جون ميرشايمر لـ"العربي الجديد": حرب إيران كارثية للولايات المتحدة

في الأحد ١٢ - أبريل - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

يتحدث عالم السياسة الأميركي؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وأحد أبرز المنظّرين السياسيين في العصر الحديث، البروفيسور جون ميرشايمر، في مقابلة مع "العربي الجديد"، عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ودوافعها والنتائج التي يمكن أن تنتهي إليها، إضافة إلى العلاقات المستقبلية بين واشنطن وتل أبيب، وبين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط.

*هل تعتقد أن الولايات المتحدة وإيران ستصلان إلى اتفاق؟
أعتقد أن إدارة دونالد ترامب تدرك أنها تلعب ورقة خاسرة في هذه الحرب، والرئيس الأميركي لديه مصلحة كبيرة في إنهاء الحرب وإيقافها. من الصعب التكهن بأي نوع من الاتفاق الذي قد يتوصل إليه ترامب وإيران، إن تمّ ذلك أصلاً. لكن على أي حال، من الواضح تماماً أن إيران قد فازت بهذه الحرب، وأن التسوية النهائية ستعكس حقيقة أن إيران هي الطرف الذي انتصر في هذا الصراع وليس الولايات المتحدة.

*هل تؤثر الحرب على العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وكيف؟
أعتقد أن الحرب ستترك تأثيراً سلبياً، وجزء كبير من الأمر أن الناس في الولايات المتحدة سيدركون أن الولايات المتحدة قد خسرت هذه الحرب، وأنها كانت بمثابة كارثة بالنسبة إليها، وسيدركون، بسبب وضوح الأدلة، أن إسرائيل هي التي جرّتنا إلى هذه الحرب، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعب دوراً رئيسياً في إقناع الرئيس ترامب بأننا نستطيع تحقيق نصر سريع وحاسم. لقد خاض الرئيس ترامب هذه الحرب من أجل إسرائيل وهذا أمر يفهمه الناس جيداً، وبالتالي فإذا ذهبت إلى حرب من أجل مصالح إسرائيل ثم تحولت إلى كارثة، فإن معظم الأميركيين سيقولون إن إسرائيل تستحق الكثير من اللوم على هذه الكارثة، وهذا أمر ستكون نتيجته الإضرار بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

جون ميرشايمر: خاض ترامب هذه الحرب من أجل إسرائيل، وهذا أمر يفهمه الناس جيداً
*لكن رغم حالة عدم الرضا الشعبي عن إسرائيل حالياً، لا تزال جماعات الضغط ومن يتحكمون في السلطة والمال يدعمون إسرائيل، فكيف ستغيّر هذه الحرب هذا الأمر؟
حسناً، يجب أن تدرك أن جماعات الضغط تعمل على مستويين: الأول على مستوى السياسة، والثاني من حيث كيفية تأثيره في الخطاب العام حول إسرائيل. وأنت محقّ تماماً في أن اللوبي الإسرائيلي يتمتع بنفوذ هائل في ما يخص التأثير في السياسة الأميركية، ولا مجال للشك في ذلك على الإطلاق. وسيظل اللوبي الإسرائيلي قوياً وفعّالاً للغاية في تأثيره على السياسة الفعلية. أما في ما يخص الخطاب العام، وكيف يتحدث الجمهور والنخب عن العلاقة الأميركية الإسرائيلية وعن الحرب الأخيرة، فإن تأثير اللوبي الداعم لإسرائيل في هذا الخطاب سيكون محدوداً للغاية، كما أن هذا الخطاب سيكون بقدر كبير من العداء تجاه إسرائيل. ويمكنك أن تلمس بالفعل مجموعة كبيرة من الأدلة التي تشير إلى أن الرأي العام في الولايات المتحدة، حتى بين الإنجيليين المسيحيين وبين الجمهوريين ممن تقل أعمارهم عن خمسين عاماً، يشهد تراجعاً ملحوظاً في مستوى الدعم لإسرائيل. لم يسبق أن انخفض مستوى الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة إلى هذه الدرجة، وأرى أن هذا التراجع سيستمر في المستقبل. لذلك فمن ناحية كيفية النقاش حول إسرائيل والدعم الشعبي لها، ستجد أن جماعات الضغط لم تتمكن من وقف هذا الانخفاض في دعمها أو تغيير الخطاب العام حولها الذي أصبح كما ذكرت سابقاً يتسم بالعداء لإسرائيل هذه الأيام. ولكن مع ذلك، وفي النهاية، فإن اللوبي سيظل يتمتع بنفوذ غير عادي على مستوى السياسات، سواء في أوساط الديمقراطيين أو الجمهوريين.

*هل يمكن أن يتغيّر هذا على المدى الطويل؟
حسناً، لن يتغير في المدى القصير. ماذا عن المدى المتوسط أو الطويل؟ من الصعب الجزم، لكن أراهن على أنه على المدى المتوسط، ستستمر سيطرة اللوبي الإسرائيلي في الحفاظ على نفوذها الكبير على مستوى السياسات، بينما أعتقد أنه إذا حدث أي تغيير ملحوظ في نفوذ اللوبي على مستوى السياسة، فإن ذلك لن يحدث إلا على مدى طويل للغاية. لكن من يمتلك اليقين؟ لقد كتبت أنا وستيف والت كتابنا عن جماعات الضغط الإسرائيلية في عام 2007، ولا أعتقد أن أياً منا تخيل نهائياً أنه في عام 2026، ستتغير الأمور إلى هذا الدرجة، وأن الناس سيكونون على دراية كبيرة بقوة اللوبي ويوجهون انتقادات حادة له، وأن إسرائيل والولايات المتحدة ستكونان بهذه الدرجة من الحماقة لبدء مثل هذه الحرب والتي كانت لها عواقب كارثية على كلا البلدين.

*هل تعتقد أن هذه الحرب ستكون الأخيرة لأميركا في الشرق الأوسط؟
لن أذهب إلى هذا الحد أبداً. لا أعتقد أنه يمكن لأحد أن يقول إن هذه هي آخر حرب في أي مكان، لكن تخميني هو أنه بعد هذه الحرب، ستكون الولايات المتحدة مترددة بشكل كبير في الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط. لقد خضنا حروباً عدة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، وتعد حربا أفغانستان والعراق أبرز مثالين على ذلك، وكلتاهما بكل المقاييس كانتا كارثيتين، والآن الكارثة الكبرى الثالثة هي إيران، لذلك أعتقد أننا سنكون مترددين بشكل ملحوظ في بدء حرب أخرى.

*ذكر ترامب أنه يريد حصّة من نفط إيران مثلما فعل في فنزويلا. كيف يغير خطاب ترامب القانون والنظام الدولي؟
لا أعتقد أن الرئيس ترامب ذهب إلى الحرب ضد إيران من أجل النفط. أعتقد أن هذا لم يكن له علاقة بالنفط على الإطلاق. هو الآن يقول ذلك، لكن هذا مجرد كلام فارغ في وقت متأخر من الأحداث. هذه الحرب ليست من أجل النفط. هذه الحرب لتغيير النظام في إيران. لقد أقنعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أننا نستطيع تحقيق نصر سريع وحاسم في إيران وإسقاط النظام، وأن ذلك سيكون في مصلحة أميركا وإسرائيل، وبالطبع نتنياهو كان مخطئاً وترامب كان أحمق لأنه استمع إليه.

إنها حرب من أجل إسرائيل. من المهم للغاية أن نفهم أن إيران لم تكن تشكّل تهديداً للولايات المتحدة، ولم يكن هناك أي سبب لكي تخوضها. لم تكن إيران تهدّد الولايات المتحدة. لم تهاجم إيران الولايات المتحدة. بل الولايات المتحدة وإسرائيل هما من هاجمتا إيران. والسبب الذي دفعنا إلى ذلك كان من أجل أمن إسرائيل، فنتنياهو كان مهووساً منذ زمن طويل بما يعتقده تهديداً إيرانياً، وأراد أن يجعل الولايات المتحدة تنضم إلى إسرائيل في حرب ضد إيران. وفي 28 فبراير/شباط الماضي، حصل على ما يريد وهذا أدى إلى كارثة.

*إلى أي مدى ستؤثر هذه الحرب في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين أميركا وحلف شمال الأطلسي؟
أعتقد أنه من الواضح تماماً أن هذه الحرب ستكون لها آثار سلبية في علاقة الولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي (ناتو). كان واضحاً قبل 28 فبراير الماضي، أن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا في حالة سيئة جداً، نتيجة الخلافات حول حرب أوكرانيا، ونتيجة تهديد الرئيس ترامب بغزو غرينلاند والحصول عليها من الدنمارك. إذاً حتى قبل الحرب، كانت العلاقات في حالة سيئة. والآن بعد حدوث الحرب، تدهورت العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة بشكل أكبر.

ميرشايمر: الولايات المتحدة أظهرت أنها باتت تمثل عبئاً على معظم حلفائها

أما في ما يتعلق بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية، فلا شك في أن هذا سيكون له تأثير سلبي في العلاقات بين البلدين. بعد كل شيء، لدى الرئيس ترامب ما يقارب ثلاث سنوات أخرى في المنصب، وسيكون غاضباً من الإسرائيليين، خصوصاً من نتنياهو، لأنه قاده إلى هذه الحرب الكارثية. من الواضح أن الإسرائيليين لعبوا الدور الرئيسي في إقناع ترامب بالذهاب إلى الحرب، وإقناعه بالقدرة على تحقيق نصر سريع وحاسم، وعندما لم يحدث هذا، وجدنا أنفسنا في مشكلة كبيرة. وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى توتر العلاقات، على الأقل لفترة من الوقت، بين الولايات المتحدة وإسرائيل. لا شك في ذلك.

*كيف سيؤثر استخدام الرئيس ترامب لمبدأ القوة في تعاملاته مع دول العالم في مستقبل الولايات المتحدة؟
ستكون لهذه الحرب عواقب سلبية على رئاسة ترامب، إذ تمثل فشلاً كبيراً في السياسة الخارجية، ولها عواقب سلبية كبيرة اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة. لذلك لا شك في أنها ستسبب ضرراً كبيراً لرئاسته. وفي ما يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع بقية العالم، بمن في ذلك الحلفاء في شرق آسيا والأوروبيون وفي الخليج، فإن هذا ستكون له آثار سلبية خطيرة. في هذه المرحلة، من الذي يمكنه أن يشعر بالثقة في الاعتماد على الولايات المتحدة؟ من يريد الاحتماء بالمظلة الأمنية الأميركية بالنظر إلى ما حدث خلال الشهر ونصف الشهر الماضيين في الحرب ضد إيران؟ الولايات المتحدة أظهرت أنها باتت تمثل عبئاً على معظم حلفائها. فكّر في دول الخليج من وجهة نظرهم فقط، فقد كانوا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستوفر لهم الأمن وأن التحالف العسكري مع الولايات المتحدة أمر مهم للغاية. لكن بدلاً من ذلك، ما حدث هو أن الولايات المتحدة بدأت حرباً أدّت إلى قيام إيران بمهاجمة تلك الدول، وإلحاق أضرار جسيمة بها. وبالإضافة إلى ذلك أدت الحرب إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز وإغلاق تدفق النفط من الخليج، بطرق تضرّ بدول مجلس التعاون الخليجي. لذلك من وجهة نظرهم، فإن كونك حليفاً للولايات المتحدة يعد بوضوح أمراً سلبياً.