تصدرت سبتة العناوين العالمية بعد مشاهد عبور عشرات الآلاف من المهاجرين إلى الجيب الإسباني على الساحل الشمالي للمغرب، ومع اتساع التغطية، تحولت الأزمة إلى مدخل أوسع لقراءة ما يجري في أوروبا من صعود في خطاب يربط الهجرة بالسيادة والحدود والهوية، ودفع أحزابا من الوسط إلى استعارة مفردات كانت حتى وقت قريب لصيقة باليمين المتطرف.
وقد دفعت صور العبور -حسب تلغراف- السياسيين الإسبان والأوروبيين إلى سباق في لغة التشدد، من الحديث عن حماية الحدود إلى المطالبة بإجراءات قانونية وحواجز بحرية.ومن سبتة إلى ستراسبورغ ولندن وبرلين، ترسم قراءات بريطانية صورة ليمين لم يعد يحتاج دائما إلى السلطة المباشرة كي يترك أثره.
ففي البرلمان الأوروبي، يجد اليمين طريقه إلى القانون عبر تحالفات مع يمين الوسط، وفي بريطانيا، تتسرب لغته إلى خطاب المؤامرة حول الهجرة، وفي ألمانيا، يختبر حزب "البديل من أجل ألمانيا" حدود التقارب مع "ماغا" الأمريكية من دون أن يخسر ادعاءه القومي.أوروبا من داخل المؤسسة
وفي مقال رأي بصحيفة غارديان، يرى ألبيرتو أليمانو أن الاتحاد الأوروبي بُني أصلا على وعد مضاد لماضي القارة، وهو ألا تملك أغلبية -مهما كبرت- حق تقرير من ينتمي ومن يُطرد خارج الحماية.
وكان البرلمان الأوروبي -في هذه الرؤية- المكان الذي يُفترض أن يحرس ذلك الوعد عبر ائتلاف تقليدي من يمين الوسط والاشتراكيين والليبراليين والخضر، مع إبقاء "جدار عزل" سياسي في وجه اليمين المتطرف.
لكن الكاتب يقول إن هذا الوعد انكسر في يونيو/حزيران، حين أقر البرلمان "لائحة الإعادة"، التي يصفها بأنها أقسى قانون للهجرة في تاريخ الاتحاد، إذ تسمح اللائحة لدول أوروبية بترحيل مهاجرين إلى مراكز احتجاز خارج أراضي الاتحاد، بعيدا عن الحماية القضائية والرقابة الإعلامية والمساءلة العامة، وقد ارتفعت داخل القاعة -بحسب المقال- هتافات نواب يمينيين يقولون "أعيدوهم من حيث أتوا!".
لم يحتج اليمين المتطرف إلى السيطرة على مؤسسات أوروبا، كان يكفيه أن يجد حزبا رئيسيا يترجم أولوياته إلى قانون.
بواسطة ألبيرتو أليمانو (غارديان)
ولا يرى أليمانو ما حدث انقلابا يمينيا صريحا، بل تحولا أهدأ داخل المؤسسة نفسها، فـ"حزب الشعب الأوروبي" اليميني -الكتلة الأكبر في البرلمان والمظلة السياسية للأحزاب المسيحية الديمقراطية- بات يعمل بأغلبيتين: أغلبية وسطية تمنحه شرعية إدارة مؤسسات الاتحاد، وأغلبية أخرى مع كتل يمينية وقومية متطرفة حين يحتاج إلى تمرير تشريعات لا يقبلها الاشتراكيون والليبراليون والخضر.
إعلان
وبحسب المقال، صوّت حزب الشعب الأوروبي منذ عام 2024 مع اليمين المتطرف أكثر من 20 مرة، وكان أحد تكتلات هذا اليمين حاسما في واحد من كل 5 تصويتات نهائية خلال يونيو/حزيران الماضي وحده.
وهكذا لم يحتج اليمين المتطرف -بحسب أليمانو- إلى السيطرة على مؤسسات أوروبا، وكان يكفيه أن يجد حزبا رئيسيا يترجم أولوياته إلى قانون.
احتجاج مناهض للمهاجرين في غلاسكو، حين تتقاطع أزمة السكن مع الشائعات الرقمية (غيتي)
بيئة خصبة لنظريات المؤامرة
تقرأ تلغراف سبتة من زاوية مختلفة، فالأزمة التي بدأت بصور عبور جماعي ونقاش سياسي عن الحدود والهجرة، سرعان ما تحولت على منصات اليمين المتطرف إلى مادة لنظرية أقدم وأخطر.
وتقول الصحيفة إن الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون استغل المشهد ليعيد ترويج "نظرية الاستبدال العظيم"، زاعما -بلا دليل موثوق- أن إسرائيل والولايات المتحدة استخدمتا الهجرة لمعاقبة إسبانيا بسبب موقفها من غزة.
وتوضح الصحيفة أن هذه النظرية لا تتعامل مع الهجرة بوصفها نتيجة سياسات اقتصادية أو قرارات حكومية، بل تصورها مؤامرة مدبرة لتغيير هوية المجتمعات الغربية.
وفي صيغتها الأشد تطرفا، تزعم أن اليهود يقفون خلف الهجرة الجماعية لتقويض "العرق الأبيض"، بما يجعل المسلمين والسود واللاتينيين واجهة الخطر، واليهود "اليد الخفية" التي تديره.
ومن هنا تأتي خطورة هذه النظرية -وفق تلغراف- فهي لا تبقى عند حدود الكلام، إذ ظهرت في خلفية هجمات استهدفت مسلمين ويهودا وسودا ولاتينيين، من كرايستشيرش في نيوزيلندا إلى كنيس "شجرة الحياة" في بيتسبرغ.
كما تشير الصحيفة إلى دراسة لكينغز كوليدج لندن عام 2023، وجدت أن واحدا من كل 3 بريطانيين يرى هذه النظرية "صحيحة بالتأكيد أو على الأرجح".
وتشدد الصحيفة على الفارق بين القلق المشروع من سياسات الهجرة وتحويل هذا القلق إلى اتهام تآمري، فبريطانيا شهدت تغيرات ديمغرافية حقيقية وغضبا واسعا من الهجرة وقوارب العبور، لكن تلغراف تقول إن ذلك كان ثمرة قرارات اقتصادية وسياسية اتخذتها حكومات متعاقبة، لا خطة سرية لـ"استبدال" السكان ولا مؤامرة يهودية.
ثم تنقل الصحيفة النقاش إلى الداخل البريطاني، حيث ترى أن مفردات "الاستبدال" لم تعد حكرا على جماعات نازية صغيرة، بل اقتربت بدرجات مختلفة من أطراف في اليمين الشعبوي، ومن شخصيات حول حزب "ريستور بريتن" إلى جماعات أكثر تطرفا مثل "بريتن فيرست" و"باتريوتك ألترناتيف"، وقد تبقى هذه التنظيمات محدودة العدد، لكن أثرها على الإنترنت -كما تقول الصحيفة- أوسع من حجمها التنظيمي.
ماغا واليمين الألماني
وفي فايننشال تايمز، يظهر وجه ثالث للقصة يتمثل في العلاقة المربكة بين اليمين المتطرف الأوروبي وحركة "ماغا" الأمريكية.
فقد عج حزب "البديل من أجل ألمانيا" -حسب الصحيفة- بمعجبين بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب وشعاراته وقبعته الحمراء، لكنَّ داخله أيضا جناحا أكثر راديكالية، خصوصا في شرق ألمانيا، ينظر بريبة إلى واشنطن ويخشى كلفة الارتباط بها.
مؤيد لحزب "البديل من أجل ألمانيا" يرتدي قبعة تحاكي شعار ماغا في برلين (غيتي)
وتقول الصحيفة إن حرب ترمب على إيران، والرسوم الجمركية التي عاقبت الصناعة الألمانية، وتهديدات الرئيس الأمريكي بشأن غرينلاند، زادت صعوبة الدفاع عن هذا التقارب.
وبحسب مسؤول في الحزب، طلبت القيادة من النواب خفض مستوى العلاقة العلنية مع "ماغا" بعدما تضررت صورة ترمب في المزاج العام الألماني.
ومع ذلك، لم تنقطع الصلات، فقد عمّق الحزب علاقته بشخصيات من محيط ترمب، من إيلون ماسك إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي دعا الأوروبيين إلى هدم "جدار العزل" المفروض على التعاون مع اليمين المتطرف.
كما رأى بعض قادة "البديل من أجل ألمانيا" في عودة ترمب فرصة لغطاء سياسي، خصوصا بعد تصنيف الاستخبارات الداخلية الألمانية الحزب يمينيا متطرفا، بما فتح باب نقاش حظره.
لكن معضلة اليمين القومي -كما تعرضها فايننشال تايمز- أنه يريد دعما عابرا للأطلسي من دون أن يبدو تابعا للخارج. فحزب يرفع شعار السيادة قد يستفيد من تحالف مع "ماغا"، لكنه يخشى أن يظهر لناخبيه كأنه يستورد نموذجا أمريكيا. ولهذا يرفض بعض قادته فكرة أن تأتي السياسة الأوروبية في قالب أمريكي جاهز، حتى لو كان الحليف هو ترمب نفسه.