حذرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية، في تقرير لمحررها لشؤون الأعمال التجارية الدولية أمبروز إيفانز ريتشارد، من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواجه مأزقا سياسيا واقتصاديا شبيها بأزمة قناة السويس عام 1956.
وقالت إن ترمب لا يبدو مستعدا لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي تشنها بلاده وإسرائيل ضد إيران.وأشارت إلى أن الانتصار العسكري الخاطف لا يضمن تجنب الهزيمة السياسية والاقتصادية، تماما كما حدث مع بريطانيا وفرنسا حينما حققتا أهدافهما العسكرية في مدينة السويس المصرية لكنهما خسرتا المعركة بسبب سوء تقدير التبعات المالية والضغوط الدولية.
ترمب لا يبدو مستعدا لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي تشنها بلاده وإسرائيل ضد إيران
وكانت أزمة السويس قد حدثت عندما أقدمت القوات الإسرائيلية يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956 على غزو منطقتي شرق قناة السويس وصحراء سيناء ثم قطاع غزة، مانحة القوات البريطانية والفرنسية ذريعة للانضمام إلى الحرب يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1956 في ما عُرف بالعدوان الثلاثي.
ففي ذلك الوقت -وفق ديلي تلغراف- نجحت بريطانيا وفرنسا عسكريا في تدمير القوات الجوية المصرية والسيطرة على الأجواء خلال ساعات، لكنَّ الأزمة انتهت بإذلال سياسي بسبب الضغوط الاقتصادية وهروب رؤوس الأموال وتبدُّل المزاج الدولي بعد عصر الإمبراطوريات.
وذكر الصحفي إيفانز ريتشارد في تقريره أن ترمب يواجه احتمال الوقوع في فخ مشابه إذا استمرت الحرب مع إيران خلال الأسابيع المقبلة، خصوصا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
حرب 1956 اندلعت بعد تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لقناة السويس (مواقع التواصل)
ورغم أن الأسواق المالية أبدت قدرا من التفاؤل بعد إعلان ترمب أن الحرب "اكتملت تقريبا"، فإن الصحيفة البريطانية تؤكد أن إيران لا تزال تقاتل، في حين يظل تدفق النفط عبر المضيق معطلا.
إعلان
ويحذر محرر الأعمال التجارية بالصحيفة من أن إغلاق حقول النفط مُددا طويلة قد يسبب أضرارا تقنية معقدة في الخزانات النفطية وخطوط التدفق، مما يجعل استعادة الإنتاج الكامل عملية صعبة للغاية.
كما يشير التقرير إلى تعقيدات تتعلق بأمن الملاحة في الخليج، إذ لا تملك الولايات المتحدة حاليا ما يكفي من السفن الحربية لتأمين حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، في حين يتطلب الأمر أسطولا أكبر بكثير ومشاركة دول أوروبية في عمليات كسح الألغام.
إغلاق حقول النفط مُددا طويلة قد يسبب أضرارا تقنية معقدة في الخزانات النفطية وخطوط التدفق، مما يجعل استعادة الإنتاج الكامل عملية صعبة للغاية
وطبقا للتقرير، فإن الحرب على إيران تسببت بالفعل في اضطراب كبير لإمدادات الطاقة العالمية. فقد قدَّر محللون في بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي أن الصراع أدى إلى توقف نحو 17 مليون برميل يوميا من الإمدادات النفطية، أي ما يعادل نحو سدس الاستهلاك العالمي.
كما اضطر العراق إلى خفض إنتاجه بنحو 3 ملايين برميل يوميا بسبب امتلاء مرافق التخزين، في حين تتجه الكويت والإمارات إلى اتخاذ خطوات مشابهة.
وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن نحو 7 ملايين برميل يوميا من الإنتاج في المنطقة توقفت بالفعل.
كما يحذر الخبراء من أن استمرار توقف هذه الحقول أكثر من شهر قد يؤدي إلى ضرر دائم في ضغط الآبار، مما يجعل استئناف الإنتاج عملية تقنية معقدة وباهظة الثمن، بحسب ديلي تلغراف.
ووفقا للصحيفة، فإن الأمر لا يقتصر على النفط بل يمتد ليشمل الغاز الطبيعي الذي شهدت عقوده المستقبلية قفزات هائلة، إضافة إلى نقص الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية التي تعتمد عليها الزراعة والصناعة الأمريكية.
وبحسب ديلي تلغراف، فإن واشنطن ربما قللت من حجم الأخطار الاقتصادية للصراع، إذ أكد الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة لن تتأثر كثيرا بصدمة الطاقة بسبب تحولها إلى مصدر صافٍ للنفط والغاز.
لكنَّ الكاتب يؤكد أن النفط سلعة عالمية التسعير، مما يعني أن ارتفاع الأسعار سيصيب الاقتصاد الأمريكي مباشرة.
وأكد إيفانز ريتشارد في تقريره أن أسعار النفط والغاز سترتفع تلقائيا وبفارق زمني طردي مع استمرار المعاناة الهيكلية لشركات الحفر في الخليج.
وقال إنه على الرغم من أن لا أحد يعلم يقينا أين تكمن نقطة الانهيار في السياسة الأمريكية، فإن قفزة أخرى في أسعار النفط تصل به إلى 150 دولارا -بحسب توقعات مؤسسات استشارية مثل وود ماكنزي- كفيلة بزعزعة القاعدة الانتخابية لترمب، أما وصول السعر إلى 200 دولار فمن شأنه أن "يدمر رئاسته تماما".