الغلاء يغير مائدة المصريين: تراجع الجبن المستورد لصالح المش والقريش

في السبت ٣١ - أكتوبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

كشف مهرجان شعبي سنوي لمنتجي وموزعي الأجبان عن عودة "المش"، أحد أقدم أنواع الجبن المصري، والجبن "القريش" المستخرج من الألبان البلدية الطازجة، إلى قائمة اهتمامات المستهلكين، بعد سنوات تربعت فيها الأجبان المستوردة والمحلية الفاخرة على قوائم مشتريات قطاعات من المصريين. وفي جولة ميدانية بالمهرجان، الذي استمرت فعالياته أربعة أيام تحت رعاية محافظ القاهرة إبراهيم صابر، رصد "العربي الجديد" تحولاً في اختيارات المستهلكين الذين توافدوا بأعداد كبيرة للتعرف على المنتجات ومقارنة أسعارها، مدفوعين بتراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار منتجات الألبان، التي شهدت زيادة بنحو 25% في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وفقاً لرصد الأسعار المتاح.

يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد المنشورة خلال العامين الأخيرين، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة.

هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.

كانت السيدة الخمسينية راوية القشيري واحدة من هؤلاء الزوار الذين ذهبوا إلى المهرجان بحثاً عن فرصة للتعرف على ما يعرضه السوق من أجبان، لكنها وجدت نفسها بعد جولة استغرقت ساعات أمام خيارات لم تكن جميعها في متناول ميزانية أسرتها. تنقلت راوية بين أجنحة الشركات، واطلعت على قوائم الأسعار التي شملت أصنافاً محلية ومستوردة، قبل أن تستقر على المش المصري والجبن القريش، اللذين احتفظا بأسعار أكثر ملاءمة للأسر محدودة الدخل ومتوسطته، أما بقية الأصناف، فاكتفت بتذوق بعضها، بعدما تحول المهرجان بالنسبة إليها من فرصة للتسوق إلى مساحة لاكتشاف منتجات يصعب شراؤها بالأسعار المعروضة.

تراجع أسعار الأجبان المحلية
من جانبها قالت زائرة تدعى ياسمين علي لـ "العربي الجديد"، إنها اعتادت زيارة المهرجان، مؤكدة شراءها من العروض التي قدمتها معظم الشركات المشاركة، لأن الأسعار في متناول الجمهور حيث تراوح ما بين 240 و250 جنيهاً (نحو 4.5 دولارات). تعكس شهادة المتسوقة جانباً آخر من حركة الشراء داخل المهرجان، إذ وجد بعض الزوار في العروض فرصة لشراء منتجات متنوعة، في مقابل زوار آخرين دفعتهم حسابات الميزانية إلى الاكتفاء بأصناف أقل سعراً. تكشف قوائم الأسعار التي رصدتها الجولة عن فجوة واسعة بين المنتجات التقليدية والأجبان المتخصصة، حيث بلغ سعر عبوة الجبن الريكفورد المستورد من شركة أفانتي، بوزن 200 غرام، 510 جنيهات بعد التخفيض، بما يعادل 2550 جنيهاً للكيلوغرام، بينما عرض أحد المنتجين الجبن القريش الطبيعي بسعر 490 جنيهاً لعبوة وزنها أربعة كيلوغرامات، أي 122.5 جنيهاً للكيلوغرام، وبذلك يزيد سعر الكيلوغرام من الريكفورد على سعر الجبن القريش بأكثر من عشرين ضعفاً.

لا تعكس الفجوة اختلاف طبيعة المنتجين فحسب، وإنما تكشف أيضاً اتساع الشرائح السعرية في سوق الأجبان، في وقت أصبحت فيه القدرة على تحمل السعر عاملاً حاسماً في تحديد اختيارات الأسر. لم تقتصر الفروق على الأجبان المستوردة، إذ أظهرت القوائم تفاوتاً في أسعار الأصناف المحلية أيضاً حيث سجل "المش المصري" مثالاً على أثر حجم العبوة في تكلفة الشراء، إذ بلغ سعر عبوة وزنها 500 غرام 75 جنيهاً، مقابل 420 جنيهاً لعبوة خمسة كيلوغرامات. ويهبط سعر الكيلوغرام من 150 جنيهاً في العبوة الصغيرة إلى 84 جنيهاً في العبوة الأكبر، بما يجعل شراء الكميات الكبيرة أقل تكلفة للوحدة. عرضت القوائم الجبن القريش الطبيعي بسعر 65 جنيهاً لعبوة نصف كيلوغرام، إلى جانب عبوات أكبر تتيح خفض تكلفة الكيلوغرام.

مهرجان الجبن المصري، القاهرة 31 أكتوبر 2026 (العربي الجديد)
تراجعت أسعار الجبن المصري المحلي مقابل المستورد
وتكشف الفروق أن المستهلك لا يقارن بين أنواع الجبن فحسب، بل بين أحجام العبوات أيضا، محاولاً الموازنة بين السعر الإجمالي وما يحصل عليه مقابل كل جنيه ينفقه. تظهر المقارنة بين قوائم الشركات أن التفاوت السعري يمتد إلى المنتجات المحلية المتشابهة في أسمائها وأوزانها. ويرجع المنتجون تفاوت السعر في نوع الجبن المحلي نفسه إلى استخدام النوع الدمياطي حليب بلدي بدون إضافات من منتجات الألبان الجافة والمواد الدهنية المصنعة. كما توضح المقارنة أن اختلاف الأسعار لا يرتبط فقط بكون المنتج محلياً أو مستورداً، بل يمتد إلى العلامة التجارية والخامات وطريقة التصنيع وحجم العبوة.

أوضاع السوق تضغط على المنتجين
وتضع المنافسة المنتجين الذين يتمسكون باستخدام اللبن الطبيعي أمام معادلة صعبة، فارتفاع تكلفة اللبن الخام ومستلزمات الإنتاج التي تأتي أغلبها من الخارج، والتعبئة والتخزين والتوزيع يضغط على هوامش العائد والربح، بينما يحد تراجع القدرة الشرائية من قدرتهم على تمرير الزيادات إلى المستهلكين من دون المخاطرة بخسارة جزء من الطلب المتراجع سنوياً، وفقاً لتقديرات رسمية. تظهر الجولة في المعرض أن الضغوط لم تعد قاصرة على الأسعار، إذ تواجه صناعة الألبان أيضاً تغيرات في سلوك المستهلكين، من بينها انتشار دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار "الطيبات"، تحث على تجنب بعض المنتجات الغذائية، ومنها الأجبان، لأسباب صحية.

مهرجان الجبن المصري، القاهرة 31 أكتوبر 2026 (العربي الجديد)
تواجه صناعة الألبان أيضاً تغيرات في سلوك المستهلكين
أضافت هذه الدعوات تحدياً تسويقياً إلى سوق يعاني بالفعل ارتفاع التكاليف وتراجع قدرة قطاعات من المستهلكين على الشراء، وإن لم تتوافر بيانات تحدد أثرها الفعلي على حجم المبيعات. وبدا أثر هذه الضغوط واضحاً في حركة الزوار داخل المهرجان؛ إذ لم تكن الجولة بين الأجنحة مجرد مشاهدة للمنتجات أو تذوقها، بل تحولت إلى عملية مقارنة مستمرة بين الأسعار والأوزان والعروض. وكان الزائر ينتقل من قائمة إلى أخرى، ويسأل عن سعر العبوة وحجمها، قبل أن يقرر الشراء أو يكتفي بالتذوق. وفي هذا المشهد، لم تكن كثافة الحضور دليلاً بالضرورة على انتعاش المبيعات، بقدر ما عكست اهتماماً بالبحث عن بدائل أقل تكلفة.

ويسعى مهرجان الجبن المصري إلى إعادة بناء الثقة بين المنتجين والمستهلكين، عبر إتاحة تذوق المنتجات والتعرف على أنواعها ومراحل تصنيعها، إلى جانب تقديم عروض ترويجية تجمع شركات محلية ومنتجين لأصناف مختلفة. كما يتيح للعارضين اختبار استجابة الجمهور لمنتجاتهم في سوق تتغير فيه الأولويات تحت ضغط الأسعار. لكن تجربتي تسوق راوية القشيري وياسمين علي، تكشفان أن استعادة ثقة المستهلك لا تنفصل عن قدرته على الشراء، وإن اختلفت استجابة كل منهما للعروض والأسعار. فبينما انتهت راوية إلى اختيار المش والجبن القريش، وجدت ياسمين فرصة لشراء منتجات من شركات متعددة، معتبرة أن أسعار بعض المنتجات الطبيعية مناسبة.ويظل التذوق المجاني والعروض وسيلتين لجذب المستهلكين، لكن قرار الشراء يرتبط في النهاية بميزانية الأسرة وما يتبقى من دخلها بعد تلبية الاحتياجات الأساسية. وبين منتجين يحاولون الحفاظ على جودة الخامات ومواجهة تضخم تكاليف الإنتاج، وعارضين يقدمون أجباناً مستوردة بأسعار مرتفعة، ومستهلكين يعيدون اكتشاف المش والجبن القريش، تكشف أروقة المهرجان عن تحول يتجاوز تفضيلات الطعام إلى صورة أوسع من الضغوط الاقتصادية التي تعيد تشكيل مائدة المصريين.