توقفت عمليات استقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال وإعادة التغويز في ميناء دمياط مؤقتاً قبل أن تُستأنف مجدداً، بعد أن أكدت الحكومة المصرية أن الحريق الذي اندلع في وحدتي "إنيرجوس وينتر" (Energos Winter) و"غازلوغ سالم" (GasLog Salem) أول من أمس الأربعاء، نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة. وبينما أعلنت هيئة ميناء دمياط المصري، أمس، انتظام حركة استقبال ومغادرة السفن فيه والنشاط التشغيلي بكفاءة كاملة، بينما قال مصدر رفيع المستوى في وزارة البترول المصرية لـ"العربي الجديد"، إن الحادث أدى إلى توقف أعمال التفريغ ومصنع الإسالة المقام على مشارف الميناء، لحين انتهاء عمليات المسح الفني لمسرح الحادث الذي ضرب أكبر مصنع لاستقبال الغاز وإسالته في منطقة شرق المتوسط.
تهديد التحول إلى مركز إقليمي للطاقة
ويأتي الحادث في وقت تواجه فيه مصر اختباراً جديداً لاستراتيجيتها الرامية إلى التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، وسط تصاعد المخاطر الأمنية في شرق المتوسط وترقب أسواق الشحن والتأمين البحري لتداعيات الهجوم على حركة تجارة الغاز.
وفي تصريح خاص بـ "العربي الجديد"، فسر اللواء أركان حرب متقاعد والأستاذ في أكاديمية ناصر العسكرية أحمد الشامي، حالة الاضطراب التي ظهرت عند إفصاح مجلس الوزراء ووزارة البترول عن طبيعة الحادث بأنها ترجع إلى عدم اكتشاف الطرفين سبب الحريق إلا بعد إطفاء النيران التي اندلعت لعدة ساعات، قبل السيطرة عليها مساء الأربعاء، منبّهاً إلى أن استباق شركة الأمن البحري البريطانية "أمبري" (Ambrey) لإذاعة الخبر يرجع إلى كونها رائدة في المجال وذات علاقات وسمعة دولية جيدة في مجال التأمين البحري.أما وزارة البترول، فقد أحالت الموضوع على التحقيق، لأنها كانت تريد الوقوف على حقيقة ما جرى قبل إصدار أي استنتاج، خاصة أن عطلاً كهذا كان مطروحاً احتمالاً منذ فترة، وكان لا بد أولاً من إجراء المعاينة الفنية قبل المعاينة القضائية، وبعد الفحص أصبح واضحاً أن الثقب الموجود في السفينة ناتج عن اصطدام جسم بها، أما إذا كانت اللجنة الفنية قد انتهت إلى أن الحريق بدأ أسفل منطقة التبريد وأسفل جسم السفينة، فحينها يمكن أن يكون السبب ماساً كهربائياً أو خطأً بشرياً؛ لذلك لم يكن من الممكن لوزارة البترول أن تجزم بالسبب قبل انتهاء الفحص الفني، بحسب الشامي. وأضاف أنه بعد انتهاء المعاينات الأولية، عُرضت نتائجها على مجلس الوزراء، الذي أعلن أن الواقعة نتجت عن طائرة مسيّرة جاءت على ارتفاع منخفض للغاية لم يجرَ رصدها من الرادارات العادية، الأمر الذي استدعى تدخلاً من القوات المسلحة التي تراجع عمليات الرصد من القوات البحرية والأرضية المختلفة، لتحديد جهة الإطلاق بدقة واتخاذ الإجراءات التي تحول دون تكرارها في المستقبل.
أما بشأن الجهة المحتملة وراء الحادث، فمن الوارد –وفقاً للشامي– أن تكون من دول قريبة أو من حلفاء إيران، لكنني لا أستبعد أطرافاً معادية لمصر تاريخياً في المنطقة، أما إيران نفسها فلا أرجح أن تكون هي المنفذة بصورة مباشرة، مذكّراً بأنه في النهاية ستحدد التحقيقات الهندسية والفنية الحقيقة، وإعلان نتائج التحقيقات الأمنية سيكون من اختصاص الأجهزة السيادية في الدولة، أما النتائج الفنية والهندسية فستعلنها وزارة البترول خلال فترة قصيرة، وستوضح الإجراءات التي ستتخذها، وما إذا كان التشغيل سيتوقف لأسبوعين أو مدة أقل أو أكثر، ولكن من الطبيعي أن تحرص الوزارة أولاً على طمأنة العملاء والمتعاملين معها.
حجم الأضرار
أما حجم الأضرار التي وقعت في السفينتين ومعامل دمياط للغاز، فأكد أن هذا سيحدده التحقيق الفني، حيث إن وحدة الإسالة "التغييز" المتضررة هي في الأصل وحدة مؤجرة لصالح وزارة البترول لمدة خمس سنوات من شركة أميركية، ولذلك ستتم مراجعة حجم الأضرار وما إذا كان العطل سيقتصر على جزء معين أم يمتد إلى مكونات أخرى، مبيناً أن هذه الوحدة تمثل عنصراً مهماً في منظومة استقبال الغاز الطبيعي القادم عبر الشبكة الوطنية للغاز الممتدة مع دول شرق المتوسط، والمربوطة بمعامل دمياط لإسالة الغاز حيث يجري تصدير منتجاتها إلى اليابان والأسواق الأوروبية. وقال الشامي: طالبتُ منذ فترة بأن تمتلك مصر وحدات تغييز خاصة بها، لأن استئجار مثل هذه الوحدات يكلف الدولة نحو 130 ألف دولار يومياً للمحطة الواحدة.
وفي ما يتعلق بالإجراءات البديلة لاستيراد الغاز من الخارج والآبار المحلية وتصديرها إلى الخارج، قال الشامي إن مصر تمتلك بالفعل وحدات أخرى لتحويل الغاز المسال المستورد إلى غاز طبيعي في كل من الإسكندرية والعين السخنة، بما يوفر الطاقة اللازمة للبلاد، وبالتالي إذا كان التوقف محدوداً ولمدة أسبوعين فستكون هناك بدائل ولن تحدث أزمة كبيرة، لأن الوحدة المتضررة لا تمثل كامل المنظومة وإنما جزءاً منها، مذكّراً بأن مصلحة الشركاء الأجانب هي سرعة إعادة تشغيل محطة الإسالة، بعد أن تجاوز سعر المليون وحدة حرارية 24 دولاراً، وتعاني الأسواق حالة اضطراب في الإمدادات مع عودة العمليات العسكرية في منطقة الخليج للتصاعد من جديد.
تضارب معلومات بشأن استئناف العمل
وفي سياق متصل، تضاربت المعلومات عن توقف العمل في الميناء؛ فقد أعلنت هيئة ميناء دمياط المصري، التابعة لوزارة النقل، صباح أمس، انتظام حركة استقبال ومغادرة السفن فيه والنشاط التشغيلي بكفاءة كاملة. وأوضحت الهيئة، في بيان، أن مختلف المحطات والأرصفة في ميناء دمياط تشهد انتظاماً في حركة استقبال ومغادرة السفن، إلى جانب استمرار أعمال الشحن والتفريغ وتداول البضائع بمختلف أنواعها وفق المعدلات التشغيلية المقررة، مؤكدة مواصلة الميناء تقديم خدماته البحرية واللوجستية على مدار الساعة دون توقف. غير أن مصدراً رفيعاً في وزارة البترول والثروة المعدنية قال لـ "العربي الجديد" إن عمليات التفريغ وإعادة التغويز في ميناء دمياط توقفت بالكامل لحين انتهاء الجهات المختصة من أعمال المسح الفني لمسرح الحادث، وإعداد تقرير شامل عن الأضرار والآثار الفنية للهجوم، تمهيداً لرفعه إلى سلطات التحقيق ومجلس الوزراء. وأضاف المصدر أن التوقف يشمل أيضاً مصنع إسالة الغاز الطبيعي بدمياط، موضحاً أن استئناف التشغيل سيظل مرهوناً بانتهاء الفحوص الفنية والتأكد من سلامة الوحدات والمنشآت وخطوط الربط، إلى جانب استكمال التحقيقات المتعلقة بمصدر الطائرة المسيّرة التي نفذت الهجوم.وقال مجلس الوزراء في بيان صحافي إن التحقيقات لا تزال مستمرة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن، بينما تتخذ الأجهزة المختصة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن المنشآت الاستراتيجية ومصالح الدولة.
ويطابق البيان الحكومي ما كانت قد أعلنته شركة الأمن البحري البريطانية "أمبري" (Ambrey) مساء أول أمس، عندما أفادت بأن وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة مملوكة لشركة أميركية تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل داخل ميناء دمياط، قبل السيطرة على الحريق وإجلاء الطاقم.
تفاصيل السفينين المتضررتين
وتشير البيانات الرسمية وبيانات تتبع السفن إلى أن الحادث طاول السفينتين اللتين تعملان في قطاع الغاز الطبيعي المسال، ولكل منهما وظيفة مختلفة داخل منظومة الإمداد المصرية، مشيرة إلى أن السفينة الأولى "إنيرجوس وينتر" (Energos Winter)، وهي وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز (FSRU)، تعد واحدة من أربع وحدات استأجرتها الحكومة المصرية لتأمين احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي. تبلغ السعة التخزينية للوحدة نحو 138.2 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، بينما تصل طاقتها لإعادة التغويز إلى نحو 500 مليون قدم مكعب يومياً، أي ما يعادل نحو 6% من الاستهلاك اليومي للغاز في مصر. وتملك السفينة شركة "إنيرجوس إينفراستركشر" (Energos Infrastructure) الأميركية، بينما تتولى تشغيلها شركة "نيو فورتريس إنرجي" (New Fortress Energy)، وذلك بموجب اتفاق وقعته الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) في يوليو/ تموز 2025 لنشر الوحدة في ميناء دمياط لمدة خمس سنوات، قبل أن تبدأ التشغيل الفعلي في أكتوبر من العام نفسه.
أما السفينة الثانية فهي ناقلة الغاز الطبيعي المسال "جازلوج سالم" (GasLog Salem)، وترفع علم برمودا، وتملكها شركة "سي إل جاز تن المحدودة" (CL GAS TEN LTD) اليونانية، بينما تتولى تشغيلها شركة "جازلوج لخدمات الغاز المسال المحدودة" (GasLog LNG Services Ltd) المتخصصة في نقل الغاز الطبيعي المسال. وتشير بيانات مواقع تتبع السفن إلى أن الناقلة وصلت إلى دمياط في 25 يوليو الجاري بعد تحميل شحنة غاز طبيعي مسال من نيجيريا، وكانت راسية على رصيف الغاز المسال بالميناء على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من وحدة "إنيرجوس وينتر"، وهو ما يفسر امتداد الحريق إليها بعد إصابة الوحدة العائمة.وقال البرلماني وخبير الطاقة والمستشار الاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، محمد فؤاد، إن خروج وحدة "إنيرجوس وينتر" (Energos Winter) من الخدمة يمثل تطوراً مهماً، ولكنه لا يشكل تهديداً مباشراً لإمدادات الغاز في مصر. وأوضح أن الطاقة التشغيلية للوحدة تبلغ نحو 500 مليون قدم مكعب يومياً، أي ما يقارب 6% من الطلب المحلي الذي يراوح بين 7.5 و7.9 مليارات قدم مكعب يومياً، كما تمثل نحو 16% من إجمالي طاقات استقبال وإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال المتاحة لمصر، بما في ذلك القدرات المتصلة عبر ميناء العقبة الأردني.
بدائل لتغطية النقص المؤقت المؤقت، تشمل زيادة الاعتماد على وحدات التغويز الأخرى الموجودة في العين السخنة والإسكندرية، والاستفادة من القدرات المتاحة في ميناء العقبة المرتبط بالشبكة العربية للغاز، فضلاً عن زيادة استخدام المازوت في محطات الكهرباء والتوسع في تشغيل محطات الطاقة المتجددة، كما حدث خلال صيف العام الماضي.
وأشار إلى أنه في حال استمرار التوقف لفترة أطول، يمكن اللجوء إلى إجراءات إضافية مثل خفض صادرات الكهرباء إلى الأردن وليبيا والسودان، أو تقليص إمدادات الغاز لبعض الأنشطة الصناعية بصورة مؤقتة، مؤكداً أن مدة التوقف ستتحدد وفق نتائج الفحص الفني الذي ستجريه الشركة المالكة للوحدة والجهات الرقابية المختصة، مشيراً إلى أن ميناء دمياط أحد أهم مراكز الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، إذ يضم محطة إسالة الغاز الطبيعي التي تعتمد عليها مصر في تصدير جزء من إنتاجها المحلي، إضافة إلى إعادة تصدير الغاز الوارد من إسرائيل بعد إسالته إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل أي اضطراب في منشآت الميناء محل متابعة وثيقة من أسواق الطاقة العالمية وشركات الشحن والتأمين البحري.
ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في استهداف منشآت الطاقة وخطوط الإمداد البحرية، الأمر الذي دفع شركات الأمن البحري إلى التحذير من ارتفاع المخاطر التي تواجه منشآت النفط والغاز في شرق المتوسط.
وأضاف فؤاد أن لدى مصر عدة بدائل لتغطية النق