جدل بموريتانيا إثر مساعٍ لإنهاء عهد التعليم الخاص

في الجمعة ٠٨ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

نواكشوط – وقف مولاي ولد رئيس مترقبا، يرقب بعين الأب خروج طفله وطفلته من إحدى المدارس الحكومية في حي "الصحراوي" بالعاصمة نواكشوط. ومع قرع جرس الانصراف في مدرسة "عبد الله ولد نويكظ" للتعليم الأساسي، تدفقت سيول من الصبية والفتيات نحو الأروقة، يحملون حقائبهم المدرسية المثقلة وعلب الغداء.

كان ذلك في يوم جمعة، فاستبشرت الوجوه بهجة بدنوّ عطلة نهاية الأسبوع. أما ولد رئيس، المهندس المتقاعد ذو السبعة والستين عاما، فكان مفعما بالتفاؤل لأسباب أخرى؛ إذ يعلق آمالا عريضة على التحولات الجديدة التي طرأت على المنظومة المدرسية.هو يؤيد قرار الحكومة القاضي بالإلغاء التدريجي للمدارس الخاصة لصالح المؤسسات التي تديرها الدولة، في خطوة تُسوّق بوصفها محاولة لتوحيد معايير جودة التعليم. ورغم احتجاجات بعض الآباء والمعلمين، يرى ولد رئيس أن "الجميع سيجني ثمار" هذا النظام الجديد.

يقول ولد رئيس، الذي يرأس جمعية آباء التلاميذ في المدرسة، للجزيرة إنه يتذكر زمنا لم تكن فيه سوى المدارس العمومية؛ تلك المدارس التي مكنته من أن يصبح مهندسا مدنيا عمل في مختلف أنحاء غرب أفريقيا. ويرى أنه مع ظهور المدارس الخاصة، عانت الأسر الفقيرة الأمرين.

وأضاف، بينما يلتف حوله التلاميذ يداعبون "دراعته" (الزي التقليدي الموريتاني للرجال) البيضاء: "هذا القرار سيعيد جيلا يشبه الجيل الأول، حيث كان الناس متحدين ويعيشون في وئام تام".

تُصنف موريتانيا غالبا في مراتب متأخرة تعليميا بسبب ضعف الاستثمار في البنية التحتية وتأهيل المعلمين. والتحول نحو المدارس الحكومية يمثل جوهر محاولات الإدارة الحالية للإصلاح التعليمي، طلبا لنتائج سريعة.

لكن الواقع يشير إلى أن الكثير من الأطفال، لا سيما في المناطق الريفية ذات الدخل المحدود، يقبعون خارج أسوار المدارس في بلد كان يمنح الأولوية تاريخيا للتعليم المحظري (التعليم الديني التقليدي في موريتانيا). فوفقا لمنظمة "اليونسكو" (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، فإن 30% على الأقل من الأطفال في سن الدراسة غير ملتحقين بالتعليم إطلاقا.

إعلان
أما الذين يلحقون بركب الدراسة، فيظل الكثير منهم على حافة الأمية؛ إذ أشارت وكالة التعليم التابعة للأمم المتحدة إلى أن نحو 95% من الأطفال الموريتانيين لا يستطيعون قراءة أو فهم نصوص بسيطة لا يجد أقرانهم في بلدان أخرى صعوبة في استيعابها عند سن العاشرة.

معلمة تتحدث إلى التلاميذ في مدرسة عبد الله ولد نويغيد الحكومية في نواكشوط (شولا لاوال/الجزيرة)
وتسابق السلطات الزمن اليوم لتجديد القطاع بحلول عام 2030، ساعية لتوحيد النظام وجعل التعليم متاحا للجميع؛ فوفقا للبنك الدولي، يعاني 58% من السكان فقرا مدقعا يحول دون وصولهم إلى تعليم أو رعاية صحية ذات جودة. ومع ذلك، يحذر النقاد من أن التسرع في فرض هذه السياسات سيؤدي إلى نتائج عكسية.

وفقا للبنك الدولي، يعاني 58% من السكان فقرا مدقعا يحول دون وصولهم إلى تعليم أو رعاية صحية ذات جودة

ضربة للمدارس الخاصة
حين تم إقرار إصلاحات التعليم المقترحة في عام 2022، قوبلت بترحاب من أغلب سكان البلاد البالغ عددهم 4.5 ملايين نسمة. فقد أرست هذه السياسة دعائم التعليم الأساسي المجاني لجميع الأطفال، بعد أن كان مقتصرا على المرحلة الابتدائية، لتشمل الإجراءات الجديدة المرحلة الإعدادية أيضا.

وبات التعليم إلزاميا، حيث يتعين على كافة الأطفال القيد في المدرسة الابتدائية عند سن السادسة. كما أُتيح لبعض الأطفال التعلم بثلاث لغات محلية إلى جانب اللغة العربية، وهي: "البولارية"، و"السوننكية"، و"الولوفية"، وهي لغات المكونات الزنجية الموريتانية (الأفارقة الموريتانيون) الذين طالما شكوا التهميش.

ركزت موريتانيا طويلا على نظام المدارس الحكومية، لكن السلطات فتحت الباب أمام التعليم الخاص في عام 1981 حين عجزت المؤسسات الممولة حكوميا عن تلبية احتياجات الطلاب

ومع ذلك، يتملك القلق أصحاب المدارس الخاصة والمعلمين والآباء؛ إذ يخشون أن يؤدي إلغاء مدارسهم إلى فقدان الوظائف وتدني جودة التعليم، وزيادة الضغط على موارد الدولة. يقول مييه ولد عبد الودود، وهو معلم في مدرسة خاصة بضواحي نواكشوط، للجزيرة: "التغييرات متسارعة ومفاجئة للغاية".

وبموجب القانون، يتعين على مدرسته التوقف عن استقبال طلاب جدد بعد عام 2027. ولم تعلن الحكومة حتى الآن عن خطط مفصلة بشأن مصير المعلمين الذين سيفقدون وظائفهم. ويضيف عبد الودود، الذي يرأس أيضا نقابة وطنية للمعلمين: "سنواجه محدودية في الدخل وغلاء في الأسعار".

بالفعل، تم إغلاق بعض الفصول الابتدائية في مدرسته كجزء من الخطة، مما كبّد المدرسة خسارة شهرية تقدر بنحو مليوني أوقية (نحو 5 آلاف دولار)، مشيرا إلى أن هذا السيناريو يتكرر في كافة أنحاء البلاد.

وحذر عبد الودود من أن الكثير من المدارس الخاصة ستضطر للإغلاق في غضون سنوات قليلة.

ولا يُستثنى من هذه السياسة سوى الثانويات الخاصة، حيث يكمل الطلاب السنوات الثلاث الأخيرة من التعليم الثانوي.

لقد ركزت موريتانيا طويلا على نظام المدارس الحكومية، لكن السلطات فتحت الباب أمام التعليم الخاص في عام 1981 حين عجزت المؤسسات الممولة حكوميا عن تلبية احتياجات الطلاب. ومع تكاثر المدارس الخاصة، وجدت السلطات صعوبة في ضبط تقنينها.
ورغم أن المدارس الخاصة تُنسب إليها زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم، إلا أن النقاد يرون أن مناهجها لا تتماشى مع توجهات الدولة؛ فهي تعطي الأولوية للنظام الفرنسي غالبا.

علاوة على ذلك، يجادلون بأن جودة التدريس فيها منخفضة عموما، وأن بعض المعلمين يعملون في المدارس الخاصة والحكومية في آن واحد، مما يشتت انتباههم ويقلل من جودة ما يقدمونه للأطفال في كلا القطاعين.

من جانبهم، يرى المسؤولون الحكوميون أن الفئات الأكثر فقرا مستبعدة من التعليم الخاص. فبينما تستهدف بعض المدارس –مثل مدرسة عبد الودود– ذوي الدخل المحدود وتتقاضى نحو 100 دولار عن كل طفل في الفصل الدراسي، تصل تكلفة مدارس أخرى إلى ألف دولار أو أكثر.

ويرى عبد الودود أنه كان بالإمكان استكشاف بدائل أخرى، مشيرا إلى أن أصحاب المدارس الخاصة اقترحوا نظام "الحصص" (Quota system) الذي يتيح للأطفال من خلفيات فقيرة الدراسة مجانا، لكنهم لم يتلقوا أي رد.

إرث مثقل بالانقسام
دافع محمد السالك ولد طالب، منسق المدارس الحكومية بوزارة التربية الوطنية، عن رؤية الحكومة، مؤكدا لشبكة الجزيرة أن الإصلاحات تهدف لمواجهة عدم المساواة الممنهجة. وقال: "سيرتدي الجميع الزي نفسه، ويجلسون إلى الطاولة ذاتها، من الجنوب إلى الشمال، وسيكون التعليم واحدا للجميع".

تقع موريتانيا عند نقطة التقاء العالم العربي بأفريقيا جنوب الصحراء، وقد شهدت تاريخيا فوارق عرقية؛ حيث حظي المكون العربي البربري (البيظان) بالهيمنة السياسية والاقتصادية على حساب "الحراطين" (الأرقاء السابقون من ذوي الأصول الزنجية الذين تعربوا لغة وثقافة)، والمكونات الزنجية الأخرى.

يلتحق أطفال المجموعات الأكثر تهميشا بالمدارس الحكومية المجانية

وقد ألغي الرق في عام 1981، وصدر قانون بتجريمه في عام 2007. ويشكو الأفارقة الموريتانيون، الذين يمثلون نحو 30% من السكان ولا يتحدثون العربية، من تمييز طال لغاتهم وألوانهم.

وتتقاطع الانقسامات الجغرافية مع التصدعات الاجتماعية؛ إذ ينحدر أغلب الأفارقة الموريتانيين من الجنوب الفقير الذي يعاني من أزمات المناخ والجفاف، بينما تتركز المجموعات الناطقة بالعربية في المناطق الساحلية الغنية بالصيد، أو الشمال الغني بالحديد والذهب.

ويلتحق أطفال المجموعات الأكثر تهميشا بالمدارس الحكومية المجانية، لذا يرى ولد طالب أن الحكومة تريد "تهيئة بيئة متكافئة للجميع".

وقلل من شأن المخاوف بشأن فقدان الوظائف، معتبرا أن عدد المتضررين ليس كبيرا مقارنة بحجم النجاح المتوقع مستقبلا. وأضاف: "ستتاح لمعلمي المدارس الخاصة الفرصة للتقديم في المدارس الحكومية، لأننا نتوقع تدفق أعداد كبيرة من الأطفال".

بيد أن التحدي الأكثر إلحاحا، في نظره، هو ضمان التحاق أعداد كافية من أطفال المناطق الريفية بالتعليم؛ فموريتانيا بلد شاسع ومترامي الأطراف، وتنتشر فيه تجمعات سكانية صغيرة جدا، مما يصعب على سكان الأرياف الوصول إلى أقرب مدرسة حكومية.

لكن عبد الودود، معلم المدرسة الخاصة، يرى أن القضية "تم تسييسها"، معتبرا أن الحديث عن إرث الانقسام مبالغ فيه، وأن المجموعات العرقية المختلفة تعايشت بسلام لعقود.

ويضيف: "الأمر يبدو وكأن الدولة تطلب شيئا موجودا بالفعل؛ فهي تطالب الطلاب بالدراسة في مدرسة واحدة، بينما هم يدرسون معا بالفعل في التعليم الخاص بمختلف خلفياتهم ولغاتهم وطبقاتهم الاجتماعية".

وبالعودة إلى المدرسة الحكومية غرب نواكشوط، لمح ولد رئيس أخيرا ابنه "إيلي الشيخ" وسط زحام الانصراف.
وقال ولد رئيس بصوت يملؤه اليقين: "نحن نعاني من مشكلات التمييز والعنصرية وكل ذلك، لكن مع القانون الجديد.. ستتحقق الوحدة".