مسألة ميراث .. ومسألة تقوى وضمير أيضا .!!

آحمد صبحي منصور في الخميس ١٣ - أكتوبر - ٢٠١٦ ١٢:٠٠ صباحاً

مسألة ميراث  .. ومسألة تقوى وضمير أيضا .!!

مقدمة : تلقيت هذه الرسالة ، أنقلها مع التصحيح اللغوى ، وأرد عليها :

( كان والدى تاجرا كبيرا وناجحا . توفى وترك لنا عمارة . فى الدور الأرضى ثلاث محلات ، ثم ست سقق سكنية ، بالاضافة الى قطعة أرض فضاء ، وسيارة نقل ، وورشة نجارة  . نحن ثلاثة أشقاء . الأخ الأكبر كان كسولا مسرفا وطماعا وجشعا ، وهو متزوج وله ثلاثة أولاد . وزوجته مسيطرة عليه وهى مثله فى الاسراف والتبذير  والطمع . كنت فى الجامعة وأخي الصغير فى الثانوى ، وكل حاجة فى يد اخي الكبير وزوجته ، وكانت تكرهنى أنا وأخى ، والحقيقة انا واخي نكرهها أيضا بسبب إن أمى الله يرحمها ماتت غضبانة عليها وابويا أيضا ، وبسبب سيطرتها على زوجها اخى الكبير . لما مات أبونا أصبح كل شىء فى ايدها تتصرف كما تريد . وفى ثلاث سنين باعوا قطعة الأرض والسيارة النقل وصرفوا ثمنهم . بسبب هذا وخوفا على املاكنا خالى  الله يرحمه سافر لى اسيوط لما كنت فى الجامعة هناك ، ورجع بى ، وصمم إن أترك الجامعة وأرجع آخد حقى وحق أخي من يد اخى الكبير وزوجته  . أخويا الكبير زور عقود بتوقيع ابويا يقول أن ابونا باع له العمارة والمحلات الثلاثة فيها وقطعة الأرض والسيارة النقل . وعمل لعبة سجل فيها العقود فى الشهر العقارى بتاريخ سابق على موت ابويا . وأعانه موظفون فاسدون ومحامى فاسد . وبعد جلسات ومفاوضات وتهديد بفضح هم ترك  لى ولأخى الورشة وشقة لكل واحد منا فى العمارة ، واستولى هو على اربع شقق والثلاث محلات على الشارع الرئيسى . أقنعنى خالى الله يرحمه بأن أرضى بهذا وربنا عليه العوض . كنت فى السنة النهائية فى كلية الزراعة ، تركت الكلية وتفرغت لورشة النجارة . وسافر اخويا الصغير للدراسة فى القاهرة وبقيت اشتغل وحدى ومعايا الصنايعية فى الورشة .  عملت ليل نهار وربنا عوّضنا ، والأمور بقت عال العال . فى نفس الوقت أخونا الكبير انتكس حاله ، باع الثلاث محلات وصرف ثمنهم ، وكان على وشك إنه يبيع الشقق الثلاثة لولا إن خالى الله يرحمه منعه . بعدها أصيب أخونا الكبير بالقلب وقعد فى البيت وأصبح عاجزا عن الصرف على أولاده فى الدروس الخصوصية ومحتاجا للدواء ، وقمت أنا بالواجب ، أنا بقيت أقوم بطلبات بيته ومصاريف أولاده ومصاريف علاجه ، وعمل عمليتين توسيع شرايين على حسابى . تزوجت بنت خالى وأنجبت منها طفلين . وفوجئت بأخويا الصغير حصلت له حادثة فى القاهرة ، رجع عندى وهو مصاب بالشلل . وقعد فى شقته . وبقيت بين الشغل ورعاية أخي الكبير وأولاده وأخي الصغير ومرضه وعلاجه . أخي الكبير يأتى عندى فى الورشة وأمام الصنايعية يطلب فلوس ، وياخد الفلوس يقعد بيها على القهوة ويدخل محل الكباب ياكل مع ان اوامر الأطباء لازم ينقص وزنه ، ولا فائدة . وكل مرة أصمم ألا اعطية الفلوس يبكى أمام الصنايعية مثل الطفل الصغير ، يصعب علىّ . مات خالى الله يرحمه . وورثت زوجتى منه شقة كبيرة وقطعة أرض فضاء . بعناهم واشترينا المحل المجاور لنا ووسعنا به الورشة وبنينا فوقها ثلاث أدوار سقق سكنية، واشترينا سيارة نقل لزوم شغلنا .  لكن أخى الصغير أصيب بالتهاب الكبد ، وتورم فى الساق غير معروف سببه ، ودخلنا به المستشفيات الاستثمارية ، ومن غير فائدة . وفى النهاية مات . الله يرحمه . هذا بعد أن إستدنت لعلاجه حوالى مائة الف جنيه زيادة على علاجاته السابقة. المشكلة التى لم أتصورها أن أخي الكبير يريد نصيبه فى ميراث أخي الصغير . بعض أصحابه من زملاء الشيشة والكيف أقنعوه ان له حق النصف فى شقة أخي فى العمارة ، وحق النصف فى الورشة والثلاث أدورا فوقها  وفى السيارة النقل ، وطمّعوه ياخذ حقه ويشتروه منه . وطبعا الست مراته خططت له كل شىء . الحقيقة أولاده الثلاثة رفضوا هذا وأثمر فيهم الجميل لأن أنا الذى صرفت على تعليمهم . لكن هو مصمم على أن يشاركنى رأس برأس فى كل شىء .

الواقع كالآتى :

1 ـ اخويا الكبير ضيع الميراث من والدنا الله يرحمه وبدده ، وأكل حقنا انا وأخى الصغير . وكنت ولا زلت أنفق عليه حتى الآن مع وجود اولاده فى وظائفهم .

2 ـ أخى الصغير ليس له حق إلا شقته التى ورثها عن والدنا . وأخى الصغير كنت أنا الذى أنفق على تعليمه ثم على علاجه .

3 ـ الورشة الآن بتوسعاتها ومافيها وما فوقها هى حصيلة عرقى وتعبى وكفاحى ، وبأموال خالى الله يرحمه ، وبما ورثته زوجتى .

4 ـ اخويا الكبير الذى يطمع فيما لا يستحق ، لو أخذ ما لا يستحق سيبدده كما بدّد ميراث والدى .

أنا متأكد أنه لا يستحق أى شىء فى تركة أخى الصغير . قد يقال إن له النصف فى شقة أخى الصغير ولى النصف، ولكنه أكل حقنا فى  ميراث والدنا من قبل . وهو يهدد الآن برفع قضية لأخذ حقه فى كل شىء ، فى الورشة والشقق والسيارة النقل والسيولة المالية والاثاث فى الورشة .

 إكتشفت شيئا مهما جدا . والدى يرحمه الله ، إسمه المعروف هو ( طلعت  ..فلان ). إسمه الرسمى فى شهادة الميلاد ( محمد طلعت فلان ). كتب شهادة ميلاد أخى الأكبر باسم الشهرة ( طلعت ) وكتب شهادة ميلادى أنا وأخى الصغير باسم ( محمد طلعت ). بالتالى فإسمى وإسم أخى الصغير غير متطابق مع إسم أخى الأكبر ، ولو عملنا إعلام وراثة لن ينفع بسبب إختلاف الأسماء .  وبالتالى فأنا رسميا الوريث الوحيد لأخى الصغير . يعنى ممكن اقول لأخى الأكبر يخبط رأسه فى الحيطة ، وليس له عندى شىء من ناحية القانون . ولكن هى مسألة ضمير عندى . هل يجوز شرعا أن أحرمه من حق له فى الميراث ؟ وهل له فعلا حق فى الميراث .

بالمناسبة أنا قارىء جيد فى موقع أهل القرآن ، وقد طلبت التسجيل فيه ولم تردوا على. وراجعت كل فتاوى الميراث وقرأت كتابكم عن الميراث ، ولم أجد إجابة تفيد فى حالتى . موقعكم ( اهل القرآن ) هو الذى أحدث تغييرا إيجابيا فى حياتى ، واحيا ضميرى . أيضا موت أخى الصغير يرحمه الله فى عزّ شبابه جعلنى أتوقع الموت فى أى لحظة ، ولا أريد أن ألقى ربى سبحانه وتعالى وأنا قد اكلت حق احد ، حتى لو كان مثل أخى الكبير . وحرصى على أولادى الصغار يجعلنى أكثر حرصا على ألا أظلم أحدا . لهذا أطلب منك النصيحة. ماذا أفعل ؟ .

أولا :

 كان يجب عليك فى مرض أخيك الصغير أن تجعله يوصى اليك بجزء من ثروته ، وكان ممكنا ـ ومقبولا من حيث الشرع ـ أن تكتب باسم زوجتك فى حياة اخيك نصيبا لها فى الورشة وما بنيته فوقها وفى السيارة النقل بحسب قيمة اموالها من ميراثها من أبيها والذى صار اليك . على أية حال دعنا نتكلم فى الوضع الحالى كما هو . أنت بيدك بالقانون أن تحرم أخاك الكبير من حقه فى الميراث ، ولكنك تسأل عن حقه الشرعى الذى يرضاه ضميرك ، واقول لك :

1 ـ أخوك المتوفى تنحصر تركته فى الشقة التى ورثها عن أبيكم ، وفى الورشة القديمة أيضا . لا تدخل فى تركته تلك المستجدات التى عملتها أنت بجهدك وعرقك وبأموال زوجتك . هذا كله لك ، ولزوجتك بحسب نسبة أموالها .

2 ـ عليك أن تُقدّر  ــ بسعر اليوم الذى مات فيه أخوك الصغير ــ ثمن شقته وثمن الورشة القديمة . نفترض أن القيمة نصف مليون جنيه. هذه هى تركة اخيك فقط .

3 ـ قبل توزيع التركة يجب قضاء الديون . وأقصد بها الذى إستدنته لعلاج أخيك ، قلت إنه ( مائة ألف جنيه ) الباقى لنقل إنه 400 ألف جنيه . تعطى أخاك الكبير نصف هذا المبلغ ، أى 200 ألف جنيه . ويكون هذا بإيصال، وفيه الإقرار منه بأنه لا حق له عندك بأى حال من الأحوال . ويشهد على هذا أولاده ـ وأفهم إن فى سنّ الرُّشد ـ والمحامى ، ويأخذ هذا الاقرار الصفة الرسمية الموثقة . هذا لتقطع الطريق على أى مشاكل فى المستقبل .

4 ـ قد يرفض أخوك  هذا بتأثير زوجته وأصدقاء السوء . عليك أن تفهمه الوضع القانونى ( إختلاف الإسم ) ، وأنه  ليس له حق قانونى فى الميراث ، وعليه أن يرضى  بما تتفضل به عليه .

5 ـ عليك من الآن أن تحفظ حق زوجتك . أى تقدر نصيبها فى ممتلكاتك بمقدار أموالها ، وتقوم بتسجيل هذا باسمها رسميا .

6 ـ إذا حضر القسمة بعض الأقارب واليتامى والمساكين فأعطهم بعض الشىء تقربا لرب العزة جل وعلا وطاعة لقوله جل وعلا : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)(8 )النساء ).

أخيرا :

1 ـ مرحبا بك فى موقع أهل القرآن . أرسل لى طلبا ثانيا وسيتم تسجيلك لتكون مُعلّقا فى الموقع ملتزما مثلنا بشروط النشر .

2 ـ رسالتك هذه تنُمُّ عن خُلُق إسلامى راق . سواء فى نُبلك مع أخيك الجشع أو فى رعاية أخيك الصغير .

3 ـ المسلم الحقيقى يخاف رب العزة جل وعلا فى موضوع الميراث بالذات . لأنه يعنى أن قريبا له مات ، وهو يرثه ، وسيأتى الموت لهذا الوارث إن عاجلا أو آجلا ، فالموت هنا هو الحاضر الغائب ، والوارث للتركة اليوم سيتركها ويكون هو موروثا غدا . والتركة تنتقل من شخص لآخر ، يموت هذا وذاك ، وتتنقل التركات عبر الأجيال ، الى أن (يرث الله جل وعلا ) الأرض ومن عليها ، يقول جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) 40 ) مريم ) وسنرجع الى رب العزة جل وعلا يوم الحساب وقد تركنا كل شىء ولا يبقى لنا إلا عملنا إن خيرا أو شرا .

4 ـ عملنا هو ميراثنا الباقى الى يوم القيامة . إذا فعل أحدنا شرأ أو قال سوءا ورث قوله أو فعله وجاء يحمله يوم القيامة . احد المشركين ـ وقت نزول القرآن الكريم ـ تفاخر بثرائه ، وقال متندرا : إنه سيأتى يوم القيامة ثريا بأمواله وأولاده . الواقع إنه سيأتى يوم القيامة وقد ( ورث ) هذا القول السىء يحمله فوق ظهره ليُحاسب عليه، يقول جل وعلا:( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) 77 : 80 ) مريم ). تدبر قوله جل وعلا : (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ  ) . ميراثنا فى الآخرة سيشمل كل كلمة وكل فعل . أى لدينا نوعان من الميراث : ميراث دنيوى من الأموال والممتلكات سيفنى ، وميراث يبقى معنا وهو عملنا الصالح أو السىء . المسلم الحقيقى لا يهتم إلا بالميراث الذى سيبقى معه يوم القيامة ، وهو يحرص على أن يكون عمله صالحا وقلبه لربه جل وعلا مخلصا ، أى يحرص على أن يكون ميراثه هذا مقبولا يوم القيامة . وبالتالى لا يجعل حرصه على الميراث الدنيوى الفانى فوق حرصه على الميراث الذى سيدخل به الجنة .

5 ـ المسلم الحقيقى يخاف رب العزة جل وعلا فى موضوع الميراث بالذات ، لأنه لو كان حريصا على أولاده يخشى أن يموت ويتركهم صغارا فعليه أن يتقى الله جل وعلا حتى يحفظ الله جل وعلا أولاده الصغار ، يقول جل وعلا : ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا  ) 9 )  النساء ). ونتذكر فى قصة موسى مع العبد الصالح ـ عليهما السلام ـ  قول العبد الصالح لموسى : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) 82 ) الكهف ). أى لأن أباهما كان صالحا فى حياته فقد حفظ الله جل وعلا لليتيمين كنزهما .

6 ـ المسلم الحقيقى يخاف رب العزة جل وعلا فى موضوع الميراث بالذات ، لأنه مهما بلغ إيمانه فسيدخل النار خالدا مخلدا فيها إذا أكل ميراثا لا حقّ له فيه . تشريع الميراث من حدود الله جل وعلا ، ومن يتعدّ حدود الله فى الميراث فهو خالد فى النار ، ومن ينفذها فهو بإيمانه وتقواه من اصحاب الجنة. بعد تفصيل تشريع الميراث  ، يقول جل وعلا :تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُوَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) 13 : 14 ) النساء ).

7 ـ  تبقى أسئلة مؤلمة : كم من ( المسلمين ) من يطبق حدود الله جل وعلا فى الميراث ؟ هل يعطى ( المسلمون ) حقوق المرأة فى الميراث ؟ هل يعطى الأخ الأكبر حقوق أُخوته الصغار فى ميراث أبيهم ؟ بعيدا عن الجدل فى أن للذكر مثل حظ الأنثيين هل تأخذ الأنثى  فى بلادنا ميراثها الشرعى فى الواقع ؟ .  هل من الممكن أن يراجع كل منا نفسه فى موضوع الميراث ، ليرى هل ظلم قرابته أم لا ؟ إن من أشد الظلم أن يظلم الشخص أقرب الناس اليه . بدلا من رعاية أخوته الصغار يأكل حقهم فى الميراث ، بدلا من حماية أخواته البنات يسلبهن حقوقهن فى الميراث ، هذا يخالف الشرع ، ويخالف  التقوى والضمير أيضا . 

اجمالي القراءات 10111