الدعوة إلى الله

هاني الدمشقي في الأحد ٢٤ - يونيو - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً

كثيرون هم الذين تعرفوا على موقع أهل القرآن , وجالوا بين صفحاته وقرأوا إلى كتابه وزواره , بعضهم اقتنع بما قرأ وتيقن بمنهجهم فانتسب إليهم وصار أحد منابرهم

البعض الآخر حائر بما قرأ يساوره شعور بصدق منهجهم , ولكنه خائف من اتخاذ خطوة إقرار بصحة ما علم وتعلم ولو بين نفسه , خوفه ينبع من أنه لو قال نعم فإنه بذلك لابد من اتخاذ قرار حصول تغيير في منهجه الديني والتربوي وسلوكه مع أفراد أسرته والآخرين من حوله , وهذا القرار يعني البدء بالتغيير ولو مع نفسه اولا . وهو يحتاج إلى فتر&Eade;ة من الزمن وكثير من العلم والقراءة , ومن ثم الخلود إلى نفسه لإتخاذ القرار الصحيح .

بعضهم اطلع على الموقع وانتسب إليه , ولكن ليس لقناعته بمنهج القائمين عليه , ولكن لينشر آرائه ضمن ما ينشر تحت مسمى أنه من كتاب الموقع أو من الزوار .

آخرون دخلوا من باب الفضول للمعرفة فقط , والإطلاع على مايجري من حولهم , دون أن يهتم بما يقرأ , ولكن لمجرد العلم بالشيء ليس إلا .

آخرون كثيرون دخلوا على الموقع ساخرون مستهزؤن , ينتظرون نهاية فصول هذه المسرحية المملة , كونهم لمسوا بأن هذه المجموعة بتخليها عن تراث الآباء الموروث والذي يعتبر المرجع الثاني للدين , فهم مجرد زوبعة في فنجان ستنتهي عاجلا أم آجل , وسيندثرون كما اندثرت قبلهم طوائف وملل حاولت الحصول لها على موقع في كتب التاريخ , ولكن بسلوكهم الطريق الخطأ سرعان ما أصبحوا في مزبلة التاريخ .

الذي انتسب إلى أهل القرآن , اطلع وعاين وقرأ واقتنع وقرر , ووضع نصب عينيه أن القرآن الكريم هو منهجه ومرجعه , يشعر أن عليه أن يبدأ باتخاذ الخطوة الأولى وهي التغيير .

فكيف يكون التغيير ؟ البداية دائما تكون في نفسه أولا , باصلاح الخلل في أفكاره ومعتقداته وإزالتها , والتفكر بأنه سيحاسب أمام الله على هذا القرار , سواء أعلن ذلك أم أخفاه ( أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ : البقرة 77 ) . فإن اتخذ هذه الخطوة الأولى , صار مثلا لمن حوله من أهله وأولاده وأصحابه.
ثم يبدأ ثانيا باسرته التي هي الخلية الأولى في الإسلام , وأن يكون اصلاحه بالحسنى , فيكون إمامه الأول قوله تعالى ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) و ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ : النحل 125)

هذه الخلية هي التي ينطلق منها الأجيال لخوض غمار المعترك في الحياة , وهي المدرسة الأولى التي يتلقى منها أولادنا الدرس الأول , في فهم الحياة والمعاملة والدين والحلال والحرام ....

هؤلاء الأولاد هم هبة الله لنا , والهبة هي العطاء من غير تعويض أو غاية , وكيف والعاطي هو الله جل جلاله , الوهاب , المعطي . وغاية عطائه أن يجعل لنا منهم قرة أعين . ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا : الفرقان 74 ) .

وكل ماطلبه منا أن نقيهم وأنفسنا النار ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ : التحريم 6 ) . فكيف نقي أنفسنا وأهلينا وأولادنا النار ؟

أما بالنسبة للأولاد . ففي المراحل الأولى من الحياة تكون مسؤولية حياة الطفل كاملة على أبويه , حيث لا حول ولا قوة له , فلو وضعته أمه على شقه الأيمن ولم تقم هي بتغيير وضعه , لبقي هكذا , وإن أرضعته استمرت له الحياة وإلا فإنه سيموت جوعا , فوقايته من الموت يكون ضمن مسؤولية أمه . وإذا مرض ولم يأخذاه إلى الطبيب المعالج , فلا يستطيع أن يأخذ نفسه وهو ابن أيام أو أشهر . وهكذا تتغير نسبة المسؤولية من كاملة 100% على الأهل وتبقى تتناقص لصالح الأولاد إلى أن تصبح 100% مسؤوليته كاملة عن نفسه .

في أثناء تناقص وانتقال هذه النسبة للمسؤولية من الأهل إلى الأولاد , وحيث أن الأهل هم المثل الأعلى الأول لهم , تكون المهام الأولى على الأهل , بدأ من العناية به ثم إلى تعليمه كيف يعتني هو بنفسه , ومن تعليمه الخطوات الأولى للمشي إلى أن يسير في هذه الحياة لوحده . ومن تلقينه لفظ الأحرف الأولى والنطق بها إلى أن ينال الشهادات ويلقي ويكتب ويحاضر بنفسه . ومن تعليمه أول كلمات الدين ووحدانية الله الواحد الأحد , والحلال والحرام . إلى أن يصبح شيخا وإماما أو كافرا ملحدا .

فنحن بين ترجيح كفة الميزان من كامل المسؤولية لجهتنا إلى توازن الكفتين في منتصف الطريق إلى جنوحها إلى طرفهم , تكون مهمتنا في وقايتنا لهم من النار .
أما بالنسبة ( وأهليكم ) وهي تشمل الزوجة والأهل , وهنا تعني التوجيه والنصح والتنبيه , لما نتيقن ونشعر أنه الطريق القويم , وليس معناه أن نتسلط عليهم ونجبرهم على آرائنا وأفكارنا حتى لو كنا على صواب ,

ولنا في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة في نصحه لأبيه . ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا : مريم 41/47 ) فحاول أن يقيه النار ولكنه لم يفلح فكان جوابه سلام عليك سأستغفر لك ربي .

وضرب الله لنا مثلا آخر في الأزواج , في نبيين من أنبيائه وهما نوح ولوط عليهم وعلى جميع الرسل الصلاة والسلام ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ : التحريم 10 )
فلم يبين الله لنا أنهما تعرضتا للضرب أو الأذى , أو حتى الطلاق والهجر , بل بقيتا مع زوجيهما إلى أن قضى الله بغرق الأولى , وجعل عقاب الثانية أن أصابها ما أصاب قومها , فأدخلتا النار.

فحدود الوقاية من النار في الزوجة والأهل تختلف عن حدود الوقاية للأولاد .
فكيف نعلم أولادنا وأهلينا الدين الصحيح بعد أن قرأنا واطلعنا وتنورت أفكارنا واقتنعنا بمنهج أهل القرآن ؟

أنزل الله سبحانه وتعالى الرسالات كافة على رسله عليهم السلام , ليبلغونها للناس , كل رسول لمن عاصره من أقوام , وختمها بالرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لتكون للعالمين نذيرا , فهي باقية إلى يوم الدين ومحفوظة بأمر الله ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ : الحجر 9 ) بما سيمر عليها من أمم شتى بمختلف ثقافاتهم وعاداتهم وظروف معيشتهم وتنوع أحوالهم وأماكن سكناهم .

ولذلك لابد لأن تكون هذه الدعوة وتلك الفرائض والحدود والتوصيات , سهلة التطبيق لكل الناس , مرنة الحركة مع تنوع الزمان والمكان , يسيرة الفهم بتغير الأقوام .
فلو أخذت الصلاة مثلا , فهي خمس صلوات في أوقات متفاوتة , لو حسبت زمن أدائها مجتمعة لما وجدتها تستغرق أكثر من نصف ساعة من الأربع والعشرين ساعة باليوم والليلة . ولا أعتقد أن أحدا يستكثر هذه الفترة الزمنية من اليوم لأداء تلك الفريضة . وما عدا ذلك فلك أن تضيف من النوافل ما شئت من الصلوات طالما تحتمل نفسك ووقتك بذلك .

وكذلك الصوم , فصيام شهر كامل من السنة ومجاهدة النفس عليه , وحرية الطعام بالأشهر الأحد عشر الباقية , لا يشعر المرء بقسوة الصيام , وتستطيع النفس القيام به في أي زمن من العام بتغير وقت رمضان على دوام الفصول الأربعة من السنة . ونلاحظ هنا أن الله جل وعلا طبق عقوبة حد المظاهرة في سورة المجادلة ( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ : المجادلة 4,3 ) بفرض صيام شهرين متتابعين , وهو الخيار الثاني , حيث أن الخيار الأول وهو تحرير رقبة مرجح لأن يتنهي مع الأيام بعلم الله , فأصبح الخيار الثاني والثالث هما المطبقان في هذا الحد . ولأن النفس لاتطيق صيام شهرين متتابعين , فكانت عبادة يسيرة في الشهر الواحد وأصبحت عقوبة قاسية في الشهرين المتتابعين , وحتى الخيار الثالث , فهو إلزام النفس على الدفع بما لا تطيق وهو ستين مسكينا , وهو يعلم جلت قدرته حب النفس للقناطير المقنطرة من الذهب والفضة .

نأتي على الحج فهو ركن متروك لقرار صاحبه , فلو قرر أنه غير مستطيع له سبيلا جسديا او ماديا , فهو محاسب بقراره هذا أمام الله , صدقا أو كذبا . ولو فعله فهو مرة في العمر كله .

هذه العبادات الرئيسية وهي الفرائض , تجدها لا تأخذ حيزا كبيرا من الوقت , في الصلوات في اليوم , وفي الصيام بالسنة , وفي الحج بالعمر . ولك بقية الوقت في هذا العمر الذي منحك الله إياه . لتقوم بالتعامل مع الناس بما وصاك الله به في كتابه الكريم من أخلاق الإسلام في عدم الغش في البيع والشراء وبخس الناس أشياءهم , وأن لا تكون بخيلا وبالتالي لا تكون مبذرا , وأن لا تتكبر في الأرض على عباد الله , وكثير من الوصايا المذكورة في آيات الذكر المجيد .

وهكذا نرى أن الله أرسل الرسالة سهلة مرنة , تطيقها الأنفس البشرية على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم الإجتماعية .

من هنا ينطلق مبدأ أهل القرآن , الدعوة إلى الله بالحسنى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ : النحل 125 ) وتوضيح دين الإسلام كما ورد في كتاب الله , ونبذ التشدد وتكفير الآخر ( ... وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ... : آل عمران 159 ) وعدم القسوة في الترغيب والترهيب المتبعة , وسوق الناس إلى الجنة بالعصا, وأمور كثيرة يعرفها الجميع مما قرأ وسمع وشاهد . فالداعي إلى الله بين الناس يجب أن يكون حليما حكيما , فالله أرسل من هو خير منه إلى من هو أسوء منهم , فقد أرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون ومع ذلك قال لهما ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى : طه 44 )

ولنا في رسول الله إسوة حسنة ففي إحدى الغزوات وقبل بدء المعركة جلس عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن ينصره في تلك المعركة وقال " إن تهزم هذه العصبة فلن تعبد في الأرض " فانظر أخي المسلم في كلمة رسول الله عليه الصلاة والسلام , كان يشعر أن هزيمة معركة واحدة قد تؤدي إلى أن لايعبد الله بالأرض بعد ذلك ومعه كبار الصحابة . فمن باب أولى ونحن على بعد أربعة عشر قرنا من رسول الله عليه الصلاة والسلام , أن تكون الفرائض والحدود والمعاملات بين الناس , التي نؤديها ونتعامل بها مع بعضنا البعض في حياتنا, والتي ستستمر بأمر الله إلى قيام الساعة , يسيرة على النفس سهلة التطبيق حتى لاتنفر الناس من الدعوة إلى الله .

فهذه هي أول رسالة ننطلق بها بين أولادنا وأهلينا وأصحابنا , إن كنا بحق قد اقتنعنا أننا من أهل القرآن , وأننا سنحاسب أمام الله على ما طبقنا مما احتوى كتابه العظيم بين دفتيه , أسأل الله الهداية للجميع .

والله تعالى أعلم .

اجمالي القراءات 16035