التهبت أسعار النفط والغاز لتبلغ أرقاما قياسية الخميس، بعدما أثارت الضربات الإيرانية التي استهدفت البنى التحتية للطاقة في مختلف دول الخليج مزيدا من المخاوف بشأن الإمدادات. في حين، يزعزع الحصار الإيراني لمضيق هرمز استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي على نطاق أوسع. وقد أدى انقطاع جزء من إمدادات النفط والغاز إلى توترات في قطاع الطاقة، فيما يثير ارتفاع أسعار العديد من المواد الخام مخاوف متزايدة. فهل يقبل العالم على أزمة اقتصادية غير مسبوقة؟"الغضب الملحمي"، عملية عسكرية شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي. وردت الجمهورية الإسلامية بضربات استهدفت البنى التحتية للطاقة في مختلف دول الخليج، وفرضت حصارا خانقا في مضيق هرمز، ما قد يسفر عن عواقب اقتصادية وخيمة.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من نفط العالم والغاز الطبيعي المسال، فضلا عن مواد خام أخرى. تحدّ المضيق من الشمال إيران، ومن الجنوب سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة، ويبلغ عرضه حوالي 50 كيلومترا عند مدخله ومخرجه، بينما يبلغ عرضه 33 كيلومترا في أضيق ممر له.
التهاب أسعار النفط والغاز
لقد واصلت أسعار النفط والغاز ارتفاعها لتصل إلى أرقام قياسية الخميس، عقب ضربات إيرانية استهدفت البنى التحتية للطاقة في مختلف دول الخليج وأثارت مزيدا من المخاوف بشأن الإمدادات.
خلال أسبوعين فقط، قفز سعر برميل خام برنت من حوالي 72 دولارا إلى ما يقارب 120 دولارا بين 27 فبراير/ شباط و19 مارس/آذار الجاري، فضلا عن ارتفاع أسعار الغاز، الذي بلغ نسبة 35% في أوروبا مع استهداف ضربات جديدة منشأة راس لفان الرئيسية للغاز في قطر التي تصدر نحو 20% من الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، وهي ثاني أكبر مُصدّر بعد الولايات المتحدة.وفد سُجل أيضا ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة والألومنيوم والكبريت والهيليوم. ويبدو أن إعادة فتح مضيق هرمز غير مرجحة في الوقت القريب، إذ لم يتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إيجاد حلفاء لتأمين هذا الممر المائي بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي.
يوضح فرانسوا-كزافييه شوشات، عضو لجنة الاستثمار، والخبير الاقتصادي والاستراتيجي في شركة دورفال لإدارة الأصول. قائلا: "من الوهلة لأولى، هناك نقص في النفط بنسبة 20% كي يستمر دوران عجلة الاقتصاد العالمي".
وأضاف: "ولكن مع وجود احتياطيات خاصة وعامة، كتلك التي تحتفظ بها وكالة الطاقة الدولية (التي أعلنت عن إطلاق 400 مليون برميل)، إضافة إلى وجود طرق بديلة لنقل المواد الهيدروكربونية، يُقدّر العجز النفطي الفعلي حاليا بثمانية ملايين برميل يوميا، ما يخفف من حدة الصدمة المتوقعة".
من جهته، يؤكد فيليب فيشتر، كبير الاقتصاديين بشركة أوستروم لإدارة الأصول، أن استقرار سعر برميل النفط لما يقارب الأسبوع، عند حوالي 100 دولار، ليس خبرا مطمئنا ويقول: "إذا دام السعر على هذا الحال، فسيكون له أثر سلبي لأنه سيعكس نقصا في إمدادات النفط. وقد تعاني العديد من الدول الآسيوية من هذا الوضع، مما يؤثر سلبا على المستهلكين والشركات في أوروبا والولايات المتحدة أيضًا".
"الوضع الراهن لا ينذر بأزمة اقتصادية عالمية"
ومع ذلك، يبقى الخبراء الذين حاورتهم فرانس24 مترددين حول ما إذا كان العالم يعيش بداية أزمة اقتصادية عالمية كبرى. فبالنسبة لهم، وحده الزمن كفيل بإثبات ذلك.
ويلفت فرانسوا-كزافييه شوشات إلى أنه "إذا استقر سعر النفط عند حوالي 100 دولار للبرميل مع عجز يومي قدره ثمانية ملايين برميل خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، فإن النماذج تُشير إلى أن ذلك سيُقلل النمو العالمي بنسبة 0.4 نقطة مئوية، ما يدفع النمو الاقتصادي العالمي إلى ما دون عتبة الـ 3% الرمزية بقليل"، علما أن هذه النسبة تمثل مؤشرا على صحة الاقتصاد العالمي.
وإذا انخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى حوالي 2.5%، حينها "سيشهد الاقتصاد العالمي ارتفاعا في معدلات البطالة، حتى ولو كان النمو إيجابيا، وهذه الديناميكية هي التي ستجسّد الأزمة"، وفق شوشات، الذي يرى أن "الوضع الراهن لا ينذر بأزمة اقتصادية عالمية إلى حد الآن".وبالنظر إلى مؤشرات المؤسسات المالية الدولية الكبرى، ليس هناك ما يدفع للتشاؤم المفرط. فقد توَقع كل من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نموا عالميا تصل نسبته إلى 3.2% في العام 2025. وحتى مع استبعاد الانخفاض الطفيف الذي قد ينتج عن إغلاق مضيق هرمز لعدة أشهر، والبالغ 0.4 نقطة مئوية، فإن هذا المؤشر سيظل أعلى من 2.5%.
وعلى صعيد آخر، فإن التوترات التي تطال قطاع الطاقة حاليا لا يمكن مقارنتها مع أزمات النفط السابقة، فهي لا تمت لها بصلة. فقد أظهرت النتائج أن العالم في 2026 بات أقل اعتمادًا على النفط مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. وانخفضت حصة النفط في استهلاك الطاقة الأولية العالمي من 46% إلى 31%.
إلى ذلك، وعلى الرغم من أن الحصار المفروض على مضيق هرمز يتسبب في ارتفاع حاد بأسعار النفط، وانهيار حركة الملاحة البحرية، وتقليص إمدادات الطاقة العالمية، إلا أن التفاؤل لا يزال سيد الموقف في الأسواق المالية، بحسب فرانسوا-كزافييه شوشات، الذي يؤكد: "نحن أقل تأثرا بأسعار النفط مما كنا عليه في سبعينيات القرن الماضي، ولا يعتبر المستثمرون في الأسواق الوضع الراهن أزمة".
ويعلل الخبير الاقتصادي قائلا: "بالنسبة لهم، سيُعاد فتح مضيق هرمز، ليس بعد خمس سنوات أو حتى ستة أشهر، بل في الأسابيع أو الأشهر القادمة. قد يكونون مخطئين، لكن هذا هو السيناريو الذي يراهنون عليه".
إن الوضع الحالي لا يُشبه الأزمة المالية التي طالت العالم في 2008 أو التضخم الذي شهده الاقتصاد العالمي عام 2022. هذا ما يؤكده الخبير الفرنسي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، فيليب أغيون، الذي لا يتوقع "انهيارا" للاقتصاد العالمي أو حتى "ما يُعادل الأزمة المالية للعام 2008"، التي تجاوز خلالها سعر خام برنت 140 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق.
"فتيل التضخم لا يشتعل بمجرد شرارة صغيرة"
وفي حوار مع إذاعة آر تي أل الفرنسية، قال الخبير الفرنسي إن "صراعا طويل الأمد وواسع النطاق سيؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي (...) أرى احتمال تباطؤ، لكن لا أرى انهيارا. لا أرى ما يُعادل الأزمة المالية لعام 2008".
ويذكر أن أزمة 2008 كانت نتيجة أزمة الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة، التي تحولت إلى أزمة مالية محلية قبل أن تصبح أزمة اقتصادية عالمية في الفترة ما بين 2007 و2010.
كما يبدو أيضا، أن المقارنة بين التوترات الحالية في قطاع الطاقة، والتي تُؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع أسعار العديد من المواد الخام، غير متسقة مع الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في العام 2022. إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة في ذلك العام، إلى تضخم قياسي بلغ 10.6% في منطقة اليورو.وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الاستراتيجي بشركة دورفال لإدارة الأصول قائلا: "قبل أربع سنوات، حدث ذلك بالتزامن مع إعادة فتح الاقتصاد العالمي في أعقاب جائحة كوفيد-19. أما اليوم، فقد أصبح هذا السيناريو أقل احتمالا بكثير، لأننا لسنا في مرحلة إيجابية، فسوق العمل أضعف بكثير مما كان عليه في العام 2022. كما أن الأجور تشهد نوعا من التباطؤ حاليا، لذا نحن لسنا في سياق بيئة يشتعل فيها فتيل التضخم بمجرد شرارة صغيرة".
وبدوره، يرى فيليب فيشتر أن "صدمة الطاقة وحدها لا تكفي لإحداث تضخم". وأشار كبير الاقتصاديين في شركة أوستروم لإدارة الأصول في مذكرة، إلى أنه في العام 2022، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ساهم ارتفاع أسعار المواد الغذائية - تُعد أوكرانيا من كبار منتجي الحبوب – والنقص في مخزون الشركات، في تأجيج التضخم آنذاك.
وعلى الرغم من أن الوضع الاقتصادي العالمي الحالي لا يُقارن بالأزمة المالية للعام 2008 أو تضخم 2022، إلا أنه يبقى غير مستقر. وإذا استمر حصار مضيق هرمز لأكثر من ثلاثة أشهر، واقترب سعر برميل النفط من 150 دولارا، فإن الوضع سيتغير جذريا، وقد يرقى نحو الأسوأ.