كيف يظهر في نور القرآن؟

في السبت ٠٦ - فبراير - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً

 

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر : 23]

 

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً [مريم : 58]

 

قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء : 107]

 

وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة : 83]

 

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد : 16]

 

لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر : 21]

 

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف : 29]. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف : 30]. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف : 31]. وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف : 32].

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس : 57]. قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس : 58].

 

أطرح تساؤلا على نفسي ملحا: كيف تَظهر فيَّ هذه المشاعر الرقراقة وهذه السيماء الربانية المشرقة التي أبدع الباري عز وجل في وصفِ تاليي كِتابه بِها في هذه الآيات البينات؟!! وكيف تَظهر فيَّ روح الإنذار قويَّة صادقة مزَعزِعة للأفئدة كتِلك التي ظَهرت لدى الجِن بِمجرد سَماعِهم لشيء مَن القرآن من فَم الرسول الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه؟! وكيفَ أصِل لأن أفرَح بآيات الله البينات بِحيث تَغمر قلبي نورا وإيمانا، وتملأ جوانِحي حبا وعرفانا!! أعني بأيِّ مَنهَج أقارِب الوَحي الإلهي حتى أتمتَّع بِهذه النَّفحات الربانية التي لا شكَّ أن مسلم صادِق في إيمانِه يَتوق إليها ويتَطلّع إلى التفيؤ بِظلالِها؟!

وقبل ذَلكَ: هل هذِه الأمور المَذكورة في هذه الآيات من قَبيلِ الواجِب المتعين أو المندوب المُخيَّر فيه؛ بِحيث يُثاب فاعله ولا يُذمُّ تارِكه؟!

أتَصوَّر أن لا الدراسات النَّحوية والبلاغية والألسنية المهتمة بتحليل النَّص القرآني، ولا الدراسات المهتمة بالإعجاز من مختلف زواياه، ولا الدراسات التفسيرية المستأنسة بِمصادر من خارِج النَّص لمقاربة فَهم القَوانين... قلتُ لا أظن أن شيئا من هذا (على أهميته البالِغة) كَفيل وَحده بإيصالي إلى هَذا المُستوى الروحاني الرَّفيع؛ ودليل الوُقوع أصدَق دليل كَما يَقولون!! فكَم شاهدنا وبَلغنا مِن نَوابِغ في بَعض مما ذَكرنا أو علوم أخرى وفنون لم نَذكرها أبعَد النّاس عن تِلكم المُستويات الرَّاقية مُفعَمين إلى النُّخاع بالأمراض والأرجاس سِيَما أمراض القَلب؛ كالحَسد والأنانية والكِبر؛ بل لَم يَتوَفَّر عندَ بَعضِهم الحد الأدنى من الإيمان؛ كما هو الشأن عند بَعض اللائكيين والماركسيين الذين هووا الدراسات القرآنية في إحدى فروعِها وتخصصاتِها!! وفي المُقابِل نَجد بَعض الأعاجِم وبَعض العَوام الذين لم يَتوفَّر لهم من تِلك المَعارف إلا النَّزر اليسير أو لا يَكاد يوجَد أصلا... نَجِدهم خاشعي القُلوب، دامعي الأعين، أبعَد النّاس عن المَحارِم، أسرَع الناس إلى التوبة والإنابة!! فَهذه مُفارقة حقا!!

أدرَكت بعدَ تأمُّل أنَّ القُرآن الكَريم إنَّما نَزل لِيعمُر القًلب قَبل أن يُخاطِبَ العَقل؛ ويطهِّر الأفئدة قبلَ أن يُصحح التَّصورات؛ بل أستَطيع أن أَقول إنَّ الثاني إنما هو وسيلة إلى الأوَّل وَمُمهِّد له ومُقوِّم له من أن يُرهَف بإحساس أو يتأجَّج بِعاطِفة لا أساسَ لها ولا وَزن في المعايير الإلهية القُرآنية!! ]وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء : 192]. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء : 193]. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ[ [الشعراء : 194]... ولم يُخطِئ أصحاب التَّصوف حينَما قالوا أنَّ الدين مبني على الحُب، وأنَّ الحب مَحلُّه القلب؛ هذا طَبعا إن وُظِّفَت عبارتهم في مَحلِّها اللائق ولم يُشتَط بها!!

فإذا كانَ هذا مُتقَرِّرا ثابتا فلِم التَّوجه إذَن في خِدمَتنا للنَّص القُرآني(على قِلَّته مُقارنَة بما يبذل فيما يسمى بالدراسات الفِكرية مثلا) إلى ما يَعمر العَقل ويَحشو الدِّماغ بِمختَلفِ أنواع المَعارِف ثم تَبقى الأفئدة فارِغة هَواء بعدَ ذَلك!! لا نُورَ ولا خشوع ولا دُموع!! هلَّا فكَّرنا في وَسائِل ومَناهِج ومَشاريع تُساهِم في الجانِب الأهم والأعظم؛ وهو استِقرار القرآن في القُلوب حتى تتوَجّه مسرِعة صادِقة إلى علام الغيوب!!أحاجَتُنا مِن القرآن عَقلية لغوية بَحتة أم أنَّ هُناك جوانب هِدائية وإيمانية أخرى لا تَزال مُغفَلة مًهمَلة؟! هذَا إذا فَرضنا أنَّ تِلك الدراسات تَخدم القُرآن فِعلا، وتُقدِّم إضافة نوعية إلى الدَّرس القرآني؛ وإلا فإنَّ المُلاحِظ أنَّ الكَثير مِنها مُجتر، وبعض منها يَصدق فَحواه على أيِّ شيء غير القُرآن!!

أومِن جازِما أنَّه لابد لي من الضَّبط العِلمي إلى أقصى حدوده (ولا حدَّ له أبدا)، وأومِن أنَّ النَّص القرآني بَحر زاخِر لا حُدود لعطائِه، وأنه لابدَّ لي من الاستفادة من أيِّ إنسان في الكَون مسلِما كان أم كافرا؛ حيا كانَ أو ميِّتا قدَّم شيئا لِخدمة الوَحي القرآني من أيِّ مدخل ثبتت مِصداقيَّته ونجاعَته وِفق المعايير القرآنية نَفسِها!! والاستفادة من أيِّ منهَج ثبتت صلاحيته لاستِدرار الدلالات واستنباط المعاني واللطائف والإشارات!! بيدَ أنِّي أومِن في الوَقت نَفسِه أنَّ واجِبي معَ القرآن لا يَنتَهي عند تَصنيف المصنَّفات؛ وكتابة المقالات، وتدوين الرَّسائل، وإعداد الأطروحات!! بل لابُدَّ بعدَ ذَلك من القراءة التَّدبرية الخاشِعة المُستحضرة للمعاني، والمتمثلة للأوامر والنَّواهي، والمعايِشةِ للمَواقِف والمَشاهِد والأحداث التي يُصورها البَيان القُرآني، والمُتفاعِلة مع نواميس الكَون وأشيائِه... وتَعهد حِلق الذِّكر والجَلسات الأخوية الإيمانية سيَما في الأوقات المُبارَكات كوَقتِ قيام الليل والبكرة والأصيل، والتَّربُّصات القرآنية المُغلقَة المُعقَّمة، ثمَّ تَبليغ تِلك الدرر والقَوانين ما استَطعت في الآفاق؛ فبِذَلِك أحصل على نور القُرآن وروحِه، ويَفتحُ الله عليَّ وبي فتوحا عَظيمة!! يا ربِّ وفِّقني إلى ذَلِك فإنِّي أشهَد لكَ بأنِّي فَقير إلى تأييدِك وتسديدك وعَونِك!!

 وألاحِظ هُنا أن ليست كلُّ المَواضيع القرآنية سواء في احتياجِها إلى الضَّبط العِلمي، وأنَّ بعضا مِنها له مُستويات في الضَّبط تختَلف في وُجوبيَّتِها وتعيُّنِها؛ كشأن بعض المَواضيع الكونية مَثلا!

خُذ لكَ مَوضوع أوصاف الجَنَّة وأوصاف النَّار الذي يشغَل قِسطا لا بأسَ به من النَّص القُرآني! أليسَ يَحتاج في ضَبطِه إلى شيء من استِقراء الآيات وتَصفيفِها مَوضوعيا، والعَودة إلى أبسَط المعاجم اللغوية لِفَهم بَعض المفردات الغَريبة؛ فإذا بالمَوضوع مستويا على سوقِه؟! كم يأخذ منِّي؟ يوم، يومين، ثلاث، لا أظن أكثر!! أليسَ دَوري الأكبَر بعدَ ذَلِك كيف أتصَوَّر تِلك الأوصاف مَشاهِد متحركة، وأتَخيل نَفسي وكأنِّي أعيشُها رِئي العَين؛ فتهتزُّ نَفسي شوقا إلى الجَنة ونعيمِها، وتضطرب فَرقا من النّار وجحيمِها!! ألَست بَعد ذَلِك مُطالبا أن أجلِسَ مع النَّاس (كوني طالِبَ علم) فأحاوِل أن أوصِلهم إلى نَفس الإحساس في قالب إيماني ضارع خاشع؟! أأدرَكت معي أيها القارئ الكَريم أنَّ دورنا مع القرآن أبعد من مُجرد الدِّراسة وارتياد الجامِعة؟!

هذا ما يوفق الله إليه عباده المخلصون؛ فَيجمَعون  بين الضَّبط العِلمي الدقيق، والإيمان الجُوّاني العَميق، والتبليغ النوراني الرفيق ؛فيوُفِّقون بِحمد الله أبلَغ توفيق، وتظهر ثمراتهم يانِعة في الشانئ والصَّديق!!

جَعلني الله وإيَّاكَ من الذين يُمَسِّكون بالكِتاب بِقوَّة، ويتلونه حقَّ تِلاوَته!!

]الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[ [البقرة : 121].

]فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ [الزخرف : 43].

والسلام عليكم