دانت محكمة إيطالية، الاثنين، ثلاثة ضباط أمن مصريين بتهمة اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016، قبل تعرضه للتعذيب ومقتله، في قضية تسببت في توتر العلاقات الدبلوماسية بين إيطاليا ومصر. وحُكم على الضباط الذين دينوا جميعاً غيابيّاً بالسجن عشر سنوات لكل منهم، فيما برّأت المحكمة متهماً رابعاً وأسقطت تهمة القتل الموجهة في القضية.
وقضت المحكمة بإدانة الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، من المخابرات العامة، والعقيدين آسر كمال محمد إبراهيم وهشام حلمي، بتهمة الاختطاف المشدد لريجيني، بينما برّأت اللواء طارق صابر، الرئيس السابق لفرع جهاز أمن الدولة بالجيزة غرب العاصمة، من التهمة نفسها. وأسقطت المحكمة عن شريف تهمة التآمر لارتكاب جريمة قتل مشددة، وهي التهمة التي كان الادعاء العام الإيطالي قد طالب على أساسها بالسجن المؤبد، فيما طالب بالسجن 17 عاماً وستة أشهر للمتهمين الثلاثة الآخرين.
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وجاء الحكم بعد مداولة استمرت أكثر من ثماني ساعات، ولم يأخذ بالعقوبات التي طلبها الادعاء. ومن المقرر أن تودع المحكمة حيثيات حكمها خلال 90 يوماً، بما سيوضح الأساس القانوني لإدانة المتهمين الثلاثة بالاختطاف وإسقاط تهمة القتل.
وألزمت المحكمة المدانين الثلاثة بتعويض الأطراف المدنية عن الأضرار، مع تحديد دفعات مالية مؤقتة واجبة التنفيذ فوراً بقيمة إجمالية تبلغ 650 ألف يورو، منها 200 ألف يورو لوالد ريجيني كلاوديو، و200 ألف لوالدته باولا ديفيندي، و100 ألف لشقيقته إيريني، و150 ألفاً لرئاسة الوزراء الإيطالية، على أن تحدد القيمة النهائية للتعويضات في دعوى منفصلة.
كما قضت المحكمة بحرمان المدانين الثلاثة بصورة دائمة من تولي الوظائف العامة. وكان ريجيني، وهو طالب دراسات عليا يبلغ 28 عاماً في جامعة كامبريدج البريطانية، قد اختفى في القاهرة في 25 يناير/كانون الثاني 2016، قبل العثور على جثمانه بعد نحو أسبوع وعليه آثار تعذيب شديدة على قارعة طريق مصر إسكندرية الصحراوي بالقرب من مقر أمن الدولة بالجيزة.
روايتان متناقضتان
وتتبنى السلطات المصرية رواية مختلفة للقضية، إذ سبق أن أعلنت أن عصابة إجرامية تقف وراء مقتل ريجيني، مشيرة إلى أن أفرادها الخمسة قتلوا لاحقاً في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة. في المقابل، خلص الادعاء الإيطالي إلى أن ريجيني اختُطف وتعرض للتعذيب والقتل على يد مسؤولين أمنيين مصريين، وربط ذلك بأبحاثه الأكاديمية حول النقابات العمالية المستقلة في مصر.
ولم يحضر المتهمون الأربعة جلسات المحاكمة، بعدما تعذر إخطارهم رسمياً بإجراءات القضية، في ظل عدم تقديم السلطات المصرية عناوينهم إلى الجانب الإيطالي. وأدى ذلك إلى تعليق المحاكمة نحو عامين، قبل أن تسمح المحكمة الدستورية الإيطالية عام 2023 باستمرار الإجراءات رغم عدم تمكن السلطات من إخطار المتهمين رسمياً بالتهم الموجهة إليهم.وكانت النيابتان المصرية والإيطالية قد بدأتا تحقيقات مشتركة في القضية، قبل أن تتباين نتائجهما بصورة كبيرة. وقال الادعاء الإيطالي إن روما حاولت عبر قنوات دبلوماسية وحكومية الحصول على عناوين المتهمين في نحو 30 مناسبة، من دون تلقي رد.
النيابة تدرس الاستئناف
وقال المدعي العام في روما فرانشيسكو لو فوي إن النيابة ستدرس الحكم وحيثياته قبل اتخاذ قرار بشأن الاستئناف، مضيفاً أن "الجزء الجوهري من البناء الاتهامي صمد" أمام المحكمة. وكان الادعاء قد طالب بالسجن المؤبد لمجدي شريف و17 عاماً وستة أشهر للمتهمين الثلاثة الآخرين، فيما أسقطت المحكمة تهمة القتل واكتفت بإدانتهم بالاختطاف.
وتقول التغطية القضائية الإيطالية إن الادعاء قدم خلال المحاكمة وثائق وشهادات وأدلة فنية وقرائن قال إنها تثبت مسؤولية المتهمين عن اختطاف ريجيني، بينما سيحدد إيداع الحيثيات خلال 90 يوماً الأسباب التي دفعت المحكمة إلى عدم الأخذ بطلبات الادعاء بشأن جريمة القتل.
الحكم يعيد القضية إلى أزمة العلاقات المصرية الإيطالية
ورحبت عائلة ريجيني بالحكم، وقال والداه كلاوديو وباولا عقب صدوره إنهما "راضيان"، فيما اعتبرت محامية الأسرة أليساندرا باليريني الحكم خطوة باتجاه محاسبة المسؤولين عن اختطاف ريجيني. ودعت باليريني الحكومة الإيطالية إلى المطالبة بالتعويضات واتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه مصر، وهو موقف صادر عن محامية الأسرة ولا يمثل، حتى الآن، موقفاً رسمياً معلناً للحكومة الإيطالية. ويضع الحكم الحكومة الإيطالية أمام مسألة تنفيذ العقوبات الصادرة بحق المتهمين، في ظل وجودهم خارج إيطاليا وعدم وجود مؤشرات على استعداد القاهرة لتسليمهم.
وتشير صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية إلى أن روما ستكون أمام ملف معقد يتعلق بطلب تنفيذ الأحكام والتعامل مع التعويضات، في وقت شهدت فيه العلاقات المصرية الإيطالية تحسناً خلال السنوات الأخيرة وتوسعاً في مجالات التعاون بين البلدين.
وكان مقتل ريجيني قد تسبب في أزمة دبلوماسية حادة بين القاهرة وروما، قبل أن تبدأ العلاقات في التحسن تدريجياً، خصوصاً مع تنامي التعاون في ملفات الطاقة والهجرة والاستثمار والأمن. وبينما ينهي الحكم مرحلة أساسية من المسار القضائي الإيطالي، فإن القضية لا تزال مفتوحة على مسارين: احتمال استئناف النيابة للحكم بعد الاطلاع على حيثياته، وإمكانية انعكاس القرار على العلاقات المصرية الإيطالية، في ظل بقاء المتهمين خارج نطاق القضاء الإيطالي وعدم صدور موقف مصري من الحكم حتى الآن.