أحد أقاليم شمال إثيوبيا وأكثرها ارتباطا بتاريخ البلاد السياسي والعسكري. يتميز بموقعه الحدودي مع إريتريا والسودان، وتضاريسه الجبلية والهضاب المرتفعة، كما يحتضن مدينة أكسوم التاريخية، المرتبطة بإرث مملكة أكسوم القديمة.
شهد تيغراي صراعات متكررة مع السلطة المركزية، قبل أن يتحول إلى مركز لصراع مسلح واسع مع الحكومة الفيدرالية بين عامي 2020 و2022، انتهى باتفاق سلام في بريتوريا. ومع تجدد التوتر والقتال عام 2026، عاد الإقليم إلى واجهة المشهد الإثيوبي، وسط تداعيات إنسانية وأمنية وإقليمية.الموقع والمساحة
يقع إقليم تيغراي في أقصى شمال إثيوبيا، ويحاذي إريتريا شمالا، والسودان غربا، وإقليم عفر شرقا، وإقليم أمهرة جنوبا. وتبلغ مساحته نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتغلب على طبيعته التضاريس الجبلية الوعرة والهضاب المرتفعة.
وتُعد ميكيلي العاصمة الإدارية والاقتصادية للإقليم، فيما تضم أبرز مدنه التاريخية أكسوم وشاير وأدوا. وينتمي معظم سكانه إلى قومية التيغراي، ويتحدثون اللغة التغرينية.
خريطة أثيوبيا يظهر موقع إقليم تيغراي
(الجزيرة)
التاريخ
تعود الجذور الحضارية للإقليم إلى مملكة أكسوم التي نشأت في القرن الأول الميلادي، وتحولت إلى قوة سياسية وتجارية بارزة في العالم القديم. ويضم تيغراي عددا من أبرز المواقع التاريخية المرتبطة بهذه المرحلة، بينها أكسوم وأدوا وشاير، إضافة إلى قرية النجاشي المرتبطة بذكرى الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة.
شهد إقليم تيغراي خلال أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين صراعا متواصلا مع السلطة المركزية، ارتبط بمحاولات توسيع نفوذ الدولة الإثيوبية وإعادة رسم حدود الإقليم وتقليص نفوذ القوى المحلية فيه.
وأثناء فترة حكم الملك منليك الثاني (1889–1913)، تعرض أبناء تيغراي لإجراءات قمعية هدفت إلى الحد من أي مقاومة للسلطة المركزية. وفي عام 1889، أبرم منليك معاهدتي ووتشالي وفيريس ماي مع إيطاليا، وأسفرت الترتيبات المرتبطة بهما عن انتقال أراضٍ في شمال تيغراي إلى النفوذ الإيطالي، وهي المناطق التي أصبحت لاحقا جزءا من إريتريا. كما اقتُطعت أجزاء من غرب تيغراي وأُلحقت بإقليم بجمدر، الذي عرف لاحقا بمنطقة غوندر في أمهرة.
كنيسة أبريها وعتصبه الأرثوذكسية القديمة على سفح الجبل في إقليم تيغراي (أدوبي ستوك)
أما في عهد الإمبراطور هايلي سيلاسي (1930–1974) استمرت إعادة تقسيم أجزاء من أراضي تيغراي وتعزيز سيطرة المركز على الإقليم. وتصاعد التوتر عام 1943 مع اندلاع ثورة وياني الأولى، التي قادها تيغرانيون ضد السلطة الإمبراطورية.
ولإخماد الثورة، استعان سيلاسي بسلاح الجو الملكي البريطاني، الذي نفذ قصفا جويا استمر أسبوعين وألقى خلاله 116 قنبلة. وبعد هزيمة الثورة، فُرضت على الإقليم إجراءات اقتصادية مشددة وضرائب مرتفعة، إلى جانب قيود على التعليم الحديث. كما واجه الإقليم أزمات غذائية خلال مجاعتي 1958 و1964، وسط اتهامات بتجاهل السلطات للمجاعة وحجب المساعدات عنه.
جبهة تحرير شعب تيغراي
بعد الإطاحة بهايلي سيلاسي عام 1974، دخل تيغراي مرحلة جديدة من الصراع مع نظام الدرغ العسكري. وفي عام 1975 تأسست جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) لمقاومة النظام، وخاضت إلى جانب فصائل أخرى حربا طويلة، ترافقت مع مجاعة واسعة في ثمانينيات القرن العشرين وقصف مناطق مدنية، من أبرزها قصف سوق حوزين عام 1988.
إقليم تيغراي تغلب على طبيعته التضاريس الجبلية الوعرة والهضاب المرتفعة (أدوبي ستوك)
إسقاط الدرغ وصعود تيغراي
في عام 1991، شاركت جبهة تحرير شعب تيغراي ضمن ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) في إسقاط نظام الدرغ، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم الفيدرالي القائم على أساس قومي. وفي العقود التالية، اكتسبت الجبهة نفوذا واسعا داخل مؤسسات الدولة، خصوصا في عهد رئيس الوزراء ميليس زيناوي الذي تولى رئاسة الحكومة من 1991 حتى وفاته عام 2012.
وفي هذه المرحلة، خاضت إثيوبيا حربا حدودية مع إريتريا بين عامي 1998 و2000، لتدخل بعدها العلاقات بين البلدين مرحلة طويلة من التوتر والعداء الدبلوماسي.
ومنذ عام 2018، تراجع نفوذ جبهة تيغراي مع صعود "آبي أحمد" إلى رئاسة الحكومة، وإعادة تشكيل الائتلاف الحاكم وتأسيس حزب الازدهار عام 2019، بينما رفضت جبهة تيغراي الانضمام إليه.
وتصاعد الخلاف بين الطرفين بعد إجراء الإقليم انتخاباته الخاصة في سبتمبر/أيلول 2020، في تحدٍّ لقرار الحكومة الفيدرالية تأجيل الانتخابات الوطنية بسبب جائحة كورونا، لتتجه العلاقة بين الطرفين نحو مواجهة مفتوحة.
(أدوبي ستوك)
طريق أسفلتي يمتد عبر المناطق الداخلية باتجاه جبال غيرالتا في إقليم تيغراي (أدوبي ستوك)
حرب تيغراي
اندلعت الحرب في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، عندما بدأت الحكومة الفيدرالية عملية عسكرية في تيغراي عقب اتهام جبهة تيغراي بمهاجمة قاعدة للجيش الإثيوبي. وشاركت إلى جانب القوات الفيدرالية قوات إريترية وميليشيات من إقليم أمهرة.
وفي المقابل، تمكنت قوات دفاع تيغراي من استعادة ميكيلي وأجزاء واسعة من الإقليم في يونيو/حزيران 2021. وخلفت الحرب أزمة إنسانية واسعة النطاق، شملت سقوط أعداد كبيرة من القتلى ونزوح أكثر من مليوني شخص، إلى جانب تقارير عن مجازر وانتهاكات واسعة.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وقعت الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، ونص على مسار لنزع سلاح قوات الإقليم وإعادة بناء الإدارة الفيدرالية.
إلا أن عددا من الملفات ظل عالقا، أبرزها وضع الأراضي المتنازع عليها في غرب تيغراي، وعودة النازحين، واستكمال عملية نزع السلاح، مما أبقى عددا من أسباب التوتر دون تسوية نهائية.
(أدوبي ستوك)
إقليم تيغراي ينتمي معظم سكانه إلى قومية التيغراي ويتحدثون اللغة التغرينية (أدوبي ستوك)
تجدد القتال
في سبتمبر/أيلول 2026 عاد القتال إلى إقليم تيغراي، في تصعيد واسع أعاد المنطقة إلى أجواء الحرب، بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022.
وانضمت جبهة تحرير شعب تيغراي إلى تحالف مسلح يضم سبعة تنظيمات، أبرزها ميليشيات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، بهدف الإطاحة بحكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية. وأعلنت سلطات تيغراي دخول الإقليم في حرب شاملة، فيما سيطرت قوات الجبهة على مطار ميكيلي ومطارات أخرى.
ميدانيا، تقدم الجيش الإثيوبي في جنوب تيغراي وسيطر على ألاماطا، بينما نفذت القوات الفيدرالية غارات بطائرات مسيّرة داخل الإقليم.
متظاهرون في فعالية لدعم القوات الحكومية التي تقاتل جبهة تحرير شعب تيغراي في إقليم أمهرا (غيتي)
وفي المقابل، توسعت قوات تيغراي شرقا إلى إقليم عفر وسيطرت على بلدة إربتي، في محاولة للضغط على طرق الإمداد القادمة من جيبوتي.
وترافق التصعيد مع اتهامات بتدخل إريتري ودعم خارجي لأطراف الصراع، إلى جانب انقطاع الاتصالات والكهرباء والخدمات المصرفية في مناطق من شمال إثيوبيا. كما أدت المعارك إلى موجات نزوح جديدة، بينها أكثر من 150 ألف نازح في عفر، وسط دعوات من الاتحاد الأفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي لوقف القتال والعودة إلى مسار اتفاق بريتوريا.