذي عليكم , وتسألون الله الذي لكم " , ويعلق الإمام النووي على هذا الحديث بقوله : " فيه الحث على السمع والطاعة , وإن كان المتولي ظالما عسوفا , فيُعطَى حقه من الطاعة , ولا يُخرج عليه , ولا يُخلع , بل يُتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه ودفع شره وإصلاحه !

وبقاء الحال الذي يستأثر فيه الخليفة وطغمته والملأ والكهنة بالخير كله واستمرار حالة الفقر والجهل واستعباد الناس والأمة ,  ليس استقرارا يحصل فيه الناس على لقمة العيش ويأمنون على أرواحهم, فهو استقرار بمعنى إبقاء حالة تعبيد الناس للخليفة بموافقة ومباركة من رجل الدين المرتزق , وإبقاء الأمة في حالة عجز دائمة عن المطالبة بحقوقها , بل عجز عن مجرد إدراك أنها أمة مظلومة تَعاون على ظلمها الخليفة والفقيه .

اجمالي القراءات 9739