جدول زمني لانسحاب القوات التركية من العراق

في الخميس ١٥ - أكتوبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

كشف الناطق العسكري باسم الحكومة العراقية، صباح النعمان، عن جدول زمني يمتد إلى ثلاثة أشهر لإنهاء الوجود العسكري التركي في القواعد شمالي البلاد، موضحاً أن الترتيبات الخاصة باستلام القواعد العسكرية تجري بصورة تدريجية. وقال النعمان، في تصريحات صحافية ببغداد، إن "التوجه الحكومي العراقي النهائي يتمثل في إنهاء وجود القواعد والقوات الأجنبية على كامل الأراضي العراقية، بما يعزز السيادة الوطنية واستقلال القرار الأمني"، مؤكداً "قرب وصول منظومات دفاع جوي ورادارات بعيدة المدى إلى العراق، ضمن تعاقدات أبرمتها الحكومة مع شركات ودول عالمية".وأضاف أن الحكومة وضعت جدولاً زمنياً للتحرك خلال الشهرين إلى الأشهر الثلاثة المقبلة لإنهاء الوجود العسكري التركي في القواعد شمالي البلاد، موضحاً أن الترتيبات الخاصة باستلام القواعد العسكرية تجري بصورة تدريجية. ولم يكشف المتحدث العراقي عن أي تفاصيل أخرى، لكن مسؤولا بارزا في بغداد، كشف لـ"العربي الجديد"، عن قرب توجه وفد عسكري واستخباراتي عراقي إلى أنقرة لبحث الملف.

وبيّن أن العراق يريد سحباً تدريجياً للقوات التركية، والبداية ستكون من معسكر بعشيقة في نينوى، تتبعها المناطق الحدودية، التي ترتبط بشكل مباشر في عملية السلام مع منظمة حزب العمال الكردستاني، والدولة التركية، مضيفا أن مسألة الإنهاء الكلي تأخذ وقتاً، غير أن المهم هو البدء بها، ومن حق تركيا بناء أسوار أو مصدات أمنية على حدودها مع العراق، بدلا من البقاء داخل العمق العراقي".

والشهر الماضي، اجتمع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في نيويورك. وعلى الأثر، صدر بيان عراقي تركي مشترك، أظهر اتفاقاً نهائياً على "بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار، وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة"، وهي الجماعات التابعة لحزب العمال الكردستاني. وبحسب البيان المشترك، تسلّم تركيا معسكر بعشيقة - زليكان إلى الحكومة العراقية تدريجياً، وفق الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما.ونص البيان على انسحاب القوات التركية من معسكر بعشيقة، المعروف أيضاً بمعسكر زليكان، وذلك بموجب ورقة تفاهم تقضي ببسط الدولة العراقية سلطتها على مدينة سنجار بالكامل، وتفكيك أذرع حزب العمال الكردستاني وإنهاء وجوده فيها، على أن تسحب أنقرة قواتها من الموقع تدريجياً وتغادر محافظة نينوى الحدودية مع سورية، وعاصمتها المحلية الموصل.

وتقع قاعدة بعشيقة، أو زليكان العسكرية، في محافظة نينوى شمالي العراق، على بعد نحو 10 كيلومترات من بلدة بعشيقة ونحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الموصل. وتحمل القاعدة اسم زليكان نسبة إلى القرية التي تقع فيها، على رأس مرتفع جبلي متوسط الارتفاع، لكنها اشتهرت سياسياً وإعلامياً باسم قاعدة بعشيقة. وأسست القاعدة في مارس/ آذار 2015، خلال ذروة سيطرة تنظيم داعش على الموصل. وكان هدفها تدريب القوات التركية ومسلحي "حرس نينوى"، وهم متطوعون من أهالي نينوى لقتال مسلحي تنظيم "داعش".

وقدمت القوات التركية، التي بلغ عدد أفرادها بضع مئات من الجنود، ومعها مدرعات وأسلحة دفاعية ومدفعية، برامج تدريب وتجهيز للقوات المتصدية لتنظيم "داعش" آنذاك. وعندما بدأت عمليات تحرير الموصل في منتصف عام 2016، شارك نحو ألفي مقاتل من "حرس نينوى"، الذين تلقوا تدريباً تركياً، في العملية ضد "داعش".

كما استخدمت القوات التركية المدفعية من منطقة بعشيقة ضد مواقع التنظيم في بعض مراحل القتال. لكن تمدد حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة ووصوله إلى مدينة سنجار أدّيا لاحقاً إلى تغيير كامل في واقع المعسكر؛ إذ انتقلت نظرة تركيا إلى معسكر بعشيقة من موقع لدعم المقاتلين المناوئين لـ"داعش" وتدريبهم إلى موقع ذي أهمية أمنية لها، خصوصاً مع تحوّل سنجار إلى معقل جديد للحزب، وقربها من سورية، وتعاون الحزب مع "قسد".

والاثنين، نقلت وكالة "رويترز"، عن مصادر أمنية تركية قولها إن مقاتلين تابعين لجماعة حزب العمال الكردستاني انسحبوا من أربعة معسكرات في شمال العراق في أولى "الخطوات العملية" مقررة لحل للجماعة. وتؤكد هذه المعلومات، إعلانات الحكومة عبر الإعلام الرسمي، وتصاريح المتحدثين المقربين من رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، حول تطورات الوضع الحال لحزب العمال، وإنهاء وجوده المسلح في مناطق شمال العراق.

في السياق، قال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني (الحاكم في أربيل) وفا محمد كريم، إن "الانسحاب التركي من معسكر بعشيقة هو بداية لانسحاب القوات من باقي قواعدها في إقليم كردستان"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "ملف الوجود التركي مرتبط بسلاح حزب العمال الكردستاني وتمترسه في قواعده المعروفة والمخفية، وطالما أن التطورات تمضي لحل ملف الحزب، فإن الانفراجة ستتحقق بالضرورة بما يتعلق بتراجع الوجود التركي وصولاً إلى نهايته".وأضاف محمد كريم أن "العمال كانوا قد بدؤوا بالفعل بإخلاء مقراتهم في مناطق جبل كاره وكورك في دهوك وأربيل"، مستكملاً حديثه بأن "العمال الكردستاني بلغ حالة من التقدم بالتفكير والاتفاقات مع الحكومتين العراقية والتركية، بأنه عازم على تغيير مساره والتوجه نحو العمل المدني والسياسي وترك السلاح، بعد عقود من القتال، تماشياً مع الوضع العالمي والإقليمي الذي يمضي بالكامل نحو حصر سلاح الجماعات الخارجة عن الدول وتحقيق حالة السلام".

وفي حديثٍ سابق مع "العربي الجديد"، قال وزير البيشمركة السابق في حكومة إقليم كردستان جبار الياور، إن "عدد القواعد العسكرية التركية الموجودة شمالي العراق يبلغ نحو 80 قاعدة، وهي متنوعة بين معسكر كبير وصغير، وموزعة بين إربيل ودهوك ونينوى، على طول الحدود العراقية ــ التركية.. وأن قسماً من القواعد العسكرية التركية، منتشر بعمق 10 كيلومترات في بعض الأراضي العراقية، وبنحو 40 كيلومتراً في مواقع أخرى، على امتداد 200 كيلومتر على طول حدود البلدين".وبحسب الياور، فإن "عديد القوات التركية في العراق لا يقل عن 5 آلاف جندي، في قواعد يحوي بعضها آليات عسكرية مختلفة من المدفعية والمدرعات وغيرها، وبعضها الآخر يمتلك مهابط للطيران المروحي، وأماكن مخصصة للطائرات المسيّرة".

من جانبه، أشار الباحث في الشأن الكردي ميران سعيد، إلى أن "رحيل القوات التركية لا يعني أن تركيا ستشعر بالأمان من احتمالات الاختراقات التي قد تستهدف حدودها، لا سيما أن حزب العمال الكردستاني لا يُجمع بالكامل على إنهاء الوضع المسلح ونهاية العمليات العسكرية، لذلك سمعنا بالفترة الماضية عن انقسامات داخل قيادة الحزب"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة التركية ستلتزم بالاتفاق مع الحكومة العراقية بشأن التوقيتات الزمنية، لكن المخاوف من محاولات العرقلة التي قد تفتعلها جهات تتضرر من هذا الاتفاق".

ومنذ منتصف عام 2021، تستهدف العمليات العسكرية التركية البرية والجوية مقار حزب العمال الكردستاني ومسلحيه في الشمال العراقي، تحديداً مناطق ضمن إقليم كردستان الواقعة بغالبيتها بمحاذاة الحدود مع تركيا، حيث يتخذ الحزب منها منطلقاً لعملياته في الداخل التركي. ووفقاً لبيانات وزارة الدفاع التركية، فإن مئات من مسلحي "الكردستاني" قُتلوا على يد القوات التركية خلال الفترة الماضية، فضلاً عن تدمير مقار ومخازن سلاح ضخمة تابعة للحزب، ما أدى إلى انحسار انتشاره الجغرافي على الحدود العراقية ـ التركية. ويُقدر عديد القوات التركية في شمال العراق بما لا يقل عن 5 آلاف جندي بينما تشير تقديرات أخرى متفرقة إلى أعداد تتراوح بين 2500 إلى 10 آلاف جندي أو أكثر.