كلما تعلمت في مصر زادت بطالتك: 41% من المتعطلين جامعيون والمصانع بلا فنيّين

في السبت ١٥ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

لم يكن الشاب إبراهيم مصطفى (32 عاماً) يتخيل أن تنتهي سنوات دراسته في كلية الحقوق بجامعة الفيوم بالوقوف على أبواب شركات الأمن بحثاً عن وظيفة. لكنّه، مثل الكثير من خريجي الجامعات الذين قابلتهم "العربي الجديد"، وجد نفسه مضطراً إلى قبول أعمال لا تمتّ بصلة إلى تخصصه ولا إلى مستوى التعليم الذي حصل عليه، بعدما فشل في العثور على فرصة عمل مستقرة تتناسب مع مؤهله.

وبعد البحث، التحق مصطفى بالعمل مع أخيه الذي لم يحصل على قدر من التعليم، حارساً لأحد العقارات في مجمع عقاري شهير بمدينة أكتوبر غرب العاصمة. لم يكن الاختيار بالنسبة إلى مصطفى بين وظيفة قانونية وأخرى في قطاع مختلف؛ كان الاختيار بين العمل بأي شروط أو البقاء بلا عمل. تلخص قصة مصطفى واحدة من أكثر مفارقات سوق العمل المصري قسوة. في بلد ترتفع فيه نسبة المتعلمين بين العاطلين، تشكو شركات ومصانع من نقص العمالة المؤهلة والفنيين.

وبحسب أحدث نشرة لبحث القوى العاملة عن الربع الأول من 2026، أصدرها جهاز الإحصاء الحكومي، يمثل الحاصلون على مؤهل جامعي وفوق جامعي 41.5% من إجمالي المتعطلين في الفئة العمرية 15 إلى 64 عاماً، وهي النسبة الكبرى بين كل مستويات التعليم. الأكثر إثارةً أن معدل البطالة داخل فئة الجامعيين وفوق الجامعيين بلغ 11.3%، مقابل 4.7% فقط بين الحاصلين على مؤهل متوسط فني. وبين النساء الجامعيات يقفز المعدّل إلى 20.7%، مقابل 6.2% للرجال.

الأرقام ليست دليلاً على أن التعليم يسبب البطالة، لكنها تكشف خللاً أعمق في نظام تعليم يدفع أعداداً كبيرة من الشباب نحو الشهادات الأكاديمية، واقتصاد لا يخلق بالسرعة الكافية الوظائف التي تتناسب مع هذه الشهادات، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى مهارات فنية وتطبيقية لا يوفرها نظام التعليم والتدريب بالقدر الكافي، وفقاً لخبراء اقتصاد وقوى عاملة يرون في قضية مصطفى أكثر من حالة فردية، بل صورة مصغرة لسوق عمل يمكن أن تجد فيه خريجاً جامعياً عاطلاً، وفنياً عاطلاً، ومصنعاً يبحث عن فني، وشركة تقلّص عمالتها في الوقت نفسه.

عندما تصبح الشهادة عبئاً
بالنسبة لمصطفى، لم يكن العمل في حراسة العقارات أو شركات الأمن هو المسار الذي اختاره بعد دراسة القانون، لكنه قبل به لأن البديل هو البطالة، التي لطالما طاردها بالعمل بنظام اليومية في الحقول والمصانع الخاصة، حتى أصبح موظفاً على الورق في شركة أمن ليعمل حارساً في عقار، يطلب منه الإشراف على النظافة وحمل المخلّفات إلى خارج المنزل الفاخر الذي يحرسه.

هذه الظاهرة تحمل اسماً اقتصادياً مهماً، وفقاً لخبراء منظمة دولية، وهو العمل دون مستوى المهارة أو المؤهل، أو ما يعرف دولياً بـ underemployment/skill mismatch. فالشخص هنا لا يظهر في إحصاء البطالة إذا حصل على وظيفة، حتى لو كانت الوظيفة أقل كثيراً من قدراته وتعليمه، وبالتالي يمكن أن ينخفض معدل البطالة الرسمي بينما تظل مشكلة سوق العمل قائمة في صورة أخرى، حيث أشخاص يعملون لكنهم لا يعملون في ما تعلّموه ولا بما يتناسب مع مهاراتهم، وأحياناً لا يحصلون على عائد اقتصادي يبرّر سنوات التعليم التي أنفقوها.

هذه نقطة لا يمكن تجاهلها عند قراءة بيانات وزارة العمل عن تراجع البطالة في مصر إلى 5.8% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ6% في الربع الأول. فالاقتصاد قد يكون نجح في نقل شخص من خانة "متعطل" إلى خانة "مشتغل"، لكنه لم ينجح بالضرورة في نقله إلى وظيفة منتجة وجيدة. تظهر المفارقة بوضوح شديد عند ترتيب معدل البطالة بحسب المؤهل، وفقاً للرصد الرسمي، فهي تصل في فئة الجامعي وفوق الجامعي إلى 11.3% وفوق المتوسط وأقل من الجامعي 8%، والثانوية العامة والأزهرية 9.2%، والمتوسط الفني 4.9%، وأقل من المتوسط 4.7%.يشير الخبير الاقتصادي وائل النحاس إلى أنه لا توجد علاقة خطية تقول كلما زاد التعليم انخفضت البطالة، بل يحدث العكس في الجزء الأعلى من السلم التعليمي، مؤكداً في تصريح لـ"العربي الجديد" أن ما يجعل القاعدة في مصر "كلما تعلّمت أكثر زادت فرص بطالتك" يستند إلى خللٍ في مواءمة التعليم وسوق العمل.

يقول النحاس إن القطاع الحكومي كان أحد المسارات التي تستوعب خريجي الجامعات في مصر، لكن هذا النموذج لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة القديمة نفسها، مع توجه الدولة إلى ضبط فاتورة الأجور وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وعدم الاعتماد على التعيين الحكومي بوصفه حلاً جماعياً لاستيعاب الخريجين، وبالتالي أصبح الخريج أمام سوق يعتمد بدرجة أكبر على القطاع الخاص.

ويلفت إلى أن المشكلة تتزايد مع وجود مصانع تعاني من ارتفاع الكلفة وضعف الطلب، وشركات تؤجل التوسع، ووظائف تتركز في القاهرة، ومشروعات حكومية يجري تقليص نفقاتها وتعمل بعضها لأيام معدودة في العام، وأصحاب أعمال يريدون خبرة حتى من حديثي التخرج، ومهن فنية تحتاج إلى مهارات لا توفرها الشهادة الجامعية وحدها، مبيناً أن هذه هي الحلقة التي لم تعد معها الشهادة الجامعية ضمانة للعمل كما كانت في الماضي.

تضيف أبحاث المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أرقام الجهاز المركزي طبقةً أخرى من التحليل، لأنها لا تنظر فقط إلى الأشخاص الذين يبحثون عن وظائف، وإنما تُراقب أيضاً الوظائف التي تبحث الشركات عن شاغلين لها. يجمع المركز إعلانات الوظائف المنشورة إلكترونياً بصورة ربع سنوية، بعشرات المواقع والصحف في مصر.

وفي تحليله الممتد بين الربع الرابع من 2021 والربع الرابع من 2024، خلص المركز إلى أن سوق العمل المصري يعاني تركزاً جغرافياً شديداً في خلق الوظائف، مع استحواذ القاهرة والجيزة على نحو 82% إلى 89.6% من وظائف الياقات البيضاء (المحامون، الأطباء، المهندسون، موظّفو البنوك وغيرهم)، بينما تركّزت نسبة كبيرة من وظائف الياقات الزرقاء (عمال المصانع والبناء والسائقون وغيرهم) أيضاً في العاصمة.

يقود ذلك إلى نتيجة شديدة الخطورة، إذ إن مصطفى الذي تقيم أسرته في الفيوم، يضطر إلى الذهاب يومياً إلى مقر عمله لمسافة 100 كيلومتر بتكلفة تستهلك ثلث راتبه أو يضطر، كما فعل مؤخراً، للنوم في موقف سيارات العقار الذي يعمل به ويذهب لرؤية ابنيه ووزوجته في نهاية الأسبوع، بسبب ارتفاع كلفة النقل والمحروقات.

فجوة بين العرض والطلب
يكشف أحد الأبحاث السابقة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية عن مفارقة أخرى أكثر غرابة. ففي تحليل الطلب على الوظائف، كانت 98% من وظائف الياقات البيضاء تشترط مؤهلاً عالياً، لكن المفاجأة أن 64% من وظائف الياقات الزرقاء أيضاً كانت تشترط مؤهلاً عالياً، لأن بعض أصحاب الأعمال لا يثقون في مستوى المهارات التي يوفرها التعليم الفني، أو لأن الشهادة الجامعية أصبحت تستخدم أحياناً كبديل عن اختبار المهارة نفسها. هنا تحدث الكارثة، فالوظيفة التي كان يفترض أن يشغلها فني تصبح في إعلان الشركة وظيفة لحامل مؤهل جامعي، وفي المقابل، يتخرج الشاب الجامعي وهو لا يمتلك المهارة الفنية المطلوبة، فتصبح النتيجة أن الجامعي لا يجد وظيفة، والفني لا يجد وظيفة، وصاحب المصنع لا يجد العامل الذي يحتاج إليه.

هذه ليست مشكلة نقص في العمالة ولا فائضاً في العمالة وإنما فجوة بين نوعية العرض ونوعية الطلب وفقاً لتعريف الخبير الاقتصاديتحذّر عبلة عبد اللطيف؛ المديرة التنفيذية ومديرة البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، من ظاهرة يمكن وصفها بـ"هرم البطالة المقلوب" حيث تتركز البطالة بصورة أكبر بين أصحاب التعليم الجامعي، في الوقت الذي لا يتطلب فيه جزء من الوظائف التي يخلقها الاقتصاد تعليماً مرتفعاً. في رؤية المركز "لا ينبغي النظر إلى انخفاض البطالة الإجمالية باعتباره نجاحاً كاملاً إذا كان الانخفاض يأتي بالتوازي مع زيادة الوظائف منخفضة المهارة والإنتاجية".

تشير عبد اللطيف لـ"العربي الجديد" إلى أن الاقتصاد ينتج الشهادات أسرع من الوظائف التي يحتاج إليها، وهنا تتقاطع مشكلة التعليم مع مشكلة النمو، مؤكدة أن نظام التعليم المصري، على مدى عقود، دفع أعداداً كبيرة من الشباب نحو التعليم الجامعي، بينما ظل الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات تحتاج إلى العمالة الفنية والتشغيلية والحرفية والخدمات. ترى عبد اللطيف أن المشكلة لا تتوقف عند الجامعيين، حيث الفنيون أنفسهم يعانون، إذ إن شركات القطاع الخاص تقول إنها تعاني من صعوبة الحصول على العمالة المؤهلة. ومدير منظمة العمل العربية السابق إبراهيم عوض في مقابلة حديثة مع "العربي الجديد".